تحليل

لماذا السياسي ذاكرته قصيرة والمؤرخ ذاكرته طويلة؟ قراءة في تشريعيات 2026 بالمغرب، بين منطق الانتخابات ومنطق التاريخ

مصطفى الغاشي (أستاذ التعليم العالي)

تمهيد: بين ذاكرة الصندوق وذاكرة التاريخ، يبدو ان هناك مفارقة تكاد تكون بنيوية في العلاقة بين السياسي والمؤرخ: فالسياسي يعيش من الانتخابات إلى الانتخابات، أما المؤرخ فيعيش من الحاضر إلى الماضي ومن الماضي إلى المستقبل. وليست المسألة أن السياسي يفتقر بالضرورة إلى الذاكرة، ولا أن المؤرخ يمتلك ذاكرة خارقة؛ وإنما يتعلق الأمر باختلاف وظيفة الزمن عند كل منهما. فالسياسي يحتاج إلى الذاكرة بقدر ما تخدم الحاضر السياسي: حصيلة حكومة، إنجازات، إخفاقات، وعود، خصوم، تحالفات، ونسب انتخابية. أما المؤرخ فلا يستطيع أن يتعامل مع الماضي باعتباره مادة قابلة للانتقاء حسب الحاجة؛ فوظيفته الأساسية هي إعادة بناء السياقات، وربط الأحداث بنتائجها، واكتشاف ما تخفيه الذاكرة السياسية أكثر مما تكشفه.

ومن هنا تأتي أهمية تشريعيات 23 شتنبر 2026 في المغرب. فهي لا تمثل فقط انتخابات لتجديد 395 مقعداً بمشاركة 27 حزباً، وإنما تشكل أيضاً لحظة يمكن من خلالها اختبار علاقة الأحزاب المغربية بماضيها القريب، وبحصيلتها الحكومية، وبوعودها الجديدة. 

أولاً: لماذا تكون ذاكرة السياسي قصيرة؟

1. لأن السياسي أسير الدورة الانتخابية، فالسياسي يعمل داخل زمن محدد: ولاية، حصيلة،انتخابات، برنامج جديد، ولاية جديدة... وهذا الزمن قصير بالضرورة.

فالانتخابات المقبلة تضغط على السياسي لكي يتحدث عن المستقبل أكثر مما يتحدث عن الماضي، أو أن يعيد صياغة الماضي بما يخدم المستقبل. فهل يستطيع السياسي أن يطلب من الناخب أن يحاسبه على ما وعد به قبل خمس سنوات، ثم يقدم له في الوقت نفسه وعوداً جديدة وكأن الماضي لم يكن؟ وهذا في الواقع أحد الاختبارات الحقيقية لتشريعيات 2026. فالبرامج الحالية تتحدث عن القدرة الشرائية، والشغل، والخدمات العمومية، والحماية الاجتماعية، والسيادة الاقتصادية وغيرها؛ وهي قضايا مشروعة تماماً. لكن السؤال التاريخي والسياسي الأعمق هو: ما الذي تحقق من الوعود السابقة؟ ولماذا لم يتحقق ما لم يتحقق؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهذا السؤال هو الذي يزعج الذاكرة الانتخابية القصيرة.

ثانياً: المؤرخ لا يستطيع أن ينسى ما يريد السياسي نسيانه، فالمؤرخ لا ينظر إلى الانتخابات باعتبارها يوم الاقتراع فقط. بل باعتبارها حلقة في سلسلة تاريخية.

فإذا كان السياسي يعتمد مقولة "سنفعل..." فإن المؤرخ يسأل: "ماذا قلتم من قبل؟ وماذا فعلتم؟ ولماذا حدث ما حدث؟ وما النتائج التي ترتبت على ذلك؟" وهنا يتحول التاريخ إلى ذاكرة للمساءلة. فالمؤرخ لا يكتفي بتسجيل أن حزباً قدم برنامجاً انتخابياً؛ بل يستطيع بعد سنوات أن يقارن بين: الوعد، القرار، التنفيذ، النتيجة، والأثر الاجتماعي والسياسي. وهذه السلسلة هي التي تجعل التاريخ أكثر صرامة من الخطاب الانتخابي.

ثالثاً: تشريعيات 2026 واختبار الذاكرة، على هذا الاساس، فان انتخابات 2026 تكتسي أهمية خاصة لأنها تأتي بعد ولاية حكومية كاملة، وبالتالي فإن الناخب لا يصوت على المستقبل وحده؛ بل يصوت أيضاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على حصيلة الماضي. وهذا ما يجعل الانتخابات الحالية اختباراً مزدوجاً: اختبار سياسي، هل يقتنع المواطن بالبرامج والوعود الجديدة؟

واختبار تاريخي، هل يستطيع الحزب أن يفسر حصيلته السابقة، وأن يقدم تفسيراً مقنعاً لما أنجز وما لم ينجز؟

والمفارقة، ان بعض الأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية تقدم نفسها في الانتخابات الجديدة بوصفها صاحبة حصيلة وفي نفس الوقت، صاحبة مشروع جديد يحتاج إلى تغيير أو تصحيح المسار.

