فن وإعلام

في الفارق بين النص والأثر الأدبي عند رولان بارت

عبد السلام بنعبد العالي (عن مجلة 'المجلة')

إعادة نظر في نظرية الكتابة

ليس من السهل تحديد "النص" عند بارت، لن نقول "مفهوم النص"، لأن النص عنده ليس مجرد مفهوم يعرف، إنما "مفعول" يختبر. ما يحدده أساسا هو قدرته على خلخلة التصنيفات المعهودة. على هذا النحو، فالنص دوما بدعة. لا تعني البدعة هنا مجرد مخالفة رأي شائع، وإنما الخروج عن الدوكسا (doxa)، أي عن الرأي العام الذي يبدو بدهيا طبيعيا غير قابل للنقاش. فالدوكسا هي المعنى حين يتحول إلى يقين اجتماعي، وحين نقول إن النص خروج عنها، فإننا نعني أنه قدرة على خلق المفارقات. (Para-doxes) فهو لا ينتج حقيقة جديدة تحل محل الحقيقة القديمة، بل يربك نظام البداهة نفسه. فالنص لا يكون بدعة لأنه يقول شيئا مخالفا للدوكسا، بل لأنه يحول بينها وبين أن تستقر داخل اللغة.

من هنا يتضح ما يميزه: انفلاته من كل تأويل نهائي، وامتناعه عن الانغلاق. فإذا كان النص خروجا عن الدوكسا، فإن التأويل لا يأتي لكي يعيد حشره في نظام ثابت للمعنى. ولا نهائية التأويل هنا لا تعني أن النص غامض أو أنه يحمل معاني لا تستنفد، وإنما تعني أن بنية النص نفسها تحول دون امتلاك معنى نهائي. لذلك لا يكون القارئ إزاء النص أمام معنى ينتظر أن يكتشف، بل أمام نسيج من المعاني تتوالد كلما دخل النص في علاقة جديدة عبر القراءة.

بين النص والأثر

النص نسيج وشبكة، لذا هو لا يدخل ضمن تراتبات، ولا ينقسم أجناسا. فهو ليس جزءا من كتاب، ولا قسما من أثر (œuvre)، ولا بعضا من إنتاج. وهنا يكمن الفارق الجوهري بينه وبين الأثر الأدبي: فما يميز الأثر أنه قطعة من مادة تشغل حيزا في فضاء الكتب، أما النص فلا يتحدد بهذا الحيز المادي، ولا يختزل إلى الكتاب الذي يحمله، إنه يتعين فقط داخل عمل وإنتاج وممارسة. فالأثر الأدبي يشار إليه، أما النص فيبرهن عليه، الأثر تتناوله اليد، أما النص فتتناوله اللغة. والنص، مثل درب هايدغر، يتعين بالسير عليه، ويتحدد بالأقدام التي ترسمه، إنه يخط لا من أجل السير، بل بفعل السير ذاته.

ليس معنى هذا أن النص "منهج" في مقابل "موضوع"، ولا أنه حركة في مقابل شيء جامد. والأهم من ذلك أن النص لا يقابل الأثر كما يقابل اليسار اليمين. فليس الأثر الأدبي كلاسيكيا والنص طلائعيا في الضرورة، إذ قد تنطوي آثار أدبية قديمة على نصوص، كما أن كثيرا من الإنتاج الأدبي المعاصر ليس بنصوص.

فإذا كان ما يتسم به الأثر الأدبي هو محدوديته المادية، أي كتاب له صفحات ومؤلف وبداية ونهاية، يمكن وضعه أمامنا بوصفه شيئا مكتملا نحلله ونفسره وننسبه إلى صاحبه، فإن النص على النقيض من ذلك، إنه لا نهائي، ورمزيته لا حدود لها. إنه نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء، لا لأنه يقول عددا لا نهائيا من الأشياء اعتباطا، بل لأن كل دال فيه يدخل في شبكة لا تنتهي من الدلائل الأخرى. لذلك يقول بارت، في معنى أساس، إن النص ليس شيئا نمتلكه، بل شيء "يحدث" في القراءة. إنه "حدث"، لا شيء مكتمل، ولهذا ابتعدنا منذ البداية عن عبارة "مفهوم النص".

