تحليل

سبتة ومليلية.. حين تكشف أزمة الحدود حدود الخطاب الإسباني

يس افقير (أستاذ جامعي محاضر متخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية)

أعادت أزمة سبتة خلال صيف 2026 ملف المدينتين إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما بدأت في ظاهرها كأزمة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، قبل أن تكشف بسرعة عن أبعاد أعمق تتصل بالسيادة والتاريخ ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية.

فما حدث لم يكن مجرد تدفق بشري نحو إحدى بوابات أوروبا، ولا مجرد أزمة أمنية عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات حدودية. لقد كشف مرة أخرى أن سبتة ومليلية تمثلان إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين المغرب وإسبانيا، وأن أي اضطراب على الحدود قادر على إعادة فتح ملفات ظلت لسنوات تدار بمنطق الصمت الدبلوماسي والحسابات الاستراتيجية.

وتكمن أهمية الأزمة في أنها أعادت إلى الواجهة حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: هناك واقع ميداني تفرضه السيطرة الإسبانية على المدينتين، وفي المقابل هناك موقف مغربي ثابت يعتبرهما جزءا من المجال الترابي الوطني ويرفض التعامل مع الوضع القائم باعتباره حقيقة تاريخية نهائية غير قابلة للنقاش.

ومن هنا، فإن اختزال القضية في الهجرة يمثل تبسيطا شديدا لمشكلة أكثر تعقيدا. فالهجرة قد تكون الشرارة التي تشعل الأزمة، لكنها ليست أصل الخلاف. أما أصل الخلاف فيتصل بسؤال السيادة وبالترتيبات التاريخية والجيوسياسية التي جعلت المدينتين خارج السيادة المغربية رغم موقعهما الجغرافي والتاريخي المرتبط بالمجال المغربي.

وفي خضم الأزمة، جاء تصريح رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بأن سبتة ومليلية ستظلان إسبانيتين “إلى الأبد”، ليمنح النقاش بعدا سياسيا أكثر وضوحا. فهذه العبارة لا تبدو مجرد موقف عابر، وإنما تعكس محاولة لتثبيت الوضع القائم سياسيا ورمزيا، وإرسال رسالة داخلية إلى سكان المدينتين، ورسالة خارجية إلى المغرب مفادها أن مدريد لا ترى في موضوع السيادة مجالا للتفاوض في المرحلة الحالية.

لكن السياسة الدولية لا تدار بمنطق “الأبد”، ولا تعترف التحولات التاريخية بمفردات الإغلاق النهائي. فالكثير من القضايا الترابية التي بدت في لحظة تاريخية غير قابلة للنقاش أعيد فتحها لاحقا عندما تغيرت موازين القوى والظروف الإقليمية والدولية. ولذلك، فإن استخدام خطاب نهائي بشأن مستقبل سبتة ومليلية لا يلغي وجود النزاع السياسي، بقدر ما يكشف الرغبة في تجميده.

وهنا تحديدا ينبغي قراءة الموقف المغربي بعيدا عن منطق رد الفعل. فالمغرب ليس مطالبا بالدخول في منافسة خطابية مع مدريد، ولا بتحويل كل تصريح إسباني إلى أزمة دبلوماسية. بل إن قوة الموقف المغربي تكمن في قدرته على الجمع بين أمرين قد يبدوان متناقضين: الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع إسبانيا، وفي الوقت نفسه عدم التنازل عن موقفه التاريخي والسياسي من سبتة ومليلية.

إن هذه المعادلة ليست ضعفا دبلوماسيا، بل يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة. فالدول لا تقيس قدرتها على الدفاع عن مصالحها بعدد التصريحات التي تصدر عنها، وإنما بقدرتها على تحويل مواقفها إلى سياسات مستمرة، وإلى حجج قانونية وتاريخية وسياسية، وإلى حضور داخل مراكز القرار ومؤسسات البحث والإعلام والرأي العام الدولي.

ومن هذا المنظور، يبدو أن المغرب يحتاج إلى الانتقال من التعامل الظرفي مع قضية سبتة ومليلية إلى بناء استراتيجية طويلة النفس. استراتيجية لا تجعل الملف رهينا بالأزمات الحدودية، ولا تربطه حصرا بموضوع الهجرة، وإنما تعيد تقديمه باعتباره ملفا قائما بذاته ضمن أجندة السياسة الخارجية المغربية.

ويبدأ ذلك بتقوية الإنتاج الأكاديمي والتاريخي والقانوني حول المدينتين، ودعم الدراسات التي تتناول جذور القضية وتطورها، وتشجيع الدبلوماسية الأكاديمية والفكرية، وتوسيع النقاش داخل مراكز التفكير الدولية، إلى جانب الاستثمار في الإعلام الدولي القادر على تقديم الرواية المغربية بلغة هادئة ومهنية ومبنية على الحجج.

