فن وإعلام

حين نهض نجيب محفوظ يحييني

لحبيب الدايم (كاتب)

بعض المبالغات قد تكون مفيدة كما قال بيير زيما...لكن يبدو أن القاص يوسف القعيد كان قد بالغ " حبتين وزيادة" حين زعم وهو يقدمني، في ذلك الأصيل من شهر مارس عام 2005 إلى الأديب نجيب محفوظ: ده أكبر ناقد في شمال إفريقيا. يامولانا..أخذوه ثلاث ساعات عشان اسمه يشابه اسما آخر قد يكون مطلوبا.( والواقع أن الاسم الآخر المحتمل هو اسم البروفيسور اليمني عالم الكومبيوتر والرياضيات الذي لم يكن مطلوبا على أية حال)لم أشأ تصحيح الحكاية . الأمر كله مجرد خمس عشرة دقيقة. معلهش يا أستاذ . متأسفين على الإزعاج .قالت لجنة الاستقبال، حينما استوقفوني قليلا في حواجز العبور بميناء القاهرة.أي المطار. لكن القعيد أمعن في المغالاة: ده روائي حداثي فظيع يكرر للعم نجيب المسربل في شيخوخته. ويلتفت إلى باقي الرفقة: دول مغاربة جاوا يشوفوك( سعيد يقطين وشعيب خليفي وأنا طبعا). يامرحبا يامرحبا يرد العم نجيب محفوظ وهو ينهض خفيفا رغم الوهن...ثم يجلس...يرتشف جرعة من قهوته السادة تاركا السيجارة تنطفئ في المنفضة. ينوه بالثقافة المغربية وخاصة التجربة النقدية ...كلامه متعثر وسمعه ضعيف...يحتاج باستمرار الى من يتولى مساعدته...من دون أن يتخلى عن روح دعابته المعتادة...... نشرب شايا في شبه خشوع ونأخذ صورا للذكرى.. سعيد يقطين ينقذ الموقف بكاميرا نصف جيدة حينها .لكن بلا فلاشات لأن الأستاذ صار يتضايق من الفلاشات.فتطلع الصور باهتة( من حسن حظي أنه سبق لي أن حظيت بتوقيع ثمين من نجيب محفوظ سنة 1996 حين فزت بجائزة يوسف عبد القدوس للرواية وكان الأديب الكبير هو من يترأس لجنتها).وقبل أن نغادر يلتحق بنا الجراح السوري خليل النعيمي والروائي الجزائري واسيني الأعرج وزوجته الشاعرة زينب الأعوج. بدت زينب متأثرة. عانقت الأستاذ بحرارة. قبلت وجنتيه ويديه . بعد قليل دخل المترجم الأمريكي روجر ألن خفيفا شفافا. الزيارات بالمواعيد. صحة الأستاذ لم تعد تحتمل. خاصة بعد حادثة الاعتداء التي تعرض إليها.. ومساء كل ثلاثاء بعبّارة "فرح بوت" كان يجالس نجيب محفوظ ثلة من أصفيائه وعلى رأسهم جمال الغيطاني ويوسف القعيد. العوّامة ملك خاص لأحد أصدقاء صاحب نوبل من رجال الأعمال. لولوجها يلزم النزول عبر سلالم خشبية وبوابات وموافقة المسؤولين عن الأمن. منظر نجيب محفوظ في لحيته الخفيفة وعمره المتقدم يوحي بالشرود. الصور الملتقطة معه تبعث على الإحساس بالذنب ، بالحرج تلك ضريبة الشهرة. نجيب صار أيقونة. تمثالا. فرعونا آخر. ذكرى حزينة لكنها جديرة بالتقدير والفخار.