مجتمع وحوداث

مقاربة منهجية علمية للقانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة الصادر بتاريخ 20 غشت 2026 بالجريدة الرسمية عدد 7536

الجيلالي شبيه ( دكتور الدولة في القانون ومحامي لدى محاكم الاستئناف بأكادير وكلميم والعيون)

أولا: المقاربة المنهجية بطريقة علمية تقتضي دراسة وتحليل وتركيب موضوع معرفي من خلال كيفية معالجته، نوعية النهج المتبع وجودة ارتباط الشكل بالمضمون⸱ سنحاول في هذا الميدان المعرفي: القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، رصد، في إطار تفكير عقلاني، مختلف الجوانب التي تشكل هذا النص القانوني والتي من خلالها يتم تطبيقه وبالتالي الآثار المترتبة على هذا التطبيق⸱ إن كل مقتضى أو سند قانوني بمجر ما يدخل مجال التنفيذ يصبح علاقات اجتماعية تنتج عنها التزامات وعقود وواجبات وحقوق⸱ " إن كل صيغة، يقول الفيلسوف إيمانويل كانط (1724-1804)، تعبر عن ضرورة الفعل تسمى قانونا"، والقانون ضمان للعدالة، والعدالة يقول فلاسفة العقد الاجتماعي، جون لوك (1632-1704) وجون جاك روسو (1712-1778) " تتأسس بضمان الحقوق قبل فرض الواجبات الوضعية"⸱

سنحاول عبر هذه المقاربة، دراسة القانون الحالي المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، من خلال أربع زوايا: الشكل والمضمون وترابط الشكل بالمضمون واستنتاج قاعدة أو صياغة قانون منهجي علمي⸱

ثانيا: إذا اعتبرنا الشكل، فالقانون المنظم لمهنة المحاماة يتسع ضمن 25 صفحة كما جاء في الجريدة الرسمية، وينقسم إلى خمسة أقسام⸱ القسم الأول: مهنة المحاماة، يحتل لوحده 19 صفحة، أي ما يعادل 76 بالمئة من مجموع النص، ويشمل سبعة أبواب: مقتضيات عامة، الولوج إلى المهنة والتنافي، ممارسة المهنة، واجبات المحامي، حصانة الدفاع، تأديب الطالب والمحامي المتمرن، التوقف والانقطاع عن ممارسة المهنة⸱ وكل باب يضم من صفر فرع إلى ستة فروع، مرورا باثنين أو أربعة فروع⸱ الباب الرابع: واجبات المحامي، طويل، والباب السادس: تأديب الطالب والمحامي المتمرن، طويل كذلك، والباب الخامس: حصانة الدفاع، قصير⸱ والقسم الثاني: هيئات المحامين، طويل، ويضم ثلاثة أبواب بدون فروع: التأسيس، الأجهزة والانتخاب⸱ والقسم الثالث: التبليغات والطعون، بدون أبواب، والقسم الرابع: مقتضيات زجرية، كذلك بدون أبواب، ونفس الشيء بالنسبة للقسم الخامس: مقتضيات ختامية وانتقالية⸱ ما يمكن قوله منهجيا من حيث الشكل، هو أن هذا التقسيم غير متكافئ التوزيع ومختل التوازن وهذا الاختلال خطأ منهجي كبير⸱ كيف يعقل أن قسما واحدا يمثل 76 بالمئة من مجموع النص وأربعة أقسام تمثل فقط 24 بالمئة⸱ 

