في الجانب المقابل، كان موقف مدريد يدعو للاستغراب من طبيعة التعاطي مع حدث العبور الجماعي يومي 30/31 يوليوز، ابتداء من التغاضي وفتح أبواب ومياه المدينتين المحتلتين للعبور العلني المجاني بشكل لا سابق له، شجعت المزيد من الشباب على الإقبال للهجرة بعد المشاهد على الشاشات والاعلانات الرقمية المتوالية المجهولة المصدر المشجعة للهجرة.
فبمجرد حصول الهروب الكبير، انطلق مسلسل الضغوطات المباشرة السريعة على المغرب وخلط الأوراق، وإخراج الحادث عن سياقة المعتاد "هجرة"، إلى رفع سقفها لــِما هو أبعد، والانتقال إلى وضعية ضاغطة تحاول تشديد الخناق على الرباط ورفع منسوب التوتر، بمخرجات تغول أمني سياسي إعلامي عسكري استخباراتي حزبي مدني سيبرياني غوغائي متحامل حد الهستيريا والفوبيا المغربية، بلغت سرعتها القصوى إلى محاولة الاضرار بالعلاقات بين البلدين، وهي التي كانت جيدة تعيش على وقع الزيارة التاريخية لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز للرباط أبريل 2022، والإعلان عن الموقف الداعم لإسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وما أعقبها من زيارات رسمية بتوقيع 19 اتفاقية لتقوية أسس الشراكة الاقتصادية والتعاون الثنائي وتثبيت مبدأ حسن الجوار وتعزيز المصالحة، وتوسيع هامش الاستثمارات الاسبانية، واستئناف التعاون حول ملف الهجرة.
لكن دعونا نتساءل عن هذا التحول المفاجئ والدراماتيكي للإسبان تجاه المغرب على وقع أزمة معتادة " الهجرة السرية" وما الدافع وراء السرعة القصوى الاسبانية بأداء عدائي، في مقابل سرعة مغربية خجولة مترهلة بأداء ناعم؟ من له مصلحة في استغلال حادث الهجرة وإثارة ملف سبتة ومليلية؟ ومن له مصلحة في الإساءة للعلاقات بين البلدين في هذا التوقيت؟ هل شعر الاسبان بأن ميزان القوى قد تغير بين الضفتين؟ وأن المغرب بات يملك أوراق ضغط، فافتعلوا أزمة لإرسال رسائل إنذار وتحذير...
من الثابت والمؤكد أن المغرب فوجئ بحدث الهجرة الجماعية إلى الثغرين المحتلين، في ظل انشغاله باحتفالات عيد العرش واحتفائه بمنجزات 27 سنة من العطاء، ولا يمكن أن يقدم على المغامرة بشبابه في هجرة جماعية، بغاية تحريك ملف سياسي ما. لم يكن المغرب بحاجة إلى إثبات ذلك، بشهادة رئيس الحكومة الاسبانية ووزير الداخلية اللذين رفضا تحميل الرباط مسؤولية ما جرى، معتبرين ان المغرب يعد شريكا أساسيا في مراقبة الهجرة ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وقد أكد سانشيز أنه تمّ تحريف مرسوم صادر عن المحكمة العليا في 8 يوليوز الماضي ونشره على شبكات التواصل الاجتماعي، عبر شائعات ومعلومات مضلّلة، مندّدا بمعلومات زائفة من اليمين المتشدّد وشبكات على صلة بإسرائيل وروسيا.
لكن المثير للقلق تزامن حدث الهجرة مع الاحتفال بعيد العرش، الذي جاء كعمل شيطاني غير بريء مدبر دون شك، غايته الإساءة إلى المملكة، لرسم صورة قاتمة أمام العالم عن بلد يدعي التطور والنمو في حين أنه يعيش أوضاعا اجتماعية مزرية دفعت ثلة من شبابه إلى الهروب الكبير إلى اللاعودة بعد إقصائهم من مشروع النهضة التنموي الذي لامس الحجر وأهمل البشر. كانت الغاية تستهدف علاقات المغرب مع حكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية، بتوجيه ضربة في العمق للطرفين، أُقْحِم فيها المغرب عن سبق إصرار وترصد، باستخدام أبناءه كضحايا لهذه الترتيبات السياسية الاستباقية.