النص ليس صوتا أصليا صادرا عن ذات أصلية، بل نسيج وخيوط متقاطعة، أصوات تتداخل، ذاكرة لغوية، نصوص سابقة، ثقافة، استعارات، إيقاعات، أنواع خطاب. فليس هناك مصدر وحيد لمعانيه قد يكون هو "المؤلف"، لأن ما نسميه "صوت المؤلف" نفسه مركب من أصوات سابقة. النص ليس ما يصدر عن مؤلف، بل ما "يحدث" حين تدخل أصوات متعددة في علاقة لا تختزل إلى صوت واحد أو معنى نهائي.

التناص عند بارت

من هذا المنطلق، لا يعود التناص عند بارت مجرد علاقة بين نصين محددين: هذا النص يحيل على ذاك، وهذه العبارة مقتبسة من تلك. هذا الفهم، رغم صحته في مستوى معين، يجعل النصوص كأنها وحدات مستقلة تدخل في علاقة في ما بينها. أما عند بارت فالأمر أكثر جذرية. النص لا يأتي أولا ثم يدخل في علاقات تناص، بل يتكون أصلا من هذه العلاقات. فلا نهائية النص ليست فقط نتيجة تعدد تأويلاته، بل نتيجة استحالة إغلاق سلسلة النصوص التي يتكون منها، كل نص يستدعي نصوصا، وهذه تستدعي غيرها، وهكذا دواليك.

فالتناص هنا ليس حضور نص في نص، بل استحالة أن يكون النص حاضرا في ذاته وحده. وهكذا ننتقل من التناص كعلاقة بين نصوص إلى التناص كشرط وجود النص، وننتقل معه من فهم التناص كتفاعل بين نصوص إلى فهمه بوصفه نسيج النص ذاته. فكل نص يدخل فيه كل نص، وكل نص نسيج وشبكة. لذلك يحيل النص على ذاته قبل أن يرد إلى غيره، فهو لا ينحدر من سلالة، ولا يدين بوجوده لأب.

نحن هنا أبعد ما نكون عن استعمال التناص بمعناه المدرسي الشائع الذي يجعله أداة للعثور على المصادر أو التأثيرات، فهذا الاستخدام يعيد إنتاج تصور النص باعتباره أثرا مغلقا له أصل محدد ومعنى يمكن استعادته. التناص عند بارت ليس نظرية في العلاقة بين النصوص فحسب، بل نظرية في غياب الأصل، وهذا ما يصله وصلا وثيقا بـ"موت المؤلف"، وبالنص المفتوح، وباستحالة التأويل النهائي.

بموت المؤلف، لن تعود حياته مفتاحا لتفسير عمله، بل تصبح هي نفسها مادة قابلة للسرد كأي مادة أخرى. ولا يعني هذا أنه لا يمكن أن يعود الى الظهور في نصه، لكنه لو عاد فإنما في صورة ضيف "مدعو" على حد قول بارت. فإن كان كاتب رواية، ظهر فيها كشخصية من شخصياتها، ولم تعد حياته مصدر حكاياته وأصلها، بل مجرد حكاية تنافس عمله وأثره.

وإذا كان بارت قد سحب من المؤلف تلك السلطة التي تجعل منه أصل النص ومالكه، فإنه لا يترك مكانه فارغا، لكنه يملؤه بالقارئ — لا القارئ الذي يكتفي بفهم ما كتب، بل القارئ بوصفه فاعلا في إنتاج النص. فإذا كان الأثر الأدبي مرتبطا بالمؤلف، ومهمة القارئ أن يقرأه ويفهمه ويفسره، فإن النص عند بارت يقلب العلاقة كلها: إنه ليس منتجا نهائيا يصل إلى قارئ سلبي، بل حقل عمل وإنتاج وممارسة. ولذلك لا تأتي قراءة النص بعد الكتابة بوصفها مرحلة استهلاك، بل تدخل في إنتاج النص نفسه.

