على الإسبانيين أن يقرؤوا تاريخهم المسجل في وثائق مكتباتهم الوطنية كي يفهموا أن بلدهم كان مجرد إمارات صغيرة متناحرة تخطب ود الدولة المغربية.
يبدو جليا أن فئة واسعة من الشعب الإسباني اليوم، ما عدا المتنورون الذين يراجعون دروس تاريخ المنطقة التي يعيشون فيها، يخضعون لتضليل هائل من عدد من وسائل إعلامهم الرسمية وغير الرسمية، بخصوص دولتهم الحالية، التي يروجون أنها دولة عريقة، تأسست قبل وجود الدولة المغربية، وهذا منتهى التزييف والتغليط الذي لا يمكن أن يرتكبه أي باحث بسيط لديه القدرة على الوصول إلى الوثائق التاريخية الموجودة في المكتبات العالمية، ومنها وثائق المكتبة الوطنية الإسبانية التابعة لوزارة الثقافة الإسبانية، العديدة والمتنوعة، التي يمكن لأي مواطن إسباني أن يقرأ فيها بأنه إلى حدود عام 1479م كانت شبه الجزيرة الأيبيرية مشتتة وموزعة بين خمس ممالك مستقلة عن بعضها ومتناحرة ومتصارعة فيما بينها، أربع منها ممالك مسيحية، ومملكة واحدة إسلامية في الجنوب بالأندلس، وهذه الممالك هي مملكة قشتالة وليون التي كانت تحتل وسط وشمال وغرب شبه الجزيرة الإيبيرية، وهي الأكبر مساحة والأكثر سكاناً، تشمل أقاليم مثل مدريد، طليطلة، غاليسيا، وأندلسية الشمالية اليوم، ومملكة تاج أراغون، التي كانت تقع في الشرق والشمال الشرقي لشبه الجزيرة الإيبيرية المطل على البحر الأبيض المتوسط، وتضم أقاليم أراغون، كتالونيا، فالنسيا، وجزر الباليار اليوم، ومملكة البرتغال التي لم تدخل في الاتحاد الإسباني بل حافظت على استقلالها، ومملكة نافارا، وهي مملكة صغيرة جداً كانت تقع في أقصى الشمال عند جبال البرانس، وتفصل بين قشتالة وأراغون وفرنسا وعاصمتها بامبلونا، وهي مملكة جبلية معزولة سياسيا، وتحاول دائما المناورة بين نفوذ فرنسا وجيرانها الإيبيريين للحفاظ على استقلالها، قبل أن يتم غزوها وضمها لاحقاً عام 1512م، إلى مملكة قشتالة وأراغون، ومملكة غرناطة المسلمة، التي كانت تقع في أقصى جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، ممتدة على طول الساحل الجنوبي المتوسطي، وتضم اليوم مدن غرناطة، مالقة، وألمرية، وقد كانت آخر معاقل ملوك بني الأحمر المسلمين في الأندلس. ورغم صغر مساحتها وضغط الممالك المسيحية عليها، إلا أنها استمرت دولة قائمة الذات بفضل تضاريسها الجبلية الحصينة ودبلوماسيتها، حتى سقطت عام 1492م على يد الملكين الكاثوليكيين إيزابيلا الأولى وفرديناند الثاني بعد توحيد قشتالة وأراغون.
قبل أن تتأسس مملكة غرناطة المستقلة، كان جنوب الأندلس بالكامل، بما فيه غرناطة، إشبيلية، قرطبة، ومالقة، خاضعا خضوعا مباشرا لحكم دولة الموحدين المغربية حتى عام 1212، وهي سنة سقوط الموحدين في معركة العُقاب التي تحالف فيها ملوك ممالك شمال إسبانيا المسيحيين بدعم من البابا إينوسنت الثالث في روما ومشاركة متطوعين فرسان من أوروبا ضد الخليفة الموحدي محمد الناصر لدين الله الذي أطلقت عليه المصادر المسيحية لقب Miramamolín وهو تحريف لـ "أمير المؤمنين"، والذي كان قد خاض المعركة، ومعه جنود من المغرب ومن الأندلسيين المسلمين المتطوعين.
انكسار شوكة محمد الناصر لدين الله الموحدي في معركة العقاب بشبه الجزيرة الإيبيرية وعودته مريضا إلى مراكش عاصمة الموحدين أدى إلى ظهور الدولة المرينية المغربية عام 1213 بزعامة مؤسسها عبد الحق بن محيو الذي أطلق دعوته من شرق المغرب بسجلماسة وكًرسيف.
المواطنون الإسبانيون اليوم، يلزمهم أن يطلعوا على تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية التي يعيشون فيها، كي يعرفوا من خلال ما كتبه أجدادهم من وثائق تاريخية مسجلة في المكتبات العالمية، بأنه عندما كانت شبه الجزيرة الإيبيرية مجرد ممالك صغيرة مبعثرة ومتصارعة فيما بينها، كان ملك مملكة نافارا سانشو السابع الملقب باسم سانشو القوي خلال الفترة بين 1198 و1200 يطلب الدعم من الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور الذي انتصر انتصارا عظيما على مملكة قشتالة في معركة الأرك سنة 1198، حيث توجه سانشو السابع في البداية إلى بلاط الخليفة الموحدي بمراكش عام 1198م يطلب الدعم والتحالف, وصادفت إقامته ضيفا هناك وفاة الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور، وتولي ابنه محمد الناصر لدين الله الخلافة بعده، وهو من أتم الاتفاقات مع سانشو.