وفي هذا السياق، يقدم حزب الأصالة والمعاصرة، مثلاً، برنامجاً انتخابياً لسنة 2026 تحت شعار تغيير المسار، يتضمن خمسة مواثيق و20 التزاماً وكلفة معلنة تصل إلى 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، مع هدف خلق مليون منصب شغل صافٍ على الأقل. ومن هنا يبرز السؤال الذي سيطرحه المؤرخ بعد سنوات: إذا كان المسار يحتاج إلى تغيير، فما تقييم المسار السابق؟ إنه سؤال بقدر ما هو بسيط انتخابياً، فانه عميق تاريخياً.

رابعاً: السياسي يملك "حاضر القرار"، والمؤرخ يملك "زمن النتيجة". فالسياسي يرى القرار من لحظة اتخاذه. أما المؤرخ فيراه من خلال نتائجه المتراكمة. فالسياسي قد يعتبر رفع الأجور إنجازاً. لكن المؤرخ سيبحث بعد عشر سنوات: هل تحسن مستوى المعيشة؟ هل تغير توزيع الدخل؟ هل تراجعت الفوارق الاجتماعية؟ هل كان الإجراء مستداماً مالياً؟ ما أثره على المالية العمومية؟

ماذا حدث للطبقة الوسطى؟ ماذا تغير في الخدمات العمومية؟ وهكذا ينتقل الفعل السياسي من الخطاب إلى الأثر التاريخي.ومن يمكن القول: ان السياسي يقيس نجاحه بما يستطيع أن يعلنه، والمؤرخ يقيسه بما يستطيع الزمن أن يثبته.

خامساً: الانتخابات تصنع الذاكرة القصيرة، ان من أخطر خصائص الديمقراطية الانتخابية الحديثة أنها قد تحول السياسة إلى سلسلة من الحاضرات المنفصلة. فكل انتخابات تبدأ وكأنها صفحة جديدة، ببرنامج جديد. شعارات جديدة، جوه جديدة، أرقام جديدة، وعود جديدة. لكن الدولة والمجتمع لا يبدآن من الصفر. فالفقر الذي لم يعالج في الولاية السابقة ينتقل إلى الولاية اللاحقة. والجامعة التي لم تصلح تصبح مشكلة للحكومة المقبلة. والصحة التي لم تتغير تصبح عبئاً على الحكومة المقبلة. والبطالة التي لم تعالج تتحول إلى أزمة اجتماعية جديدة....الخ. 

ان المجتمع له ذاكرة، بينما الخطاب السياسي قد يحاول أن يبدأ من جديد كل خمس سنوات.

سادساً: مشكلة "إعادة اختراع السياسة"، هناك ظاهرة متكررة في الانتخابات: فكل برنامج انتخابي يقدم نفسه باعتباره اكتشافاً جديداً للمشكلة.د، لكن كثيراً من المشكلات ليست جديدة. فالبطالة ليست جديدة، أزمة التعليم ليست جديدة.د، أزمة الصحة ليست جديدة. ضعف الثقة السياسية ليس جديداً، العزوف الانتخابي ليس جديداً، الفوارق المجالية ليست جديدة، أزمة الطبقة الوسطى ليست جديدة. ان الجديد هو درجة المشكلة وسياقها السياسي. وهذا ما يجعل المؤرخ يعتبرانه لا يمكن بناء سياسة عمومية جديدة من دون ذاكرة للسياسات العمومية السابقة.

سابعاً: السياسي يحتاج إلى النسيان، والديمقراطية تحتاج إلى الذاكرة، والمفارقة، ان السياسي قد يحتاج إلى نسيان بعض إخفاقاته لكي يستطيع الاستمرار. لكن الديمقراطية لا تستطيع أن تعمل من دون ذاكرة. فالديمقراطية لا تقتصر فقط على: التصويت. بل أيضاً على: المساءلة، المحاسبة، التراكم، التعلم من الأخطاء.

لذلك، فإن الديمقراطية التي تنسى بسرعة تصبح ديمقراطية انتخابية، وليست ديمقراطية تعلم سياسي.

ومن هنا يصبح المؤرخ جزءاً من الثقافة الديمقراطية، وليس مجرد باحث في الماضي.

