بيد أن مفارقة أحضان الوالدين والجو المألوف للأسرة وولوج عالم المدرسة الرحب لا يمر دائما بسلام بالنسبة لكل الأطفال. فإذا كان هذا الانتقال هادئا وسلسا لدى بعضهم، فإن غيرهم لا يقوى على تخطي مرحلة الانتقال هذه إلا بشق الأنفس بعد أن يخبروا ضروبا شتى من الارتياب والخوف والحصر وغيره من المتاعب النفسية. ونحن نعرف مثلا أن الخوف الذي يلاقيه الأطفال في بداية عهدهم برياض الأطفال أو عند التحاقهم لأول مرة بالمدرسة وتلكئهم في الاستيقاظ في أيام الدراسة وتمارضهم وما شابه قد ينذر مستقبلا بعدد من الاضطرابات النفسية والسلوكية وفي مقدمتها الرُّهاب المدرسي وقد سلف الحديث عنه. وبغض النظر عن الخلفيات النفسية لمثل هذه الاضطرابات، فإنه لا مناص من الإقرار بأن المؤسسة المدرسية في شكلها الحالي تثقل كاهل الطفل بكثير من الالتزامات والضوابط والواجبات والشروط التي كان في غنى عنها وهو في كنف الأسرة،ولا سيما إذا افتقدت المؤسسة التعليمية الشروط التربيائية الملائمة لاستقبال الطفل والرفق به وتفهم حالة الأم والاعتناء بحضورها لتخطي المصاعب المرتبطة بقلق الانفصال عن الابن حينما يلج عالم الحضانة هذا الموحش الغريب.
غير أن ولوج الطفل أعتاب المدرسة لأول مرة قد يعني انتماؤه إلى عالم جديد يكسبه إكبارا وارتقاء مقارنة مع إخوانه الصغار. فإذا كان ذلك كذلك أحب عالمه الجديد هذا وشغف به ولم يبغ عنه حولا، كيف لا وقد وجد فيه مرتعا للعب واللهو والتعارف والتعلم وارتياد آفاق جديدة لا عهد له بها من قبل. لكن في حالات أخرى لا يرقى عالم المدرسة إلى جو البيت الآمن وحضن الأم الدافئ، فينفر الطفل من المدرسة وقد يرفضها بإصرار وعزم ولو أفضى به الأمر إلى أن يسلك مسلك العناد والمشاكسة والتمرد كما هو الشأن في الرهاب المدرسي. ومن ثم يمتنع عن ارتياد المدرسة ويعرض عن زملائه ومدرسيه إعراضا تاما يحمله على الانكفاء على الذات والاحتماء المفرط بالأم بحثا عن الأمن المفتقد.
حقا، إننا لا نقدر دوما مدى التغيير الذي يطال حياة الطفل عند انتقاله المفاجئ من البيت إلى الحضانة أو المدرسة، وهو تغير طارئ يأخذه على حين غرة دون سابق استعداد، ويشده بميثاق ثقيل لا يقوى عليه. فلنتفحص بعض هذه التغيرات وما تستتبعه من رواسب ومخلفات.
إن ولوج الطفل عالم المدرسة يعني ضمن ما يعنيه أنه لم يعد ملكا لوالديه وحدهما، وأنالمدرسصار شريكا لهما فيالاهتمامبهورعايتهطوال فترة الدوام. قد يقلق بعض الآباء جراء ذلك ويسبقهم الوهم أن ابنهما لم يعد يمحضهما الود بعد أن صار لمدرسيه هيبة كبيرة ومكانة مكينة في نفسه. فالمدرس الآن مؤهل لكي يدخل حلبة المنافسة معهما إذا ما استحضرنا الهالة التي يحظى بهالدى الصغار والاحترام الذي يكنونهلهفيأنفسهم. فلا جرم أن يقارن بعض الآباء أنفسهم بالمدرسين وأن يصيبهم قدر من الغيرة أو الغيظ. ويتفاقم هذا الإحساس بعد أن يجدوا بأن ابنهم لا يكف عن الإحالة على مدرسيه وتقليدهم والإشادة بمعارفهم والاحتجاج بهم والانتصار لهم إذا ما خولفوا في الرأي، لا سيما أن ولوج المدرسة يفتح أمام الطفل آفاقا جديدا تحمله على حرية التنقل والاستقلال بالرأي والانفصال الوجداني بالتدريج. وبديهي أن يتوجس الآباء من شدة هذا التقدير وأن يضيق بعضهم ذرعا بمشاطرة المدرسين لهم عواطف أبنائهم وولائهم لهم.
