لست هنا بصدد عرض مقال في الدين والعقيدة، ولذلك سأكتفي بدايةً بالقول: إن "الحجاب" ليس إسلامياً بمعنى أنّ الإسلام شرّعه، وليس مسلماً بمعنى أن المسلمين هم مَن شرّعوه من تلقاء أنفسهم ليتميّزوا به عن أغيارهم، وإنما هو جزء من ثقافة المجتمعات المحافظة في كل بلاد العالم، وقد سبقتنا إليه نسوة اليهود، والأمهات والأخوات المسيحيات، ولنا في التاريخ مخلّفات منه في ثقافات تنتمي لحضارات سحيقة، مثل الفارسية الزرادشتية، والهندوسية والتيبتية...
ملاحظة أخيرة حول الحجاب، أرجو أن تُنهي هذا النقاش البيزنطي الدائر حوله، مفادها ان القرآن بوصفه "المصدر الأساسي للتشريع الديني"، وأقصد البعثة المحمدية، ذكر الحجاب بمعنيين اثنين فقط لا غير:
الأول، بكونه "باباً مُوارَباً" أو "إزاراُ ساتراً" أو "حائطا مانعاً"، وورد ذكره خصيصاً في وصف مخاطبة صحابة النبي لنسائه في حضرته أو غيابه؛
الثاني: في وصف الطريقة التي يتنزّل بها الوحي الإلهي على الأنبياء والرسل، إما وحياً أو عن طريق رسول من الملائكة والروح أو "من وراء حجاب"... وقد كان تكليم الله لنبيه موسى بهذه الوسيلة الثالثة بالذات.
أما وصف الخمار بالحجاب، وغطاء الرأس بالحجاب، والبرقع واللثام بالحجاب... فتلك مجرد مغالاة في الدين لا أقل ولا أكثر، ابتُلِيَ بها المغالون من السلفية وباقي فصائل الإسلام السياسي... نقطة (.) انتهينا من هذا الموضوع.
نأتي الآن إلى صلب هذا المقال، وهي ظاهرة "إسلاموفوبيا فرنسا ماكرون"، التي تخطت كل الخطوط الحمراء، ودخلت في خصام مع خطوط كل ألوان الطيف الستة الأخرى، لا لشيء سوى لأن الانتخابات باتت مرة أخرى على الأبواب، ومن عادة الأحزاب الفرنسية سواء في أقصى اليمين أو وسطه أو أدناه، أن تبحث في هذه المناسبة بالذات عن مشجب متين تعلق عليه مخاوفها، ومظاهر ارتباكها السياسي التاريخي، لأنها على امتداد تاريخها لم تعرف سوى الخوف والارتباك، فلا تجد أفضل ولا أمثل من الجاليات المسلمة في فرنسا، وفي أوروبا بتحصيل الحاصل، ولا تجد ما تؤاخذ عليه هذه الجاليات، المستميتة في كفاحها اليومي من أجل دعم خطط التنمية في فرنسا ذاتها، وفي الوسط الأوروبي برمته، ما عدا تلك الخرقة التعسة، التي تتمسك بها نسوة مسلمات ظنا منهن أنها جزء من دينهن، وما هي جزء منه كما سبقت الإشارة، ولا يجد السياسيون ولا حتى الرسميون في بلاد فولتير ما يفعلونه سوى البحث عن رؤوس تحمل تلك الخرقة في فضاءات الوطن، بحجة أنها تفسد النمط الثقافي الفرنسي، بل الأكثر من ذلك، بالقول إنها تعبر عن رفض المرأة المسلمة ومن خلالها الجاليات المسلمة لذلك النمط، واعتبارها ذلك السلوك المسالم رفضا لقيم المجتمع الفرنسي ومبادئه وثوابته... وأن هذا السلوك عدائي ومرفوض، لأنه لا يحترم قوانين وتشريعات البلد المضيف، ويُخِل بالتالي بواجبات الضيف تجاه مُضيفه... وأن هذا، أيضا، وهو غير مقبول بتاتاً، يجعل تلك الجاليات فوق القانون، وفوق المواطنين الفرنسيين... بْلا بْلا بْلا بْلا... "وأراك يا فم وقول" !!
مناسبة "وقوف حمار الشيخ في هذه العقبة بالذات"، مشهد ظريف، في فيديو طريف، يستوقف فيه شرطي فرنسي مواطنة فرنسية تسوق سيارتها بتؤدة، ولكنها منشغلة بالتكلم أثناء السياقة عبر هاتفها المحمول، وقد وضعت على رأسها "فولاراً" بسيطاً لا يغطي شعرها بالكامل، وبالتالي ليس "إسلاميا"، ومباشرة بمجرد توقفها دار بينهما الحوار التالي:
- هل تعرفين لماذا أوقفتُكِ؟
- ربما لأنني "خفيفة الظل"... قالتها على سبيل الممازحة وهي تضحك بملء فيها !
