أين نحن من الخطاب السياسي الذي عرفه المغرب مع أول حكومة تناوب، التي أضافت مصطلحات جديدة للمعجم السياسي كالتناوب التوافقي، الانتقال الديمقراطي، الاستحقاقات الانتخابية والتشريعية وتخليق الحياة العامة إلى غير ذلك من المصطلحات الراقية والمعبرة عن نضج الفاعل السياسي، لا شك أن شخصية الفاعل السياسي القيادي تنعكس على خطابه وبالتالي على المشهد السياسي بصفة عامة.
فنحن نأسف لما آل إليه خطاب السياسيين من خلط بين الجدال السياسي والذي يعتبر أمرا مشروعا، وبين الجدل و الخوض في الحياة الشخصية والسب والقذف وتلفيق التهم، والسجال مع عدم ضبط اللغة والنفس.
فوجود معارضة قوية قادرة على المراقبة والتتبع والنقد وطرح الأسئلة تفعيلا للمكانة المهمة التي منحها إياها الفصل 10 من الدستور شيء مهم وأساسي، والتدافع السياسي ظاهرة صحية، لكن يجب أن يكون في إطار صراع أفكار وليس صراع ألفاظ وتنافس في برامج من شأنها حل المعضلات التي تعاني منها جل مؤسسات الدولة، ويجب التمييز بين الخطاب الهادف والخطاب الساقط، وليعلم الفاعل السياسي القيادي أن الخطاب السجالي له تداعيات على الرأي العام، فلعله من أسباب العزوف عن العمل السياسي، وعدم الثقة في الأحزاب، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى عزوف شريحة مهمة من المجتمع المغربي عن المشاركة في الانتخابات.
ولا يقتصر الأمر على ما يحدث داخل قبة البرلمان، بل إن المهرجانات الخطابية واللقاءات التي تنظمها القيادات الحزبية مع الشبيبة والساكنة، يفترض أن تكون بدورها فضاءات لتأطير المواطنين والشباب، وشرح البرامج والأفكار، وفتح نقاش جدي حول القضايا التي تشغل المجتمع، لا أن تتحول إلى منصات للسجال وتبادل الاتهامات، أو إلى مناسبات لاستعراض قوة الخطاب بدل قوة الفكرة.
وإذا كان المعجم السياسي المغربي قد عرف في مرحلة من مراحله مصطلحات راقية تعكس تحولات سياسية ومؤسساتية مهمة، فإننا اليوم أصبحنا أمام مصطلحات جديدة تضاف إلى هذا المعجم، ولعل آخرها مصطلح «الفراقشية».
وحتى لا نظلم اللغة ولا السياسة، فإن «الفراقشية» لا يبدو أنها جاءت لتضيف مفهوما سياسيا جديدا بقدر ما جاءت لتكشف لنا أن معجم السياسة قادر على التجدد المتدني وهو أمر طبيعي لأنه كلما ضاقت مساحة الأفكار اتسعت مساحة المصطلحات.
وبدل أن نتنافس في البرامج وابتكار الحلول لقضايانا العالقة وما أكثرها، أصبح بإمكاننا أن نتنافس في اكتشاف أسماء جديدة للخصوم السياسيين، وكأن المواطن ينتظر من السياسيين قاموسا جديدا كل موسم انتخابي، بدل أن ينتظر منهم حلولا جديدة لمشاكله المستعصية منذ عقود .
ولعل المفارقة أن مصطلحات من قبيل «التناوب التوافقي» و«الانتقال الديمقراطي» و«تخليق الحياة العامة» كانت تحيل على مفاهيم ومشاريع سياسية، بينما تحيل بعض المصطلحات الجديدة كمصطلح الفراقشية على معارك كلامية قد يكون عمرها أقصر من عمر الجلسة التي قيلت فيها .
فما يحدث بالمشهد السياسي قبيل الانتخابات يحيلنا على طرح أسئلة من قبيل:
هل تدني مستوى الخطاب السياسي ناتج عن:
الخوف من المحطة الانتخابية المقبلة؟
ضعف التكوين السياسي؟
غياب كاريزمات سياسية قوية ومتمكنة؟
هل الشروخات الموجودة داخل بعض الأحزاب هي التي تلقي بظلالها على المشهد السياسي بوجه عام؟
لكن مهما كانت الأسباب، ومهما اختلفت السيناريوهات، يبقى من الواجب على الفاعلين السياسيين الارتقاء بخطابهم إلى مستوى الوثيقة الدستورية واحترام المواطن، باعتماد خطاب سياسي مبني على الفعل والعمل، على الالتزام بالقضايا المطروحة جميعها، حتى يشعر المواطن بأن الفاعل السياسي مهتم بقضاياه.
فالجلسات الشهرية هي فرصة لمناقشة القضايا العامة وكذلك فرصة لتفعيل دور المعارضة بتوجيه الأسئلة، حتى تمارس الدور المهم الذي أناطه بها دستور المملكة، وليست فرصة لتصفية حسابات سياسوية ضيقة على حساب مصلحة الوطن والمواطنين.
وكذلك الشأن بالنسبة للمهرجانات الخطابية واللقاءات الحالية التي تجمع القيادات الحزبية بالشبيبة والساكنة، فهي ليست مجرد مناسبة لرفع منسوب الحماس والتصفيق، وإنما هي فرصة للتأطير السياسي، والاستماع إلى المواطنين، ومناقشة قضاياهم، وتقديم البدائل والبرامج التي من شأنها أن تعيد الثقة في العمل السياسي.
و لعلني هنا أستحضر مقتطف من الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس عند افتتاحه للدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة بتاريخ 10 أكتوبر 2014 «....غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبكل إلحاح: هل تمت مواكبة هذا التقدم، من طرف جميع الفاعلين السياسيين، على مستوى الخطاب والممارسة؟
إن الخطاب السياسي يقتضي الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة.غير أن المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما، والبرلماني خصوصا، يلاحظ أن الخطاب السياسي لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن، لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية......»
ويبقى السؤال مطروحا: هل نحن أمام تطور في الخطاب السياسي، أم أمام تراجع في مضمونه؟
فالمواطن لا يحتاج إلى سياسي يجيد رفع صوته بقدر ما يحتاج إلى سياسي يجيد رفع مستوى النقاش.
ولا يحتاج إلى مصطلحات جديدة بقدر ما يحتاج إلى سياسات جديدة.
فإذا كانت السياسة في مرحلة من مراحلها قد أنتجت مصطلحات مثل «التناوب التوافقي» و«الانتقال الديمقراطي» و«تخليق الحياة العامة»، فإننا نتمنى ألا يكون جديد معجمنا السياسي (الفراقشية) هو مجرد أسماء تطلق على الخصوم، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للخطاب السياسي ليس أن تتغير مصطلحاته، وإنما أن تتغير قيمه.
فالسياسة في نهاية المطاف ليست حلبة للمبارزة بالألفاظ، وإنما مجال للتنافس في خدمة الوطن والمواطن.
وإذا كان لابد من إضافة كلمة جديدة إلى المعجم السياسي، فلتكن كلمة «المسؤولية»... فهي، على الأقل، مصطلح لا يحتاج إلى شرح ساخر.....