ثامناً: المؤرخ باعتباره "ضمير الزمن السياسي"، ان المؤرخ ليس بالضرورة خصماً للسياسي، بل هو الذي يمنع السياسة من التحول إلى حاضر بلا ماضٍ.

فهو يتساءل: كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ ما القرارات التي صنعت هذه الأزمة؟ من اتخذها؟ ما البدائل التي كانت ممكنة؟ ما الذي تغير فعلاً؟ وما الذي تغير في الخطاب؟ ان هذه الأسئلة ضرورية في قراءة تشريعيات 2026. فالانتخابات ينبغي ألا تكون فقط منافسة على:

من سيحكم؟ بل أيضاً على: كيف سنحكم؟ ولماذا أخفقنا سابقاً؟ وماذا تعلمنا؟

تاسعاً: من "برنامج انتخابي" إلى "عقد تاريخي"، ان المقصود هنا هو مفهوم جديد: العقد التاريخي، او العقد التاريخي للبرنامج الانتخابي، بمعنى، ألا يُقرأ البرنامج باعتباره وثيقة تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحملة الانتخابية، بل باعتباره وثيقة يمكن الرجوع إليها بعد خمس أو عشر سنوات. وبالتالي يجب أن يتضمن، أهدافاً قابلة للقياس، آجالاً محددة، كلفة مالية معلنة، مصادر التمويل، مؤشرات للنجاح، آليات للمحاسبة، حصيلة سنوية، تفسيراً علنياً للفشل عند حدوثه. ومن هنا تصبح عبارة "الالتزام" ذات معنى حقيقي. فالبرنامج الذي لا يمكن قياسه ولا محاسبة أصحابه عليه، يظل أقرب إلى خطاب انتخابي منه إلى عقد سياسي.

عاشرا: المفارقة الكبرى في تشريعيات 2026، ان المفارقة التي تستحق أن تكون محور المقاربة هي أن المغرب يدخل انتخابات 2026 وهو يحمل إرث ولاية حكومية كاملة ومجموعة من الرهانات المستقبلية الكبرى. فالانتخابات تأتي في سياق يرتبط بأفق 2030، وبالدولة الاجتماعية، وبالأمن الغذائي والمائي والطاقي، وبالتحولات الاقتصادية، وبالرهانات المرتبطة بكأس العالم 2030، وبقضية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي. 

لذلك فإن السؤال الحوعري ليس: من سيفوز في 23 شتنبر؟ فهذا سؤال انتخابي. بل السؤال الأعمق هو:

ماذا سيتبقى من تشريعيات 2026 في ذاكرة المغرب بعد عشرين سنة؟ وهذا هو سؤال المؤرخ.

حادي عشر: من ذاكرة السياسي إلى ذاكرة الدولة، في هذا السياق وجب التمييز بين ثلاث انواع من الذاكرة: 

1. ذاكرة السياسي، فهي قصيرة، انتخابية، مرتبطة بالمصلحة والولاية.

2. ذاكرة الحزب، وهي أطول قليلاً، لأنها ترتبط بتاريخ التنظيم وتحالفاته وانشقاقاته وبرامجه.

3. ذاكرة الدولة والمجتمع، وهي أطول بكثير، لأنها تحتفظ بالنتائج حتى عندما تتغير الحكومات والأحزاب.

ومن هنا فإن الحكومة قد تنتهي، والحزب قد يخسر الانتخابات، والوزير قد يغادر منصبه، لكن أثر القرار يبقى. وهذا هو المجال الذي يبدأ فيه عمل المؤرخ.

في الختام، ان السياسي يعيش الانتخابات، والمؤرخ يعيش ما بعد الانتخابات، لذلك يمكن القول: ان السياسي ذاكرته قصيرة لأنه محكوم بالانتخاب، والمؤرخ ذاكرته طويلة لأنه محكوم بالنتيجة. ان السياسي يسأل: كيف أربح الانتخابات؟ المؤرخ يسأل: ماذا صنعت هذه السياسة في المجتمع؟ السياسي ينظر إلى 23 شتنبر 2026. أما المؤرخ فينظر إلى ما قبل 23 شتنبر وما بعدها. ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لتشريعيات 2026 لن تقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، ولا بمن شكل الحكومة المقبلة، وإنما بما إذا كانت هذه الانتخابات ستنجح في الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة الالتزام، ومن ذاكرة انتخابية قصيرة إلى ذاكرة مؤسساتية طويلة.

ان الأمة التي لا تتذكر وعود سياسييها، تعيد انتخاب أخطائها؛ والأمة التي تحفظ ذاكرتها السياسية، تجعل التاريخ أداة للمحاسبة لا مجرد علم للماضي. ومن ثم فإن المؤرخ لا ينافس السياسي على السلطة؛ إنه ينافس النسيان على الحقيقة.