الغريب في هذه الحملة الانتخابية أن جل الأحزاب تتسابق في تقديم البرامج والوعود، وكأن المعركة السياسية تنتهي بالحصول على الأغلبية وتشكيل الحكومة. لكن السؤال الذي يبدو غائباً هو: ماذا لو كنا في المعارضة؟ المعارضة ليست مقعداً في الصفوف الخلفية، ولا محطة انتظار إلى حين الانتخابات المقبلة، وليست مجرد رفع الصوت وانتقاد كل شيء. المعارضة الحقيقية هي عصب الحياة الديمقراطية؛ تراقب، وتنتقد، وتقترح، وتقدم البدائل،وتدفع الحكومة إلى تصحيح اختياراتها وتجويد سياساتها. فلا توجد حكومة، مهما كان لونها السياسي ومهما كانت نواياها وبرامجها، تستطيع أن تتقدم في تدبير الشأن العام من دون معارضة قوية، شجاعة، يقظة، وقادرة على تقديم اقتراحات جريئة وبدائل واقعية.
المفارقة أن الأحزاب تقدم لنا برامجها في حالة وصولها إلى الحكومة، لكنها نادراً ما تقدم لنا برنامجها في حالة وجودها في المعارضة. وهنا جوهر المسألة: الحزب الجاد ليس هو الذي يقول لنا فقط ماذا سيفعل إذا حكم،بل ماذا سيفعل إذا لم يحكم. لأن الديمقراطية لا تُختزل في حكومة قوية، بل تحتاج أيضاً إلى معارضة قوية بمشروع واضح. وحين تغيب المعارضة الفاعلة، تتحول الأغلبية إلى سلطة بلا مساءلة، وتتحول المؤسسة التشريعية إلى مجرد فضاء للتصويت بدل أن تكون فضاءً لصناعة القرار ومراقبة من يدبر الشأن العام. لذلك، ربما آن الأوان أن نسأل الأحزاب في هذه الانتخابات سؤالاً مختلفاً: إذا لم تصلوا إلى الحكومة، ماذا ستفعلون من أجل الوطن؟ وما هو برنامجكم لمعارضة الحكومة ومراقبتها وتقديم البديل؟ فقد يكون مستقبل الديمقراطية أحياناً رهيناً بجودة المعارضة أكثر مما هو رهين بعدد الوعود التي تقدمها الأغلبية.