ثالثا: إذا اعتبرنا المضمون، فعنوان القانون المنظم لمهنة المحاماة، هو" القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة"، والكلمة المفتاح أو إشكالية الموضوع هي التنظيم، والتنظيم في هذه الحالة، بالمفهوم المنهجي العلمي، وكذلك من خلال مضامين القانون المقارن، يشمل التنظيم الجهوي للمهنة، التنظيم الوطني للمهنة، أخلاقيات المهنة، الولوج إلى المهنة والتكوين والصفة، الأتعاب وأنواع الشراكة، والتدبير المالي المؤمن⸱ وإذا أخذنا بعن الاعتبار عنوان القسم الأول: "مهنة المحاماة" فهذا المصطلح المركب يشمل منهجيا كذلك القسم الثاني والقسم الثالث والقسم الرابع والقسم الخامس، أي الهيئات والتبليغات والطعون والمقتضيات الزجرية والمقتضيات الختامية والانتقالية⸱ وبمعنى آخر فقد أعطي لهذا المصطلح، مهنة المحاماة، أقل مما يحتويه مفهوما ودلالة⸱ القاعدة المنهجية بمفهومها العلمي هو أنه كلما كان التقسيم الشكلي خاطئا فسيكون المضمون كذلك خاطئا لا محال⸱ تقول القاعدة المنهجية: "إنما الشكل المضمون يطفو على السطح"⸱ مضمون القسم الأول: مهنة المحاماة، يشمل 115 مادة، والقسم الثاني: هيئات المحامين، يتضمن 23 مادة، من 116 إلى 138⸱ والأقسام الثالث والرابع والخامس التي تضم بالتتابع التبليغات والطعون، مقتضيات زجرية ومقتضيات ختامية وانتقالية، تتسع في تسعة مواد، كل باب يشمل ثلاث مواد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه الأقسام ليست أقساما ومضامينها ليست مضامين أقسام بل فقط مضامين فروع لا أقل ولا أكثر⸱ وبمعنى آخر، فإن هذا النص القانوني يحتوي على كلمتين أساسيتين لا غير: مهنة المحاماة وهيئات المحامين، وما دامت الهيئة تنتمي إلى المهنة فالنص القانوني بكامله يختزل في مصطلح مركب: مهنة المحاماة، وبالتالي فعنوان النص هو مهنة المحاماة والتقسيمات لهذا العنوان محاور أخرى⸱ والتنظيم لا يشمل لا الممارسة ولا الحصانة ولا الطعون ولا التوقف أو الانقطاع عن العمل⸱⸱⸱          

رابعا: إذا اعتبرنا هذه العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون، انطلاقا من العنوان المحصل عليه: مهنة المحاماة، فسيكون التقسيم لهذا الموضوع كالتالي: 

المبادئ الأساسية لمهنة المحاماة وهيئات المحامين، المقتضيات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية المتعلقة بمهنة المحاماة وهيئات المحامين، الولوج إلى مهنة المحاماة والتنافي والتكوين والصفة، حماية المحامين ومهنة المحاماة وحقوق الدفاع وحصانته، دور المحامي في المجتمع وداخل المحاكم وأمام موكليه، التزامات المحامي القانونية والمالية وأخلاقيات المهنة والجزاءات المترتبة، أنواع الاختصاصات والمؤهلات والتشعبات القانونية، عولمة المبادلات وتدويل مهنة المحاماة، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والجمعيات المهنية للمحامين، مقتضيات ختامية وانتقالية (الآجال، دخول القانون حيز التنفيذ، الاستثناءات مثل ما هو الشأن في القانون الحالي: المواد 12 و39 والبند 11 من المادة 121)⸱

أنظر مقالنا في هذا الإطار: مهنة المحاماة: المبادئ، الأصناف، الحماية، الحقوق والواجبات، وتدويل المهنة⸱  

La profession d’avocat : principes, statut, catégories et protection, droits, obligations et internationalisation de la profession, le 9 août 2026, accessible sur le web. 

خامسا وأخيرا: إذا أخذنا بعن الاعتبار كل هذه المعطيات سالفة الذكر وحاولنا استنتاج قاعدة أو صياغة قانون منهجي علمي فسيكون جوابنا على هذا الشكل: ما هي القيمة العلمية للمنهجية التي تبحث في موضوع قانوني اجتماعي بامتياز يربط بين جميع مكونات المجتمع: القضاء والإدارة والدفاع والأطراف والنظام العام والمجتمع والرأي العام والصحافة ؟ 

تكمن هذه القيمة العلمية في كون المنهجية تشكل الإطار الفكري المنظم لسلوك الطريق الأكثر أمانا للوصول إلى الحقيقة⸱ يقول روني ديكارت (1596-1650) في كتابه الخطاب المنهجي (1637) وهو عبارة عن مدخل ل"مجموعة مقالات علمية" أن المنهجية "هي أفضل طريقة لتوجيه العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم"، وفي العلوم القانونية في هذه الحالة⸱ 

وأهم العناصر التي ترتكز عليها المنهجية العلمية ضمان الموضوعية بإتباع خطوات دقيقة في البحث لمحاولة اكتشاف الحقيقة أو على الأقل الاقتراب أقرب مسافة من الحقيقة⸱ وأقول على غرار ما قاله فيكتور يكو(1802-1885) في العلوم: المنهجية كالخط المقارب (أسامبطوط) للحقيقة، يقترب منها بدون انقطاع لكن لا يلمسها أبدا.