الغريب في الأمر أن نطالب بالديمقراطية، ثم نختار مقاطعة الانتخابات بشكل سلبي وكأن المقاطعة في حد ذاتها فعل ديمقراطي.. صحيح أن الانتخابات لا تعني بالضرورة وجود الديمقراطية، لكن لا يمكن تصور ديمقراطية بدون انتخابات. كما أن المشاركة لا ينبغي أن تتحول إلى شيك على بياض، تماماً كما أن المقاطعة لا ينبغي أن تتحول إلى موقف أبدي لا يترتب عنه أي أثر سياسي.. لنكن أكثر واقعية: منذ ما يقارب نصف قرن، ونحن نسمع خطاب المقاطعة والتشكيك في نزاهة الانتخابات، ونصدر البيانات التي تقول إن الانتخابات مطبوخة ومتحكم فيها، وأن إشراف وزارة الداخلية يجعلها بعيدة عن المعايير الديمقراطية. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بصدق وبكل شجاعة هو: ماذا حققت هذه المقاطعة، حين بقيت مجرد بيانات ومواقف موسمية الانتخابات استمرت، والنتائج استمرت، والمؤسسات استمرت، وتغيرت الأجيال والظروف، بينما ظل خطاب المقاطعة في كثير من الأحيان يراوح مكانه. لذلك، لا أعتقد أن المطلوب هو الدفاع عن المشاركة كيفما كانت، ولا تقديس المقاطعة كيفما كانت. المطلوب هو اختيار الأداة النضالية الأكثر قدرة على التأثير في المجتمع وصناعة القرار السياسي في لحظة معينة. فالمشاركة يمكن أن تكون نضالاً إذا استُعملت لفضح الاختلالات من داخل المؤسسات، وبناء البديل واستعادة ثقة المواطنين. والمقاطعة يمكن أن تكون نضالاً حقيقياً إذا امتلكت القدرة على التعبئة والتأثير وفرض تغيير ملموس، لا أن تنتهي عند بيان يُنشر ثم يُنسى. وفي السياسة، كما في الحياة، لا قداسة للوسائل، القداسة للهدف ونجاعة الطريق إليه. فكل نضال، مهما كان جاداً ونبيلاً، يفقد جزءاً من مشروعيته العملية عندما يعجز، بعد عقود، عن تحقيق الهدف الذي وُضع من أجله. عمر الإنسان قصير، والحياة تتغير بسرعة، والسياسة ليست عقيدة جامدة. ومن الحكمة أن نراجع وسائلنا كلما أثبت الواقع أنها لم تعد قادرة على إنتاج التغيير. المطلوب ليس أن نشارك أو نقاطع من أجل المشاركة أو المقاطعة؛ المطلوب أن نناضل بالطريقة التي تجعل صوتنا مؤثراً، وموقفنا منتجاً، والتغيير ممكناً وهذا هو الأهم دون مزيادات بعضنا البعض في النقاشات البزنطية.






