تحليل

بين رسالة محمد السادس ورسالة فيليبي السادس.. حين تتكلم الصور

بنسعيد الركيبي

في العلاقات الدولية، لا تصنع الرسائل بالبيانات والمذكرات الدبلوماسية وحدها. أحيانا تكفي صورة محسوبة بعناية كي تقول الدولة ما تريد قوله من دون تصريح مباشر. ومن هذه الزاوية، تستحق صورتان خرجتا من الرباط ومدريد خلال فترة زمنية متقاربة قراءة تتجاوز المناسبة إلى ما تختزنه كل واحدة منهما من رموز ودلالات.

الصورة الأولى للملك محمد السادس خلال حفل ديني بالقصر الملكي بالرباط. ملك بلباس مغربي تقليدي، في فضاء ديني، يستمع إلى كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية التي استحضرت علماء ارتبطوا تاريخيا بسبتة، وأعادت إلى الذاكرة مسألة تحرير المدن المحتلة. وقد التقط الإعلام الإسباني بسرعة الحساسية السياسية لهذا الاستحضار وربطه بسبتة ومليلية.

لا نجد في هذه الصورة خريطة عسكرية ولا جنرالات ولا استعراضا للقوة. الأداة المستعملة أكثر هدوءا وعمقا: التاريخ والذاكرة. وكأن الرسالة تقول إن سبتة، في الوعي المغربي، ليست مجرد معبر حدودي ارتبط بأحداث 30 و31 يوليوز، وإنما جزء من ذاكرة تاريخية أقدم من الأزمة ومن ترتيبات الحاضر.

ثم جاءت الصورة الإسبانية بلغة مختلفة تماما. في قصر الزارزويلا، يظهر الملك فيليبي السادس بزيه العسكري على رأس طاولة تحيط بها وزيرة الدفاع وكبار قادة القوات المسلحة، ومن بينهم المسؤولون العسكريون المرتبطون بسبتة. والموضوع المعلن للاجتماع هو دراسة الوضع في المدينة «من وجهة نظر الدفاع».

هنا تتغير السيميائية بالكامل. في الرباط كان الحضور للتاريخ، وفي مدريد أصبح الحضور للمؤسسة العسكرية. هناك اللباس التقليدي والمجلس الديني والذاكرة، وهنا زي القائد الأعلى والجنرالات والدفاع. المغرب استحضر سبتة من عمق التاريخ، وإسبانيا وضعتها على طاولة الأمن والدفاع في الحاضر.

سيكون مبالغا فيه تفسير الصورة الإسبانية باعتبارها تهديدا عسكريا مباشرا للمغرب. الأقرب أنها رسالة ردع سياسي وبصري تقول إن مدريد تعتبر سبتة مجالا سياديا تضع الدولة خلفه مؤسساتها الدفاعية. واختيار نشر الصورة مهم هنا بقدر أهمية الاجتماع نفسه، لأن جمع الملك والزي العسكري وقيادة الجيش واسم سبتة في مشهد واحد يصنع رسالة يصعب اختزالها في اجتماع تقني عادي.

غير أن الصورة تسمح بقراءة ثانية أكثر إثارة. فمنذ أحداث يوليوز، عاد الحديث في مدريد عن زيارة محتملة للملك فيليبي السادس إلى سبتة، فيما بقي توقيتها خاضعا لحسابات سياسية ودبلوماسية دقيقة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل اجتماع الزارزويلا تمهيد للزيارة، أم أنه في جانب منه تعويض رمزي مؤقت عنها؟

زيارة الملك إلى سبتة ستنقل الرسالة الإسبانية إلى مستوى أعلى بكثير، وستضع مدريد أمام كلفة دبلوماسية مباشرة مع الرباط. أما استقبال القيادة العسكرية المعنية بالمدينة داخل الزارزويلا فيحقق جزءا مهما من الرمزية المطلوبة بكلفة أقل. فيليبي حاضر، الجيش حاضر، قائد سبتة حاضر، وكلمة «الدفاع» حاضرة. وحدها سبتة غائبة جغرافيا عن الصورة.

