هل أصبحت الثقافة، من الكتاب والرواية إلى الموسيقى، أداة إضافية في يد السياسي والمرشح للانتخابات؟ وهل يمنح الكتاب السياسي فرصة لتقديم نفسه بصورة تتجاوز المعارك الحزبية والمناورات الانتخابية؟ وهل أصبح الكتاب نوعاً من «بطاقة زيارة» يدخل من خلالها السياسي إلى أوساط إعلامية وثقافية وفكرية، ويتواصل مع جمهور قد لا تصل إليه الحملات السياسية التقليدية؟
تتجدد هذه الأسئلة في فرنسا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في ربيع 2027، وعودة عدد من الشخصيات السياسية إلى واجهة المشهد عبر بوابة الثقافة.
هولاند ينثر حصاه على طريق الإليزيه
آخر الأمثلة الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند، الذي أصدر في 3 سبتمبر 2026 عن دار Robert Laffont كتابه «Unir. Nouveau monde, nouvelle gauche»، أي «التوحيد: عالم جديد، يسار جديد».
صحيفة «لوسوار» البلجيكية اختارت عنواناً لافتاً للحديث عن الكتاب: «فرانسوا هولاند: كتاب لنثر حصاه على الطريق نحو الإليزيه»، في إشارة إلى أن الرئيس الأسبق، من دون إعلان ترشحه حتى الان في معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة في ربيع 2027 ، يضع حجراً بعد آخر على طريق عودة محتملة إلى السباق الرئاسي.
فالكتاب ليس مذكرات عن سنواته في الإليزيه، بل أقرب إلى كتاب-برنامج يعرض فيه رؤيته لـ«يسار جديد»، ويقدم أكثر من ثمانين مقترحاً تتناول الاقتصاد والضرائب والتقاعد والهجرة والدولة وأوروبا والسياسة الدولية.
وهو امتداد لعلاقة هولاند بالكتاب منذ مغادرته الرئاسة. فقد أصدر عام 2018 «Les Leçons du pouvoir» (دروس السلطة)، ثم كتباً بينها «Leur République» (جمهوريتهم) و**«Leur État» (دولتهم)** و**«Leur Europe» (أوروباهم)**. لكن كتابه الجديد يختلف عنها بتوجهه الواضح نحو المستقبل السياسي أكثر من استعادة الماضي.
الكتاب مساحة سياسية وإعلامية إضافية
إصدار الكتاب لا يقتصر، بالنسبة إلى السياسي، على نشر أفكاره بين دفتي مؤلَّف، بل يفتح أمامه مساحة جديدة للحضور العام تختلف عن التجمع الانتخابي أو المؤتمر الحزبي. فصدور كتاب جديد يعني مقابلات تلفزيونية وإذاعية وصحفية، وظهوراً في البرامج الثقافية، ومراجعات ومقالات في الصحافة، فضلاً عن حفلات التوقيع واللقاءات مع القراء والمشاركة المحتملة في معارض الكتب.
وكل توقيع أو مقابلة أو لقاء مع القراء يصبح فرصة إضافية للسياسي للحديث عن نفسه وأفكاره وبرنامجه. كما يسمح له الكتاب بالدخول إلى المجال الثقافي والفكري والتواصل مع شرائح من الجمهور ربما لا تتابع الاجتماعات الحزبية أو الحملات الانتخابية. وبذلك تصبح الحملة الإعلامية المصاحبة لإصدار الكتاب مساحة تضاف عملياً إلى المساحات التقليدية المتاحة للشخصية السياسية الساعية إلى تعزيز حضورها أو العودة إلى المنافسة الانتخابية.
دو فيلبان: السياسة والكتاب والموسيقى
التجربة الأخرى يقدمها رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان، أحد أبرز وجوه التيار الديغولي ووزير الخارجية ورئيس الوزراء في عهد جاك شيراك، والذي ارتبط اسمه خصوصاً بخطابه الشهير أمام مجلس الأمن في فبراير 2003 ضد الحرب الأميركية على العراق، وهو موقف أكسبه شعبية واسعة في فرنسا والعالم العربي.
ومع عودته إلى واجهة المشهد السياسي، يستخدم دو فيلبان وسائل التواصل الاجتماعي ليس فقط لعرض مواقفه، وإنما أيضاً للحديث عن الكتب والروايات والموسيقى. فهو يختار أعمالاً أدبية وموسيقية ويتحدث عنها وعن علاقته بها، في امتداد لاهتمام قديم لديه بالأدب والشعر والفن ولإنتاجه الشخصي في مجال التأليف.
وهنا تصبح الثقافة جزءاً من الطريقة التي يقدم بها السياسي شخصيته إلى الجمهور، إلى جانب خطابه وبرنامجه السياسي.
ساركوزي والكتاب لرواية التجربة الشخصية
ومن زاوية مختلفة، استخدم الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الكتاب بكثافة بعد مغادرته الإليزيه، سواء للعودة إلى تجربته السياسية أو لتقديم روايته الشخصية للأحداث التي عاشها.
وظهر ذلك مجدداً عندما حوّل تجربة سجنه، إثر إدانة قضائية، إلى مادة لكتاب يتناول تلك الفترة القصيرة والاستثنائية في حياته.
وتختلف هنا وظيفة الكتاب عن حالة هولاند: فبينما يستخدم هولاند كتابه الجديد لتقديم رؤية سياسية للمستقبل، يوظف ساركوزي الكتاب أيضاً لاستعادة رواية تجربته وتقديمها مباشرة إلى الجمهور.
وهكذا تبدو أمامنا ثلاثة استخدامات مختلفة للثقافة في المجال السياسي الفرنسي في مرحلة انتخابية هامة قد يكون من نتائجها تغير مفصلي في المشهد السياسي الفرنسي والأوروبي.