وحتى لا يكون الأمر هنا مجرد خرافات وكلام ملقى على عواهنه، يمكن للمواطنين الإسبانيين الواقعين تحت تأثير وسائل إعلامهم الجاهلة بالتاريخ أو المزيفة له، الاطلاع على وثيقة تاريخية هي مخطوط نص معاهدة تم توقيعها بتاريخ 4 فبراير 1201 في مدينة شينون وهي مدينة فرنسية كانت خاضعة للإنجليز، بين سانشو السابع ملك نافارا وبين جون ملك إنجلترا الملقب باسم ملك بدون أرض.
النسخة الأصلية من هذه المعاهدة الدبلوماسية والتجارية لعام 1201 م، والتي تم تأكيدها وتطوير بنودها لاحقاً في مدينة أنغوليم الفرنسبة عام 1202 م، محفوظة ومسجلة في الأرشيف التاريخي الوطني الإسباني (Archivo Histórico Nacional)، رقم الوثيقة (Signatura):DOCUMENTOS REALES, PERGAMINOS, 1, N.2 (ضمن مجموعة وثائق الملوك، الرقاع والبارشمينات)، معرف البحث الرقمي (PARES ID): يُعرف في البوابة الرقمية للأرشيف الإسباني بالمعرف المرجعي لـ Cámara de Comptos de Navarra للوثائق الملكية الصادرة في ذلك التاريخ (4 فبراير 1201 م).
في هذه المعاهدة المكتوبة باللغة اللاتينبة هناك بند يشير بوضوح إلى "ملك المغرب"، وهو بند حول ما اتفق عليه الملكان سانشو السابع وجون بدون أرض، هو كما يلي وترجمته تأتي مباشرة بعده :
"Quod ipsi erunt amici amici et inimici inimici et se iuvabunt bona fide contra omnes homines de mundo solo Rege Marocorum excepto qui cum rege Navarrae treugas habet."
« على أن يكونا أصدقاءَ الأصدقاء وأعداءَ الأعداء، وأن ينصرا بعضهما بعضا بحسن نية ضد جميع رِجال العالم، باستثناء مَلك المغرب وحده، الذي يربطه بملك نافارا عهد هدنة. »
معاهدة شينون( Tratado de Chinon) هذه تُعد وثيقة قانونية بالغة الأهمية، لأنها تكشف كيف كان الملوك المسيحيون في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية يحرصون بشدة على عدم إغضاب خلافة الموحدين بالمغرب، والتي كان يقودها آنذاك الخليفة محمد الناصر، لدرجة اشتراط استثنائه علنا من أي حلف عسكري ضد "العالم أجمع".
بعد معركة العقاب وخروج الموحدبن المغاربة من الأندلس، جاء دور مغاربة الدولة المرينية ليدخلوها، وكان أول دخول عسكري رسمي ومنظم للمرينيين إلى الأندلس في عام 1275م بقوات ضخمة قادها السلطان المريني أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق بنفسه، وذلك تلبيةً لصيحة الاستغاثة التي أطلقها سلطان غرناطة محمد الثاني وهو أحد ملوك بني الأحمر المسلمين بعد أن حاصره القشتاليون الكاثوليك، فانتزع المرينيون من القشتاليين عددا من الحصون وامتلكوا بموجب الاتفاقيات مع غرناطة 53 مدينة وحصنا وأكثر من 300 قرية وبرج في جنوب الأندلس لتكون قواعد عسكرية مغربية دائمة. وأبرز ما خضع للحكم المباشر للمرينيين المغاربة، الجزيرة الخضراء (Algeciras)، التي اتخذوها عاصمة ومقرا رئيسيا لقيادة الجيوش المغربية في الأندلس، ورندة (Ronda)، المدينة الجبلية الحصينة التي ظلت معقلا مرينيا خالصا لسنوات طويلة، وطريفة (Tarifa)، ومالقة (Málaga)، وروطا (Rota) وهي ثغور ساحلية إستراتيجية خضعت للإدارة المباشرة للمرينيين.
أما مملكة غرناطة فقد أضحت خاضعة للنفوذ السياسي السياسي والحماية العسكرية للمرينيين في فترات القوة المرينية، خاصة في عهد أبي يوسف يعقوب المنصور، وكان سلاطين غرناطة لا يجرؤون على اتخاذ قرارات الحرب والسلم أو التعيينات الكبرى دون رضا السلاطين المرينيين الذين حولوا عاصمة الدولة المغرببة إلى فاس. بل إنهم في بعض الأوقات اضطروا لخطبة الجمعة باسم السلطان المريني وسك العملة بإذنه تقديرا للدعم العسكري والمالي الذي لولاه لسقطت غرناطة قبل وقتها بقرنين، بينما ظلت الممالك الأخرى مثل قشتالة وأراغون ممالك مسيحية معادية، أُجبرت في عهد السلطان أبي يوسف يعقوب على توقيع معاهدات صلح ودفع الجزية أو تقديم تنازلات للمرينيين بعد الهزائم المتتالية التي ألحقها بهم.
هذا تاريخ الدولة المغربية المسجل في وثائق التاريخ الموجودة في المكتبات العالمية.
والذي ليس له تاريخ، من العادي أن يزيف تاريخه، ليمنح نفسه عراقة يفتقدها.
وهذا ما كان.






