فالمفارقة الأساسية أن الحزبين اللذين يشكلان محور هذا المشهد الانتخابي، التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ينتميان إلى التجربة الحكومية نفسها، ثم يخوضان في الوقت ذاته منافسة انتخابية شرسة توحي أحيانًا بأن أحدهما يريد أن يقدم نفسه باعتباره بديلًا عن الآخر. والمفارقة في هذا السياق: كيف يمكن لحزب أن يكون شريكًا في الحكومة، ثم يخوض الانتخابات ضد نتائج الحكومة نفسها، أو ضد شريك حكومي كان بالأمس حليفًا؟ إنها ليست مجرد مفارقة انتخابية؛ إنها تطرح سؤالًا أعمق حول معنى المسؤولية السياسية في النظام الحزبي المغربي.
أولًا: حكومة واحدة... وروايتان انتخابيتان
إن الأحرار والبام ليسا حزبين معارضين أحدهما للآخر بالمعنى المؤسساتي. كلاهما شارك في تدبير المرحلة الحكومية المنتهية، وبالتالي فلهما نصيب متفاوت من المسؤولية السياسية عن حصيلة هذه التجربة. لكن الانتخابات تدفعهما إلى إنتاج خطابين مختلفين: الأول يريد أن يقول للناخب: لقد أنجزنا ونستحق الاستمرار. والثاني يقول عمليًا: لقد شاركنا في التجربة، لكننا نريد تغيير المسار. وهذا ما يجعل المشهد يبدو وكأننا أمام "جسد حكومي برأسين انتخابيين".
والأكثر إثارة أن حزب الأصالة والمعاصرة قدم برنامجًا انتخابيًا بعنوان "من أجل تغيير المسار"، يتضمن خمسة مواثيق و20 التزامًا، ويقدر الحزب كلفتها الإضافية بحوالي 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، مع هدف خلق مليون منصب شغل صافٍ. أما التجمع الوطني للأحرار فيقدم نفسه باعتباره صاحب تجربة حكومية يريد مواصلة تنزيلها، من خلال برنامج يقوم على "كرامة، وفرص للجميع"، ويتضمن التزامات في مجالات اجتماعية واقتصادية متعددة.
والسؤال السياسي الحقيقي هنا: إذا كان البام يريد تغيير المسار، فهل يعني ذلك أن المسار الذي شارك فيه حكوميًا كان خاطئًا؟ وإذا كان الأحرار يريد الاستمرار، فما موقع شريكه الحكومي في تقييم الحصيلة؟
ثانيًا: المشكلة ليست في البرامج... بل في المسؤولية عنها
فمن السهل أن تقدم الأحزاب برامج انتخابية مليئة بالأرقام والوعود، لكن الديمقراطية لا تقوم على "ماذا سنفعل؟" بل تقوم أيضًا على "ماذا فعلتم عندما كنتم في موقع المسؤولية؟". فالانتخابات هي امتحان للذاكرة السياسية. فلا يمكن لحزب شارك في الحكومة أن يتصرف وكأنه كان خارجها طوال الولاية، ثم يقدم نفسه باعتباره القوة التي ستصلح كل شيء بعد الانتخابات.
إن المواطن لا يحتاج فقط إلى وعود جديدة؛ بل يحتاج إلى كشف حساب. ومن هذه الزاوية، فإن انتخابات 2026 ينبغي أن تكون انتخابات المحاسبة قبل أن تكون انتخابات الوعود.
ثالثًا: المعارضة الغائبة... المفارقة الثانية
أما المفارقة الأخرى، فهي أن المعارضة، التي يفترض أن تكون البديل الديمقراطي الطبيعي للحكومة، لا تبدو حتى الآن بالقوة السياسية والتنظيمية التي تسمح لها بتحويل الاستحقاق إلى منافسة واضحة بين مشروعين: مشروع حكومي ومشروع معارض. صحيح أن بعض أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها العدالة والتنمية، تتحدث عن المعارضة الاقتراحية، وعن برنامج يركز على التعليم والصحة والمقاولة والشغل... إلخ. لكن المشكلة تتجاوز وجود البرامج من عدمه. إن المشكلة هي قدرة المعارضة على إقناع المواطن بأنها بديل قابل للحكم.
فالمعارضة الديمقراطية لا تعني رفع الصوت، ولا مهاجمة الحكومة، ولا استثمار الغضب الاجتماعي. بل المعارضة الحقيقية تعني: تشخيصًا بديلًا؛ أرقامًا بديلة؛ سياسات عمومية بديلة؛ كفاءات قادرة على التنفيذ؛ وأخلاقًا سياسية تجعل المعارضة مستعدة لتحمل مسؤولية ما تقترحه.
