سياسة واقتصاد

حوار افتراضي مع الأحزاب السياسية المغربية (الجزء الثاني)

المصطفى المريزق (فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)
السؤال:

لماذا تتحول الحملات الانتخابية أحياناً إلى مناسبات للأكل والاحتفال والأهازيج والفرجة؟

صحيح، لا مشكلة لنا مع الفرح، ولا مع الثقافة الشعبية. لكن هل يجوز أن يتحول الاختيار الديمقراطي إلى مهرجانات، بينما يغيب البرنامج؟

يمكن أن نغني ونحتفل. لكن قبل الاحتفال، نحتاج إلى أن نعرف: ماذا سيحدث بعد التصويت؟

الحزب:

صحيح، في الحقيقة هذا لا يجب أن يكون. الاحتفال جزء من الثقافة الانتخابية، لكن لا ينبغي أن يحجب جوهرها. ما بعد التصويت هو الأهم: برنامج نلتزم بتنفيذه، وحصيلة نقبل أن نحاسب عليها. فجميع الأحزاب للأسف تفعل نفس الشيء ، أحزاب اليسار أحزاب اليمين والوسط.

السؤال:

هل تخاطبون المواطن أم تخطبون عليه؟ هل ما زلنا نمارس خطابا عموديا؟ وماذا عن التهريج والشعبوية وتوزيع الوعود؟

الحزب:

للأسف، ما زال الخطاب في أحيان كثيرة عموديا: الحزب يتحدث والمواطن يستمع. ولا تزال بعض الحملات تنزلق إلى الشعبوية والوعود والهدايا بدل النقاش حول البرامج. المطلوب اليوم أن نخاطب المواطن بالمشروع والإنجاز، لا بالإغراء الانتخابي.

السؤال:

وماذا عن الانتماء السياسي؟ هل هو عقد ملكية. هل من حق المواطن أن ينتقل من حزب إلى حزب، وأن يغير اختياره، وأن يعيد تقييم موقفه؟

وهل يغادره بسبب تغيير موقف الحزب؟ أم بسبب غياب الديمقراطية الداخلية؟ أم بسبب غياب النتائج؟ أم لأنه لم يعد يجد نفسه في الخطاب الحزبي؟

الحزب:

الجواب الصريح هو أن المواطن من حقه أن يغادر الحزب ، لسبب أو لآخر، لأن الحزب لم يعد يعبر عنه أو لم يعد يحقق ما وعد به.

وقد يكون السبب تغيير الحزب لمواقفه، أو ضعف الديمقراطية الداخلية، أو غياب النتائج، أو جمود الخطاب، أو ببساطة تغير قناعة المواطن نفسه.

لكننا كحزب لا نريد أن نهرب من مسؤوليتنا. فإذا غادرنا عدد من المناضلين، فعلينا أن نسأل أنفسنا أولاً: ماذا فعلنا حتى غادرونا؟

وفي المقابل، نقول لهم: غير حزبك إن تغيرت قناعتك، فهذا حقك الديمقراطي، لكن قل لنا أيضاً لماذا غادرت؟ وماذا وجدت في الحزب الذي انتقلت إليه؟

لأن الانتقال السياسي حق، لكن الانتماء مسؤولية، والاختيار الانتخابي ينبغي أن يكون مبنيا على القناعة والبرنامج، لا على الأشخاص والمصالح والمواقع.

وفي النهاية، نحن لا نريد مناضلا وفيا لحزب إلى الأبد، وإنما نريده أن يكون وفيا لقناعاته ولمصلحة بلده، حتى لو قادته هذه القناعة إلى تغيير الحزب.

السؤال:

هل الشباب والنساء داخل الأحزاب شركاء في صناعة القرار، أم مجرد واجهات انتخابية؟ هل يستطيع شاب أو شابة أن يصل إلى القرار السياسي الحزبي دون المرور بمسارات طويلة من الولاء التنظيمي؟ وهل توجد داخل الأحزاب آليات حقيقية لتجديد النخب؟

الحزب:

التجديد ضروري.. نريد أن نرى الشباب والنساء في مراكز القرار، لا فقط في الصفوف الأمامية للصور. وأكتفي بهذا الجواب.