لذلك يلاحظ أن المغرب لم يكن جاهزا لهذه المعركة المفاجئة، فارتبكت صفوفه: حكومة وبرلمانا وأحزابا وظل الجمع في موقف المتفرج، لا بيان وزارة الداخلية شفى الغليل وأقنع الاسبان بوقف حملتهم ضد المغرب ولا زيارة وزير العدل أوقفت النزيف، ولا الأحزمة الأمنية الوطنية والحصار حول المدينتين منع المزيد من أفواج "الحراكة" في ظل استمرار الدعوات الرقمية المشجعة للهجرة. لكن الأمر الذي يدعو للاستغراب لماذا لم تكلف السلطات الأمنية المغربية نفسها عناء البحث عمن يقف وراء الدعايات الرقمية المتواصلة العابرة للحدود؟ أم أنها تعرف لكنها تتردد أو لا ترغب في الظرف الراهن في كشف الحقائق، تجنبا للتصعيد.
على الجانب الاسباني، يبدو كل شيء جاهز ومعد سلفا، في انتظار هجمة "الحراكة" على المدينتين، لانطلاق حملة شرسة منظمة موزعة الأدوار، غاب فيها المغرب الجار الصديق وحضر الجار العدو الذي يجب تدميره كما تردد على لسان بعض الاسبان ساسة وإعلام وشارع. تابعنا تلك الحملة السياسية الإعلامية، التي كانت في انتظار حدث ما لتدير مدافع ألسنتها نحو المغرب، من ضمنهم بعض قادة الجيش "وزيرة الدفاع"، والترويج لوهم القوة والتفوق والتحذير بلغة استعمارية مُتغلغلة في أدمغتهم.
لا أحد له مصلحة في تفجير هذه الأزمة بين مدريد والرباط، لكن وعلى ما يبدو أن هناك أطرافا إسبانية قد تكون استخباراتية بتدبير وتعاون وتنسيق مع جهات يمينية متطرفة من داخل السلطة وخارجها، وراء هذه الفتنة بالدعوات الإلكترونية لتشجيع شباب المغرب للهجرة في عملية تغرير مدبرة راحوا ضحيتها جوعا وعطشا وإرهابا وإهانات وملاحقات رجال الأمن والسكان في الشوارع بالهراوات في صورة مذلة ونعتهم بالحفاة العراة، والدعوة لمحاصرتهم واعتقالهم وطردهم في مظلمة إنسانية تهز الكيان.
لكن ماذا وراء عملية الاستدراج هذه؟ هناك دوافع خارجية وداخلية تجلت في المشهد. خارجية ركزت على استهداف العلاقات مع المغرب كإرهاصات تنذر بتحول ما، وجب أخذها بعين الاعتبار، غايتها وضع حواجز لفرملة تعزيز التعاون، ثم زعزعة الموقف الاسباني من قضية الصحراء في الوقت الذي يسعى فيه المغرب إلى ترسيخ موقف اسباني ثابت لا يتأثر بتغيير الحكومات والنخب، لا سيما وأن اسبانيا مقبلة على انتخابات تشريعية ماي 2027، انطلقت شرارتها الأولى، بين اليسار " الحزب الاشتراكي العمالي الحاكم" وبين اليمين المحافظ "الحزب الشعبي" واليمين المتطرف "حزب فوكس"، فضلا عن الأحزاب الإقليمية القومية، وغالبيتها تدعو إلى سياسة متشددة في الهجرة وتنتقد سياسات حكومة بيدرو سانشيز، وتروج خطابا معاديا للمهاجرين والأجانب، وتطالب بإعادة النظر في العلاقات الاسبانية المغربية، من خلال إشعال ملف الهجرة مع المغرب البالغ الحساسية أمام الرأي العام الوطني، للنيل من الحزب الاشتراكي في معركة كسر عظم انتخابية بين الطرفين.
