ليست المحاماة مجرد مهنة تمارس داخل ردهات المحاكم، ولا نشاطا تقنيا يختزل في تحرير المقالات والمذكرات وتقديم الدفوع والطلبات ولا زمرة متنوعة من المرافعات، إنها رسالة إنسانية وحقوقية نشأت حيثما نشأت الحاجة إلى حماية الإنسان من الظلم، وإلى إقامة التوازن بين الفرد والسلطة، وبين الضعيف والقوي، وبين الاتهام وقرينة البراءة.
وعبر مختلف الحضارات والدول، لم تتقس قوة العدالة بعدد المحاكم ولا بفخامة بناياتها، وإنما بمدى استقلال قضائها، وحرية دفاعها، وقدرة المتقاضين على الوصول إلى محامية أو محام مستقل، لا يخشى سلطة ولا نفوذا، ولا يخضع في أداء رسالته إلا للقانون وضميره المهني.
فالمحاماة ليست امتيازا لمن يمثلونها، وإنما ضمانة للمتقاضي. وحصانة الدفاع ليست حماية شخصية لمن يرتدي البذلة السوداء، بل حماية لحق المواطنة والمواطن في أن يجد إلى جانبه صوتا حرا، قادرا على مواجهة السلطة والحجة بالحجة، والقانون بالقانون، دون ترهيب أو ضغط أو مراقبة تتجاوز ما تقتضيه المسؤولية المهنية المشروعة.
وقد كرست مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، المعتمدة سنة 1990، هذا المعنى حين أكدت وجوب تمكين المحامين من أداء وظائفهم المهنية دون تخويف أو عرقلة أو مضايقة أو تدخل غير مشروع. كما أقرت حقهم في تكوين تنظيمات مهنية ذاتية التسيير، تنتخب أجهزتها من أعضائها وتمارس مهامها دون تدخل خارجي، حماية لاستقلال المهنة ونزاهتها.
إن التنظيم الذاتي للمحاماة ليس مطلبا فئويا ولا نزوعا إلى الانغلاق أو الإفلات من المسؤولية،بل هو أحد الشروط الجوهرية لاستقلال الدفاع. فلا محاماة قوية من دون مؤسسات مهنية قوية، ولا استقلال مهني من دون استقلال مالي حقيقي، ولا تنظيم ذاتي فعلي إذا كانت الهيئات محاصرة بإجراءات رقابية متكاثرة تسمح بالتدخل في شؤونها، أو بالنفاذ إلى معطياتها، أو بالتضييق على قراراتها واختصاصاتها.
والرقابة المشروعة، حين تكون ضرورية، يجب أن تبنى على القانون والتناسب والوضوح واحترام السر المهني وحقوق الدفاع، لا أن تتحول إلى وصاية إدارية أو مالية مقنعة. فثمة فرق جوهري بين الحكامة التي تقوي المؤسسة، والرقابة التي تفرغ استقلالها من مضمونه، وبين المساءلة التي تحمي المجتمع، والإخضاع الذي يجعل الدفاع تابعا لمن يفترض أن يراقب أعماله وينازعه أمام القضاء.
ولذلك، فإن أي إصلاح حقيقي للمحاماة لا يمكن أن يصاغ خارجها أو ضدها، ولا أن يفرض عليها بمنطق الغلبة العددية أو السلطة الحكومية. فالمقاربة التشاركية ليست ترفا تفاوضيا، وإنما شرط لسلامة الإصلاح ومشروعيته ونجاعته. ومن يقص أهل المهنة من صناعة قانونهم، ثم يقدم ما فرضه عليهم باعتباره إصلاحا، فإنه يخلط بين إصلاح المحاماة وإعادة تشكيلها على مقاس رؤية إدارية ضيقة.
وما يثير الأسف والاستغراب أن يأتي هذا التضييق من وزير للعدل هو في الأصل ابن للمحاماة، يفترض فيه أن يكون أكثر إدراكا لقيمتها، ولأعرافها وتقاليدها، ولحساسية استقلالها. غير أن الانتماء السابق إلى المهنة لا يمنح حصانة من النقد، ولا يبرر تحويل الاختلاف معها إلى رغبة في تطويعها أو الانتقاص من مؤسساتها ورموزها.