الشباب ليس ملفاً موسمياً ولا مجرد فئة انتخابية. واجبنا أن نضمن له تعليماً جيداً، وشغلا لائقا، وسكنا وثقافة وفضاءات للحياة، وأن نفتح أمامه أبواب المشاركة وصناعة القرار. نريد أن ننتقل من الحديث عن الشباب إلى إشراك الشباب.

السؤال:

لننتقل إلى سؤال أعتقد أنه أساسي بالنسبة للناخب: من أنتم سياسياً؟

كثير من الأحزاب تحمل أسماء وشعارات مختلفة، لكن المواطن لا يعرف دائماً أين تضع نفسها على الخريطة السياسية: هل أنتم حزب يمين؟ يمين وسط؟ وسط؟ وسط يسار؟ يسار؟ ديمقراطي اجتماعي؟ محافظ؟

الحزب:

سؤال مشروع، بل نعتقد أنه من حق المواطن أن يطرحه علينا قبل أن يطلب منا التصويت لنا.

نحن لا نريد أن نعرّف أنفسنا فقط بالاسم أو بالشعار، وإنما من خلال مرجعيتنا ومواقفنا والسياسات التي نقترحها. فالموقع السياسي للحزب لا تحدده الكلمات التي نضعها على اللافتات، وإنما ما ندافع عنه عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، والحريات، ودور الدولة، وتوزيع الثروة والفرص.

السؤال:

كيف تنظرون إلى الهجرة؟ هل هي ملف أمني فقط؟ أم قضية اجتماعية واقتصادية وتنموية وإنسانية ونفسية وثقافية؟ ماذا ستفعلون من أجل الشباب الذي يرى مستقبله خارج البلاد؟ وماذا ستفعلون من أجل مغاربة العالم؟ وكيف ستتعاملون مع الهجرة باعتبارها أيضاً فرصة لبناء جسور اقتصادية وثقافية وسياسية؟

الحزب:

لا يمكن اختزال الهجرة في المقاربة الأمنية. أحداث سبتة ومليلية تؤكد أن وراء الظاهرة أسئلة اجتماعية واقتصادية وإنسانية وتنموية عميقة. نريد معالجة أسباب الهجرة، خصوصاً لدى الشباب، وفتح آفاق حقيقية داخل المغرب، وفي الوقت نفسه تحويل مغاربة العالم والهجرة إلى جسور للتنمية والتبادل والاستثمار والدبلوماسية.

السؤال:

القضية الوطنية ليست ملكاً لحزب. لكنها أيضاً لا ينبغي أن تكون غائبة عن البرامج الحزبية.

نريد أن نعرف ما هي رؤيتكم لتثبيت الحكم الذاتي؟ ما تصوركم للدبلوماسية الحزبية؟ وماذا عن سبتة ومليلية؟

نريد مواقف واضحة، لا شعارات موسمية. برامج الأحزاب يجب ان تتظمن مثل هذه المواضيع.

الحزب:

القضية الوطنية مسؤولية وطنية مشتركة، ويجب أن تكون حاضرة في برامج الأحزاب، لا في الشعارات فقط. سنعمل على دعم مبادرة الحكم الذاتي، وتطوير الدبلوماسية الحزبية، وإشراك مغاربة العالم في الدفاع عن مصالح المغرب، مع اعتماد رؤية سياسية وتنموية واضحة تجاه سبتة ومليلية. نريد أن تتحول مواقفنا الوطنية إلى برامج والتزامات قابلة للتنفيذ والمحاسبة.

السؤال:

هناك قضايا اجتماعية حساسة تفرض نفسها على المجتمع:

الحريات الفردية، العلاقات الرضائية، المساواة، الحقوق الفردية وغيرها.

نريد من الأحزاب أن تتحدث بوضوح، ولكن أيضاً بمسؤولية، لا نريد تخويناً، ولا تجريماً للنقاش،ولا شعارات متشنجة. نريد حواراً مجتمعياً عقلانياً يحترم الدستور والقانون والخصوصيات الثقافية والاجتماعية، ويعترف في الوقت نفسه بأن المجتمع يتغير.

الحزب:

هذه قضايا مجتمعية حقيقية وحساسة، ولا يمكن معالجتها بالشعارات أو بمنطق التخوين. موقفنا هو فتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول الحريات الفردية، والمساواة، والعلاقات الرضائية، وغيرها من القضايا التي يعرفها المجتمع اليوم.