- ليس كذلك سيدتي، وهذا ليس موضوعَ مزاح...
توقفت فجاةً عن الضحك وقد تغيرت ملامحها، وبدت كأنها فطنت إلى أن مكالمتها الهاتفية أثناء السياقة هي السبب:
- آه... أنا آسفة... إنه الهاتف... أنا أعتذر (ثم أبعدت سماعة الهاتف عن أذنها وألقت به على المقعد المجاور)...
- لا... الهاتف لا يهمني...
- آه آسفة إنه حزام السلامة... قالتها وهي تجذب الحزام الذي يبدو أنها تسيت ربطه حول خصرها...
- ولا حزام السلام... هذا أيضا لا يهمني...
نظرت إليه باندهاش شديد ثم عادت لتقول له وهي في غاية الارتباك:
- أوه ياسيدي أنا... أعترف أنني لا أحمل رخصة سياقة...
- هذه أيضا لا تهمني...
سألته بذهول شديد:
- إذن ما السبب في توقيفي؟!
أجابها الشرطي على سؤالها بسؤال آخر:
- هذا الفولار الذي تضعينه على رأسك... هل هو إسلامي؟
(هنا... سكتت الكاميرا ونطق التاريخ !!!).
قلتُ إن هذا الفيديو طريف وظريف، والسبب أنّه حمل المشكلة الكأداء التي تقضّ اليوم مضاجع الفرنسيين، ساسةً ومسؤولين حكوميين وبرلمانيين وأمنيين وعناصر شرطة... وقدمها في طبق فكاهي رغم أنه كان جديا إلى أقصى درجة... (لا يهمني أن تسوقي وأنت تتكلمين عبر الهاتف، ولا أن تسوقي دون ربط حزام السلامة، ولا حتى أن تهددي حياة المارة وعابري السبيل بالسياقة دون التوفر على رخصة سياقة... الذي يهمني، فقط لا غير، هو تلك القطعة من القماش التي تغطين بها شعرك لسبب أو لآخر، "هل هي إسلامية"؟) تلك إذَنْ هي المشكلة !!
لننظر إلى هذا المنطق الفرنسي الجديد:
- مخالفة الهاتف = عادي؛
السياقة بلا حزام السلامة = عادي؛
- القيادة بلا رخصة سياقة = عادي؛
- فولار رغم أنه غير إسلامي = خطير... وجريمة تهدد الجمهورية !!
إذن المشكل ليس في مخالفة القانون، المشكل في رأس المرأة المغطى بالفولار. وبتعبير آخر، المشكل في الشكل وليس في الفعل.
لننظر الآن إلى هذا النفاق التاريخي البئيس:
إن فرنسا هي التي صدّرت "موضة الحجاب" للعالم كله في خمسينات وستينات القرن الماضي، عن طريق دُورِ أزيائها الراقية: "كوكو شانيل"، و"كريستيان ديور"، و"وإيف سان لوران" و"بيير كاردان" وغيرها كثير...
فرنسا هذه، هي نفسها اليوم، التي تُتَرجِم قطعة قماش موضوعة على رأس فتاة لسبب أو لآخر بكونها "ضد العلمانية"، وبالتالي ضد قيم الجمهورية.
فرنسا أيضاً، هي التي كانت تغطي رؤوس الأخوات في كل المدارس الكاثوليكية، ثم تأتي اليوم لتقتلع الفولار اقتلاعاً، وبمنتهى العنف اللفظي والجسدي، من فوق رأس تلميذة مسلمة، ثم تقول إن ذلك من أجل "تحرير المرأة"...
فهل هذا تحرير يكرّس الحقوق، أم هو تجريد من تلك الحقوق؟!
نهايته... إن فرنسا لا تخاف من الحجاب. فرنسا تخاف من المرأة اللي اختارت أن تضع على رأسها شيئا تتميّز به.
تخاف من المواطِنة اللي قالت "لا للاستهلاك"، مقابل "نعم لصَوْن الهُوِيّة"...
لذلك قررت فرنسا أن تجعل من "الخرقة" شماعة، لأنها عجزت عن أن تجد في سجل الجاليات المسلمة ما هو أخطر من قطعة قماش.
وأعود لأختم بأن هذا "الحجاب" ليس حجاباً بلسان القرآن، وبالتالي ليس إسلامياً ولا بنسبة1%... أما هذه "الإسلاموفوبيا" فهي فرنسية بنسبة 100%، ومِن صُنْع الإليزيه، وبضمانة مستديمة للماركة التجارية: "مَادْ إنْ فْرَانْش"... ومرة أخرى... عجبي!!!