ومن جهة الطفل نفسه نجد أن القلق الذي يستشعره من جراء افتراقه عن ذويه يزدوج بقلق إضافي مرده ضرورة التوافق مع مقتضيات الوسط الجديد. فالانتظام في الحياة المدرسية خبرة جديدة لا عهد له بها من قبل، إذ يجد نفسه لأول مرة وجها لوجه مع عدد كبير من الأتراب، ومع راشدينغرباء عنه لم يختر صحبتهم ولا ملازمتهم طوال أشهر السنة، وفي أفضية ومرافق عليه أن يكتشفها ويألفها، ومقتنيات من الكتب والأدوات لا بد أن تثير قدرا من الفضول في نفسه. ويجد نفسه كذلك مقيدا بقوانين وقواعد ينضبط لها مع بقية أقرانه وهو ليس بعد واعيا بها تمام الوعي.
ولا شك أن طبيعة نظرة الآباء لهذا الفضاء الجديد الذي بدأ الآن يأخذ قسطا متزايدا من وقت الطفل وحيزا متعاظما من اهتمامه ونشاطه تحدد بدرجة كبيرة موقفه منه ودرجة استثماره النفسي له على نحو يزيده ثباتا وطمأنينة وسكينة أو يحمله على التوجس والخوف والنفور. غير أن تساكن هذين العالمين يفترض حدا من الاستقلال والحدود الواثقة والثابتة بينهما، لا سيما أن طبيعة العلاقة القائمة بين البيت والمدرسة من جهة الطفل قد تختلف اختلافا هينا أوحادا بحسب عدة عوامل متشابكة. ولا أدل على ذلك من أن البنية العامة لكليهما تجعل الطفل يسلك إزاءهما سلوكا قد لا يفهم الآباء سبب تعارضه وعدم مطابقته مع سلوكه المعتاد في البيت ؛ فالطفل العنيد والمشاكس والشديد الخصومة أو المنطوي على نفسه والخامل في البيت قد يتحول بقدرة قادر إلى طفل مفرط النشاط بالغ الحماس والاجتهاد، ميالإلى استرضاء مدرسيه والتودد إلى زملائه.والتلميذ النابه والمجتهد قد يصير خاملا مهيض الجناح بمجرد ما يلج عتبة البيت. وليسمن اليسير لأي كان أن يفقه الأسباب التي تقف خلف التقلبات المزاجية التي تلم بالطفل وتعتري سلوكه وتعامله فضلا عن أن يتفهم وضعه فيترفق به.
وبحكم التنقل المتواتر بين البيت والمدرسة لا يندر أن يتوجس الآباء خيفة من العالم الخارجي فيعمد كثير منهم إلى تعقب خطى أبنائهم وتتبع نشاطهم تتبعا دقيقا ومتشددا بذريعة الحماية والمراقبة. وقد يقودهم مسعاهم ذاك إلى الاتصال بإدارة المؤسسة أو الالتقاء بالمدرسين لاستفسارهم والاطمئنان خفية على فلذات كبدهم، وهو سلوك غالبا ما لا يرتضيه الأبناء وهم على مشارف المراهقةإذ يعدونه تدخلا سافرا في شؤونهم الخاصة وعائقا معطلا لنزعتهم النامية نحو الاستقلال والقيام بشؤونهم بأنفسهم.
وهذا يدل على مدى التغير العميق الذي تحدثه المدرسة في نفسية الطفل ومبلغ تأثيرها فيه خلال سنوات طوال، وهو تأثير لا يقف على مستوى تحصيل المعارف فحسب بل يمس كذلك المستوى الوجداني والعلاقات التي ينسجها مع بقية زملائه داخل هذا الفضاء الموازي لفضاء الأسرة. فحينما يلج الطفل المدرسة ويحتويه نسيج شبكتها العلائقية الكثيفة لا يلبث أن يصبح طرفا فيها، وعضوا من أعضائها تصله بهم وشائج من العطف والحب والانجذاب والإعجاب والتقدير أو القسوة والنفور والكراهية والاحتقار، كما تنشأ في ذهنه جملة من الاتجاهات والأفكار والمشاعر والصور التي تترسخ عبر الأيام والسنين على هيئة خبرات متراكمة لا تمحي آثارها.