رابعًا: من المعارضة البرامجية إلى الشعبوية؟
إن الخطر الأكبر في انتخابات 2026 ليس أن تكون المعارضة ضعيفة فقط، وإنما أن يتحول ضعفها إلى شعبوية انتخابية. فالشعبوية تبدأ عندما يصبح السياسي أكثر اهتمامًا بإرضاء الغضب الشعبي من معالجة أسبابه، فتتحول بذلك الانتخابات إلى مزاد: من سيعطي أكثر؟ من سيعد بالتشغيل أكثر؟ من سيرفع الأجور أكثر؟ من سيخفض الأسعار أكثر؟ من سيمنح دعمًا أكبر؟ في حين أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو: من سيدفع تكلفة هذه الوعود؟
فالبرنامج الانتخابي الجاد ليس قائمة أمنيات، وإنما عقد سياسي ومالي واجتماعي يجب أن تكون له مصادر تمويل، وآليات تنفيذ، وجدول زمني، ومؤشرات لقياس النتائج. وهذه المسألة بالذات تجعل البرنامج الانتخابي للبام، مثلًا، قابلًا للنقاش النقدي الجدي، لأنه قدم أرقامًا مالية واضحة والتزامات محددة؛ لكن ذلك لا يعفيه من السؤال عن قابلية هذه الالتزامات للتمويل والتنفيذ ضمن التوازنات الماكرو-اقتصادية.
خامسًا: أين اختفت الثنائية الديمقراطية؟
ففي الديمقراطيات القوية، يفترض أن تكون المعادلة واضحة:
حكومة، تدافع عن حصيلتها. ومعارضة، تنتقد الحصيلة وتقترح بديلًا.
لكن النموذج المغربي في انتخابات 2026 يبدو أكثر تعقيدًا: فالحكومة تدافع عن حصيلتها، وأحزاب حكومية تنتقد جوانب من المسار، ومعارضة تبحث عن موقعها، وناخب يبحث عن من يصدقه.
ومن هنا قد تكون المعركة الحقيقية في 2026 ليست بين الحكومة والمعارضة، وإنما بين الأحزاب المتنافسة داخل المجال الحكومي نفسه، وبين الجميع وبين أزمة الثقة السياسية.
سادسًا: الناخب هو الطرف الذي يملك الحكم الأخير
إن كل التحليلات المتعلقة بنتائج الانتخابات تبقى افتراضات قبل فتح صناديق الاقتراع. وقد بدأت بالفعل تظهر قراءات متباينة: من يرجح استمرار تصدر الأحرار، ومن يرى إمكانية تقدم الاستقلال، ومن يتوقع استفادة العدالة والتنمية من التصويت العقابي. لكن هناك متغيرًا لا يمكن لأي استطلاع أو تحليل حزبي أن يختزله، هو:
الناخب المغربي.
فقد يقرر التصويت للاستمرار، وقد يصوت للتغيير، وقد يعاقب الحكومة، وقد يعاقب المعارضة، وقد يختار العزوف. ولهذا فإن أخطر نتيجة ممكنة ليست بالضرورة أن يفوز هذا الحزب أو ذاك، وإنما أن تتسع المسافة بين المواطن والسياسة.
سابعًا: انتخابات 2026 واختبار الأخلاق السياسية
ولهذا السبب، فإن السؤال المركزي في هذه الانتخابات يجب ألا يكون: من سيفوز؟ بل بأي أخلاق سياسية ستُدار المنافسة؟
هل سيقدم الحزب حصيلته كما هي؟ هل سيعترف بأخطائه؟ هل ستفصل الأحزاب بين النقد السياسي والتشهير؟ هل ستقدم أرقامًا قابلة للتحقق؟
هل ستشرح مصادر تمويل وعودها؟ هل ستعلن ما تستطيع فعله وما لا تستطيع؟ وهل سيحترم الحزب الناخب إلى درجة القول له: "هذه هي إمكانياتنا، وهذه حدودنا، وهذا ما نستطيع أن ننجزه"؟
فإذا حدث ذلك، تصبح الانتخابات ممارسة ديمقراطية حقيقية. أما إذا تحولت إلى سباق في الوعود واستثمار الغضب والخوف والهوية الشخصية، فإننا لا نكون أمام تنافس على البرامج، بل أمام سوق انتخابية للوعود.
في الختام، انتخابات بلا حكومة ومعارضة بالمعنى التقليدي؟
فربما تكون أغرب مفارقة في انتخابات 2026 أن المواطن قد يجد نفسه أمام حزبين كبيرين يتنافسان بشراسة، رغم أن كليهما شارك في الحكومة، بينما تبدو المعارضة عاجزة عن احتكار موقع "البديل". وهنا يمكن تلخيص المشهد في معادلة سياسية ساخرة ولكنها عميقة: الحكومة تريد أن تفوز، والحكومة تريد أن تتغير، والمعارضة تريد أن تظهر، والناخب يريد أن يفهم.
إنها انتخابات قد لا يكون السؤال فيها: من الحكومة ومن المعارضة؟ بل من يتحمل مسؤولية الماضي؟ ومن يملك شجاعة تقديم المستقبل؟ وهذا هو الاختبار الحقيقي للديمقراطية المغربية في 2026.
إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب التي تدخل الانتخابات، ولا بعدد الوعود التي تتضمنها البرامج، وإنما بوجود أغلبية مسؤولة، ومعارضة قوية، وناخب واعٍ، وأخلاق سياسية تجعل السلطة مسؤولية لا غنيمة.