نحن نؤمن بأن القانون يجب أن يكون واضحاً، وأن الحقوق والحريات يجب أن تناقش في إطار الدستور، مع احترام قيم المجتمع وتنوعه وتحولاته. ولا نعتقد أن الاختلاف في هذه القضايا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين «محافظين» و«حداثيين»، أو إلى اتهامات متبادلة.

دور الحزب هو أن يقدم موقفا واضحاً ومعلنا، وأن يشرح للناخب لماذا يتبناه، وأن يساهم في تقريب وجهات النظر بدل تعميق الانقسام.

نحن لا نريد فرض قناعات بالقوة، ولا تجميد المجتمع في الماضي؛ نريد نقاشاً ديمقراطيا يساعد المغرب على تدبير تحوّلاته الاجتماعية بما يحفظ كرامة الإنسان، ويحترم القانون، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمع المغربي.

السؤال:

إذا حصل حزب على عدد من المقاعد، فماذا سيفعل؟ وإذا اضطر إلى التحالف، مع من سيتحالف؟ وما هي الحدود السياسية والفكرية للتحالف؟ هل يمكن أن يتحالف اليسار مع اليمين؟ هل يمكن أن يتحالف الوسط مع اليمين؟ وماذا يبقى من المبادئ إذا أصبحت كل التحالفات ممكنة؟

الحزب:

ليس هناك ما يمنع من التحالف، نحن لا نريد أن نمنع الأحزاب من التحالف. 

لكن، صحيح، علينا أن نوضح للمواطن منطق التحالفات قبل أن يصوت، لا بعدها فقط.

كلمة أخيرة لو سمحتم:

شكرا لكم وإلى فرصة أخرى..

ربما لا نكون قد أقنعناكم في كل الأجوبة، وربما تركنا بعض الأسئلة مفتوحة، لكننا نعتقد أن مجرد الجلوس إلى طاولة الحوار، والإنصات إلى الأسئلة والنقد، هو في حد ذاته جزء من الممارسة الديمقراطية.

السؤال:  

وهذا بالضبط ما كنا نريده من هذا الحوار.

لم نبحث عن حزب مثالي، ولا عن أجوبة جاهزة، ولا عن انتصار طرف على طرف. أردنا فقط أن نضع السياسة أمام مرآتها: تاريخها، إنجازاتها، إخفاقاتها، أسئلتها، ومسؤوليتها تجاه المستقبل.

فالمواطن لا يحتاج إلى أحزاب لا تخطئ، وإنما يحتاج إلى أحزاب تعترف بأخطائها، وتراجع اختياراتها، وتقبل النقد والمحاسبة، وتستطيع أن تقنعه ببرنامجها لا بشخص مرشحها.

وفي النهاية، حين يعرف المواطن لماذا يصوت، يصبح التصويت فعلاً ديمقراطياً؛ أما حين يُطلب منه فقط أن يختار اسماً أو شخصاً أو شعاراً، فإننا نكون قد اختزلنا الديمقراطية في ورقة اقتراع.

نحن نريد ديمقراطية تجعل المواطن شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد رقماً في صناديق الاقتراع.

شكراً لك أيها الحزب، لأنك قبلت هذا الحوار، وقبلت أن تجيب عن أسئلة قد تكون محرجة أحيانا، وأن تستمع إلى النقد دون خصومة، وأن تقبل بأن السياسة ليست فقط حديثاً عن الآخرين، وإنما هي أيضاً قدرة على مساءلة الذات.

شكرا لأنك قبلت أن نختلف معك دون أن نخاصمك، وأن نسائلك دون أن ندينك، وأن ننتقد الممارسة السياسية دون أن ننتقص من قيمة العمل الحزبي أو من تضحيات المناضلين.

في الختام، لقد أردنا لهذا الحوار أن يكون حوارا مواطنا، صريحا ومحترما؛ لأننا نؤمن أن الاختلاف لا يفسد للمواطنة قضية، وأن النقد لا يعني العداء، وأن السياسة لا تقوى إلا حين تقبل أن تسأل. لا نريد أحزابا تخاف من المواطن، ولا مواطنا يخاف من الأحزاب. نريد أحزابا تحترم ذكاء المواطن، ومواطنين يحترمون العمل السياسي..

نريد أن يستعيد الحزب ثقة الناس، وأن تستعيد الديمقراطية معناها. وللمواطن واسع النظر!