وقد تكون مدريد بهذه الصورة قد حققت بعض ما تريد تحقيقه بالزيارة، مع الاحتفاظ بالزيارة نفسها كورقة أعلى في سلم الرموز. فإن سمحت الظروف السياسية يمكن القيام بها لاحقا، وإن ارتفعت كلفتها الدبلوماسية يمكن تأجيلها من دون أن يبدو الأمر تراجعا أمام المغرب. الصورة أقل كلفة من الزيارة، والزيارة أقوى من الصورة.

أما الرباط فاختارت لغة مختلفة. الرسالة المغربية خرجت من حقل التاريخ والذاكرة، من دون استعراض عسكري مقابل. وهذه المقارنة تصبح أكثر دلالة عندما نتذكر أن إسبانيا نفسها تعرف جيدا قيمة الرموز الملكية في النزاعات الترابية، وقد تعاملت تاريخيا بحساسية كبيرة مع الزيارات الملكية البريطانية إلى جبل طارق لما تقرؤه فيها من تأكيد للسيادة البريطانية.

ولهذا سيكون صعبا على مدريد أن تعتبر زيارة ملك بريطانيا إلى جبل طارق رسالة سيادية، ثم تتوقع من الرباط أن تنظر إلى زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة باعتبارها مجرد نشاط بروتوكولي. الدول تفهم لغة الرموز جيدا، خصوصا عندما تكون قد استعملت اللغة نفسها في الدفاع عن مطالبها الترابية.

ولا يمكن فصل الصورتين عن التحول الذي عرفه ملف سبتة منذ أحداث يوليوز. أزمة بدأت بحركة عبور جماعي، ثم انتقلت إلى الإعلام والسياسة والقضاء، وأعادت تدريجيا المدينة إلى مساحة خلاف كان البلدان حريصين طوال السنوات الماضية على إبقائها بعيدة عن الشراكة الاستراتيجية التي بنياها.

وهنا تظهر دقة المعادلة بالنسبة للطرفين. مدريد تريد طمأنة سكان سبتة والرأي العام الإسباني والتأكيد على حضور الدولة، وفي الوقت نفسه تريد الحفاظ على علاقة استراتيجية مع المغرب تحتاجها في الأمن والهجرة والاقتصاد والاستعداد المشترك لكأس العالم 2030. والرباط تريد الحفاظ على هذه الشراكة، مع منع تحول ضبط النفس المغربي إلى اعتقاد بأن ملف سبتة ومليلية أصبح خارج حساباتها.

لهذا تبدو الصورتان، عند جمعهما، أكبر من مناسبتين منفصلتين. إنهما تكشفان عن حوار سياسي صامت بين دولتين تعرفان حساسية التصريح المباشر. محمد السادس لم يحتج إلى الوقوف أمام خريطة لسبتة كي تصل الرسالة إلى مدريد؛ كان كافيا أن يتحدث التاريخ في حضرته. وفيليبي السادس لم يحتج، حتى الآن، إلى الوقوف في سبتة كي يرسل رسالته؛ كان كافيا أن يجلس بزيه العسكري بين قادة جيشه ويضع المدينة على طاولة الدفاع.

وبين الصورتين يمكن اختزال المشهد كله في رسالتين: الرباط تقول لمدريد: لدينا ذاكرة. ومدريد تجيب: لدينا واقع نحميه.

ويبقى السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة: هل يستمر هذا الحوار داخل حدود الرموز المحسوبة، أم تنتقل إسبانيا من صورة فيليبي بين جنرالاته في مدريد إلى صورة فيليبي نفسه في سبتة؟

إذا حدث ذلك، ستتغير طبيعة الرسالة، وسيصبح من المشروع أن يبدأ النقاش في المغرب حول طبيعة الرسالة المقابلة. ففي الجغرافيا السياسية، قد تكون الصورة رسالة، وقد تصبح الزيارة موقفا، وعندها قد يكون الرد الأكثر ذكاء هو ذلك الذي يغير قواعد إدارة الملف من دون أن يطلق رصاصة واحدة.