اسبانيا لا تتوقف عن إزعاج المغرب في قضايا ثنائية شتى نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: قانون منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين عندما كان الإقليم مستعمرة إسبانية ويقدر عددهم بنحو 70 ألف صحراوي، في خطوة تشريعية ذات أبعاد تتجاوز الإطار القانوني إلى الحقلين السياسي والتاريخي. ثم قيام إسبانيا بسن تشريع وطني لحماية حدودها المائية، في حين عبرت عن انزعاجها لما قام المغرب بنفس الخطوة، يمكن أن نستحضر أيضا المضايقات المتواصلة لمرور الشاحنات المغربية المحملة بالبضائع إلى أوروبا وخلق العراقيل لسائقي الشاحنات المغاربة، تأشيرات رخص السياقة والمرور، إضافة إلى الدعوة لفك الشراكة مع المغرب لتنظيم مونديال 2023. لنخلص إلى الاسبان يحرصون على جعل العلاقة مع المغرب في صلب اهتماماتهم واستغلالها لأجندات داخلية.
تنشغل النخب الاسبانية على اختلاف مشاربها السياسية أيضا بالهاجس الديموغرافي في المدينتين المغربيتين المحتلتين كأبرز التحديات الجيوسياسية التي تواجههم، والذي شهد في السنوات الماضية تناميا قويا للمغاربة بارتفاع نسب الولادة والاستقرار ومغادرة غالبية الاسبان المدينتين عند التقاعد، بما ينذر بحرب ديموغرافية صامتة مخافة تبدل المعادلة الديموغرافية بالمدينتين على المدى البعيد.
تداعيات الأزمة باتت بلا حدود، عندما تم إقحام قضية تجسس مفبركة بتسريب مجموعة الهاكرز جبروت عن مصادر اسبانية مجهولة، تفيد بارتباط أربعة أو خمسة موظفين دبلوماسيين بالسفارة المغربية بمدريد بأجهزة استخباراتية في المغرب، وتلفيق اتهامات وادعاءات باطلة فارغة، هدفها المزيد من الشحن الإعلامي وتعميق الخلاف وتوسيع دائرة الازمة من هجرة إلى قضايا تجسس بصورة مبيته، وهو نفس الاتجاه الذي يعكسه الاعلام الاسباني الهائج ضد المغرب، فلا تكاد تخلو شاشة تلفزية وصحف ومواقع إلكترونية يوميا من نشر أخبار مزيفة/ ذخيرة حية جاهزة، في سياق حملة هجومية عنيفة، غايتها تجييش وتهييج الرأي العام الاسباني ضد المغرب: "اسبانيا وفرنسا وأوروبا في خطر"،" هناك حرب في طور الإعداد" التذكير ب "تاريخ الفتح الإسلامي وحروب الأندلس، وعبور طارق بن زياد"، و"صور لشباب مغاربة حجوا إلى سبتة يرفعون الرايات البيض ويصرخون الله أكبر، ولا إلاه إلا الله"، وتسليط الضوء من جديد على مشاركة جنود مغاربة في الحرب الاهلية الاسبانية ( 1936/1939) التي قادهم إليها الجنرال فرانكو، كنقطة سوداء في الذاكرة الاسبانية. هي حرب إعلامية تدخل في سياق سياسة شاملة.
الملاحظ أن هناك شيطان متغلغل في علاقة الاسبان مع المغاربة كنار في هذه الصداقة المكلومة، لا تسمح بأية هدنة ثابتة، وإذا نشأت مبادرة للإطفاء تحولت سريعا إلى حطب يؤجج الحرائق، هكذا الحال.
لقد ظل المغرب على الدوام حريض على التمييز بين صداقة الشعب الاسباني، والأذى الذي تتسبب فيه بعض الأوساط السياسية والاعلامية والمجتمع المدني، التي تسعى إلى توظيف ملف الهجرة والصحراء وغيره للإضرار بمصالح المغرب والإساءة إليه.