فاعلية القارئ

بقدر ما يهون النص من فاعلية المؤلف، يهول من فاعلية القارئ، فيقتضي منه مساهمة فعالة، ويقضي على المسافة الفاصلة بين الكتابة والقراءة. فالنص يستدعي قارئا "يلعب" النص، بجميع المعاني التي يحملها الفعل الفرنسي jouer، الذي يعني في آن واحد: يلعب، ويؤدي، ويمثل، ويعزف، ويقوم بدور. فالقارئ يمثل النص تمثيلا مسرحيا، لكنه "يلعبه" أيضا كما يعزف العازف مقطوعة موسيقية، أي أن النص لا يتحقق إلا في الفعل الذي ينجزه القارئ من خلاله.

يسوق بارت مثل الموسيقى لأن تاريخها كممارسة يماثل عنده إلى حد بعيد تاريخ النص: كان زمن يكثر فيه الهواة، ولا فارق فيه بين تأدية الألحان والإصغاء إليها. ثم ظهر العازف الماهر الذي فوض إليه الجمهور تأدية اللحن (وهذه قصة البيانو)، ثم ظهر الهاوي الذي يسمع الموسيقى دون أن يعزفها (فحلت الأسطوانة محل البيانو). لكن الموسيقى المعاصرة زعزعت اليوم دور "العازف الماهر": لم يعد يطلب منه أن يفسر المقطوعة بمعنى استخراج معنى واحد مخفي فيها، بل أن يجعلها "تحدث". فالقطعة لا توجد بوصفها موسيقى مكتملة إلا عبر الأداء وبفضله. والمنتظر من العازف أن يكون شريكا للمؤلف في مقطوعته، "يعمل على إكمال نقصها أكثر مما يعمل على التعبير عنها".

الشيء نفسه يحدث للنص: فهو لا يستهلك بل يؤدى. النص إمكان، والقارئ يفعله ويعيد توزيع عناصره، ويخلق عبر القراءة علاقات جديدة داخله. ومن هنا تصبح القراءة نوعا من الكتابة الثانية. فبارت لا يرى أن القارئ يفهم النص فحسب، إنما يعيد كتابته أثناء قراءته، يصل بين ما لا يبدو متصلا، ويستدعي ذاكرة نصوص أخرى، ويغير مواقع الدلائل، ويعيد إنتاج العلاقات داخل النسيج. ومن هنا أيضا يغتني معنى "النص المفتوح"، فهو مفتوح لا لأنه يسمح بتأويلات كثيرة وحسب، بل لأنه يحتاج إلى فعل القراءة لكي يتحقق أصلا.

ومع ذلك، فكما أن العازف لا يفعل بالقطعة ما يشاء ولا يخلقها من عدم، وإن كان لا ينفذ فيها معنى نهائيا مفروضا عليها سلفا — إذ ثمة نص موسيقي موجود، لكن لا وجود لموسيقاه إلا بالأداء — كذلك القارئ: إنه حرية داخل بنية، وإنتاج داخل مادة موجودة، وأداء لا يعني اختراعا اعتباطيا.

يتضح إذن أن النص عند بارت ليس مجرد إعادة تسمية لـلأثر الأدبي، فهو إعادة نظر في نظرية الكتابة الأدبية ذاتها، وقلب كامل لمنظومة العلاقات التي تحكم الكتابة والقراءة معا. فحين ينتقل التركيز من الأثر المغلق إلى النص المفتوح، ومن سلطة المؤلف إلى فاعلية القارئ، ومن التأويل الذي يبحث عن معنى واحد إلى القراءة التي تنتج معنى متجددا، فإن بارت يعيد تعريف الكتابة الأدبية ذاتها بوصفها ممارسة لا موضوعا، وحدثا لا شيئا مكتملا. وهنا يكمن الرهان الحقيقي لمفهوم النص: إنه يحول القراءة من فعل استهلاك إلى فعل مشاركة في خلق لا ينتهي.