فالسيادة في عالم اليوم لا تحسم فقط بالمواقف السياسية، وإنما تحسم أيضا في فضاءات المعرفة وصناعة الروايات. ومن يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة حول قضيته، وتقديمها إلى الخارج بلغة يفهمها المجتمع الدولي، يمتلك جزءا مهما من أدوات التأثير.

كما أن المغرب مطالب بالحفاظ على فصل واضح بين ملف الهجرة وملف سبتة ومليلية. فالتعاون الأمني والإنساني مع إسبانيا في مواجهة الهجرة غير النظامية يمكن أن يستمر، بل ويمكن تطويره، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مقايضة صامتة بشأن القضايا السيادية. فالتعاون في ملف لا يعني التنازل في ملف آخر.

وهنا تبرز أهمية العلاقة المغربية الإسبانية نفسها. فالمغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح استراتيجية تتجاوز الخلافات التاريخية: التجارة، والاستثمار، والأمن، والهجرة، ومحاربة الجريمة المنظمة، والطاقة، والمصالح المتوسطية والأوروبية. ولذلك، فإن الحكمة تقتضي إدارة الخلاف بدل تحويله إلى قطيعة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالحق المغربي في الدفاع عن موقفه التاريخي والسياسي.

ولعل الخطأ الأكبر سيكون في التعامل مع قضية سبتة ومليلية باعتبارها معركة يجب حسمها في تصريح أو رد إعلامي. فالقضايا الترابية الكبرى لا تحتاج إلى انفعال، وإنما إلى تراكم. ولا تحتاج إلى رفع الصوت، وإنما إلى رفع مستوى الحجة.

لقد أظهرت أزمة سبتة أن المدينتين لا تزالان تمثلان نقطة ضعف في بنية العلاقة المغربية الإسبانية، لكنها أظهرت أيضا أن المغرب بات أمام فرصة لإعادة صياغة طريقة تعامله مع الملف. فبدلا من انتظار الأزمات لإعادة طرح القضية، يمكن تحويلها إلى ملف استراتيجي دائم، تتم إدارته بهدوء وثبات وعلى مراحل.

أما عبارة “إلى الأبد” التي أطلقها سانشيز، فلا ينبغي أن تتحول إلى استفزاز يدفع نحو رد فعل متسرع. فالتاريخ السياسي لا يخضع لهذه اللغة القطعية، والتحولات الدولية لا تعترف دائما بالحقائق التي تبدو ثابتة في لحظة معينة. وما يبدو اليوم وضعا نهائيا قد يصبح غدا موضوعا لإعادة النقاش عندما تتغير السياقات والموازين.

ومن ثم، فإن الدفاع عن مغربية سبتة ومليلية لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب تعبوي فقط، بل إلى مشروع متكامل يجمع بين الدبلوماسية والسياسة والقانون والتاريخ والإعلام. فالمطلوب ليس فقط أن يقول المغرب إن المدينتين مغربيتان، وإنما أن يجعل هذه القضية حاضرة باستمرار في دوائر النقاش وصناعة القرار، وأن يقدم للعالم حججه ومقارباته بطريقة تراكمية ومنظمة.

لقد علمتنا التجارب الدولية أن القضايا الترابية لا تختفي لأنها جُمّدت، ولا تسقط بالتقادم السياسي، ولا تحسمها التصريحات وحدها. إنها تبقى مفتوحة ما دام أحد أطرافها يعتبر أن وضعها الحالي لا يعكس حقيقة مطالبه وحقوقه.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الدخول في مواجهة مباشرة مع إسبانيا، وإنما في بناء قوة تفاوضية وسياسية ومعرفية تجعل موقفه أكثر حضورا وتأثيرا مع مرور الوقت. فالمعركة هنا ليست معركة أسبوع أو سنة، وإنما معركة نفس استراتيجي طويل.

لذلك، فإن أزمة سبتة ينبغي ألا تُقرأ فقط باعتبارها أزمة هجرة، بل باعتبارها تذكيرا بأن ملف المدينتين ما زال حاضرا، وأن العلاقات المغربية الإسبانية، مهما بلغت من مستوى التعاون، ستظل تحمل في عمقها سؤالا سياديا لم يجد بعد طريقه إلى التسوية.

وإذا كانت مدريد تريد أن تتحدث بلغة “الأبد”، فإن الرباط ليست مطالبة بمجاراة هذه اللغة، وإنما مطالبة ببناء المستقبل بأدوات أكثر فعالية: دبلوماسية هادئة، حجة قوية، معرفة متراكمة، حضور دولي، ونفس استراتيجي طويل. ففي قضايا السيادة، لا تكون قوة الموقف في صخب الخطاب، وإنما في القدرة على جعله حاضرا عندما تتغير الظروف.