بالعودة إلى الشأن الداخلي الإسباني، هناك استهداف مباشر للحزب الاشتراكي العمالي والتيار التقدمي، الذي لديه موقف متحفظ من الملكية في اسبانيا، حيث ينادي بالتغيير الدستوري لطبيعة نظام الحكم في البلاد، معتبرا أن الملكية استنفذت مراحلها وحان الوقت للمطالبة بتقرير مصيرها، فضلا عن أن الجو السياسي العام بدأ ينفر الملكية المثقلة لكاهل ميزانية الدولة، وبالتالي يجب الانتقال بالبلاد إلى نظام جمهوري، عبر المطالبة باستفتاء شعبي بالمحافظة على النظام الملكي أو الانتقال إلى الجمهورية الثالثة، لكن اليمين المتطرف يقف بالمرصاد لهذا الموقف اليساري ويرى في الملكية ركيزة أساسية للحكم ضامنة لوحدة البلاد من الحركات الإقليمية الانفصالية، ولحماية الملكية يجب إبعاد اليسار التقدمي عن الحكم وإسقاط مشروعه، بشتى الطرق، وافتعال مشاكل داخلية وأخرى خارجية ومن بينها القضية المغربية، بحكم أن الرباط تشكل عنصرا أساسيا في السياسة الداخلية والخارجية لإسبانيا، كما أن اقحام ملف الهجرة المتنازع على طرق تدبيره بين الاسبان ومعهم الاوربيين قابل للاشتعال.
يضاف إلى ذلك أن إقحام ملف سبتة ومليلية والمطالب المغربية المتواصلة بتحريرهما بدوره قابل للانفجار في أي وقت، لا سيما عندما يُضَخِّمه الإسبان ويعتبرونه مصدرا مغربيا لتهديد أمني حقيقي والدعوة للتشبث بالسيادة الاسبانية على الثغرين المحتلين. على صعيد آخر هناك جانب كبير من الطبقة السياسية في اسبانيا لم تهضم بعد اعتراف حكومة بيدرو سانشيز بمبادرة الحكم الذاتي، معتبرين أن هذا الاعتراف حرر المغرب من قيد الصحراء وفتح له أبواب الانتقال إلى المطالبة بتحرير سبتة ومليلية. كل هذه العوامل المرتبطة بالمغرب يحاول اليمين المتطرف توظيفها لإسقاط اليسار بإسبانيا. وهو ما يطرح تحديا سياسيا على مدريد والرباط ويخلط الأوراق السياسية مستقبلا.
إذا كانت اسبانيا قد تحركت خلال هذه الازمة بكل آلياتها السياسية والإعلامية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية والشعبية، مستغلة موضوع الهجرة السرية المعتاد، فماذا عن المغرب وقواه الحية؟ وأين هي الضغوط المغربية على اسبانيا للتخفيف من الجرعات السياسية الزائدة عن اللزوم عند الاسبان؟
لا شيء يذكر ظلت المسؤولية ملقاة على عاتق السلطة العليا بالبلاد، وشطر محدود من الحكومة، والباقي نخب سياسية ونواب برلمانيين وقادة أحزاب ومجتمع مدني نأوا بنفسهم على التدخل أو حتى إبداء الرأي دون الحديث عن إمكانية الرد، كما هاجمتنا اسبانيا بكل ما أوتيت من أداة ومعول، كانت الأحزاب السياسية الوطنية في الماضي شريكة في الاسهام بالرأي والاقتراح والتحرك والمشاركة في النقاش السياسي والتأثير في القرار والانخراط في التصدي لخصوم المغرب عند اشتداد الازمات وأيضا معارضة الموقف الرسمي، ويحضرني هنا شخصيات وطنية فذة: علال الفاسي، المهدي بن بركة ، عبد الرحيم بوعبيد، علي يعته، وغيرهم، أما اليوم فقادة الأحزاب منشغلون بحملة انتخابية لم تنطلق بعد، وبمهازل ترتيب أوراق ومقاعد ونواب ووزراء محتملين ولوائح وأموال، تاركين السلطة العليا تواجه الأزمة بكل مخرجاتها. صحيح أن السياسة الخارجية تحت السلطة الملكية، لكن هذا لا يعفي أحدا من المغاربة من المشاركة في الدفاع عن حوزة الوطن وأبنائه، في إطار جبهة داخلية موحدة متضامنة، لتدبير الشأن السياسي الخارجي عند الاقتضاء....
تذكروا جيدا أن الاسبان أشد خطرا...