وعندما يتغول الوزير في مواجهة مهنة بكاملها، ويصر على تقديم رؤيته باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة، فإن السؤال لا يعود متعلقا بخلاف تقني حول مواد قانونية متفرقة، بل يصبح متعلقا بطبيعة المشروع المقترح: هل نحن أمام إصلاح يهدف إلى تقوية الدفاع وتيسير ولوج المواطن إلى العدالة، أم أمام إعادة هندسة للمهنة بما يجعلها أضعف وأكثر قابلية للضبط والاختراق؟
هل نحن أمام رغبة حقيقية في تكريس ديمقراطية داخلية وتسقيف للتناوب على المسؤولية، أم أمام مزايدة حضرت هنا وغابت هناك؟ فهل المنطق ذاته ينصرف لما يقع داخل المؤسسات التمثيلية والمناصب الوزارية، أم بدت لنا المحاماة هينة طيعة، لتكون حقل تجارب غريب عن مختلف الممارسات السياسوية؟ هل يساق القول بذات الأسس المعلنة، أمام ما تم حبكه وترتيبه بين مؤسستين دستوريتين، انتهى قولها بعدم القبول، دون النظر في مدى دستورية قانون؟
ولا يجوز، من الناحية السياسية والأخلاقية، الجزم بأن وراء ذلك دوافع شخصية أو انتقامية من دون دليل، غير أن غياب الحوار الحقيقي، والإصرار على إقصاء المؤسسات المهنية، ومحاولة تبخيس احتجاجها، كلها عناصر تفتح الباب مشروعا أمام هذا التساؤل. ذلك أن الإصلاح الذي يفتقر إلى المشاركة والإنصات والتوافق سرعان ما يتحول من مشروع مؤسساتي إلى تعبير عن إرادة فردية أو أجندة خاصة.
والأخطر من ذلك أن تدفع المحاماة إلى نفق منطق تجاري صرف، يقاس فيه نجاحها بحجم المكاتب وقدرتها المالية، وتفتح فيه الأبواب أمام تغليب مصالح المال والأعمال، بينما يدفع المحامي الحقوقي والممارس المستقل إلى الهامش. فالمحاماة ليست حقيبة استثمارية، ولا سوقا قانونية تدار بمنطق العرض والطلب وحده، ولا خدمة لمن يستطيع دفع المقابل الأكبر.
صحيح أن للمحاماة بعدا اقتصاديا، وأن للمحامي الحق في العيش الكريم وفي مقابل عادل عن عمله، لكن جوهرها يظل إنسانيا وحقوقيا. إنها مهنة حماية الإنسان والدفاع عن حريته وكرامته وماله وأسرته ومستقبله. وكل إصلاح يجعل الوصول إلى المحامي أكثر تعقيدا وكلفة، أو يثقل المتقاضي بسلسلة من الشروط والإجراءات، أو يضعف قدرة الدفاع على التحرك بحرية، إنما يمس الحق في الولوج إلى العدالة ولو حمل أجمل العناوين.
إن إضعاف المحامي لا يقوي القضاء، وإضعاف هيئات المحامين لا يخدم الدولة، وتقييد الدفاع لا يحمي المتقاضي. بل إن دولة الحق والقانون تحتاج إلى قضاء مستقل، ونيابة عامة مسؤولة، ومحاماة حرة وقوية، لأن العدالة لا تبنى بمؤسسة واحدة، وإنما بتوازن مؤسساتها وتكامل أدوارها واستقلال كل منها في نطاق وظائفه.
لقد عاشت المحاماة عبر التاريخ محنا كثيرة. تعرض محامون للمحاكمات والاعتقال والتضييق لأنهم اختاروا الدفاع عن الإنسان حين كان الدفاع عنه مكلفا. ووقفت المهنة إلى جانب الحريات العامة والقضايا العادلة، وأسهمت في بناء المؤسسات وصناعة التشريعات ومقاومة الاستبداد. ولم تستمد قوتها من سلطة إدارية ولا من امتياز تمنحه الحكومة، بل من شرعيتها الأخلاقية، ومن ثقة المجتمع، ومن وحدة نسائها ورجالها، ومن تمسكها بأعرافها وتقاليدها.
والمحاماة تعرف كيف تكون لينة، فهي مهنة الحوار والإنصات والتفاوض والصلح والتسامح. لكنها لا تعصر حتى تفقد جوهرها، ولا تفرغ من قيمها حتى تصبح مجرد مرفق تابع أو نشاط هجين بلا روح.
وتعرف المحاماة أيضا كيف تكون صلبة، لا صلابة العناد الأعمى، بل صلابة المبدأ حين تكون الحرية مهددة، وحين يمس استقلال الدفاع، وحين يراد للمتقاضي أن يقف وحيدا أمام سلطة لا يوازنها صوت مستقل.
قد تتلقى المحاماة ضربات موجعة، وقد تستهدف مؤسساتها وتقاليدها وحصانتها، وقد يحاول البعض كسر عظامها أو إنهاكها أو تفريق صفوفها. لكنها، ما دامت وفية لرسالتها ومتحدة حول مبادئها، ستظل قادرة على النهوض والمقاومة.
فالمحاماة لينة بإنسانيتها، لكنها لا تعصر؛ وصلبة بمبادئها، لكنها لا تكسر.






