إن تقييم التواجد المغربي في شبه الجزيرة الأيبيرية أبان حكم هذا الأخير لبلاد الأندلس كان ايجابيا وحضاريا بالمقارنة مع ما عاناه المغرب لاحقا مع الاستعمار الإسباني لأجزاء كثيرة من المغرب استعمل خلالها كل وسائل الدمار الشامل والغازات السامة المحرمة دوليا لإخضاع المنطقة الشمالية / الريف التي نهب خيراتها دون أن يخلف وراءه اي بنيات تحتية ضرورية لتنمية المنطقة . بل إن استعمال هذه المواد السامة تسبب في حرب ابادة جماعية وهو ما يعد جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي .اضافة الى تعمده اقتلاع حتى بعض خطوط السكك الحديدية في كل من العرائش والناظور وتطوان التي وضعها قبل ذلك من أجل تسهيل عملية استنزاف و نقل الثروات المحلية إلى إسبانيا . وذلك مباشرة قبل انسحابه من المنطقة الشمالية للمغرب .كما عمل خلال المرحلة الاستعمارية على الزج قسرا بعشرات الآلاف من ساكنة بلاد الريف في الحرب الأهلية الإسبانية التي لم يكن لهم فيها أي مصلحة . وهو ما أفرغ المنطقة من شبابها وأثر سلبا على تنميتها بعد أن فقدت القوة العاملة الضرورية لتحريك العجلة الاقتصادية . وكان لهؤلاء الدور الحاسم في قيام دولة اسبانيا /فرانكو الحديثة . كما أن إسبانيا ورغم ما ينص عليه ميثاق الأمم المتحد في مسألة تصفية الاستعمار الا انها لا زالت تحتفظ ببعض المناطق المتواجدة في التراب المغربي أو المحاذية لسواحله وذلك في استفزاز تام للقانون الدولي و لمشاعر المغاربة.
لكن رغم كل هذا فأن التاريخ والجغرافيا والعلاقات الاجتماعية بين الضفتين هي حقائق ثابتة تعلو ولا يعلى عليها. رغم ما تخلل هذه الذاكرة والتاريخ المشترك من مراحل مضيئة ومراحل مظلمة . وإنكارها من طرف بعض النخب الاسبانية السياسية والإعلامية المتطرفة هي محاولة يائسة لخلق قطيعة مع هذا الموروث المشترك القائم بذاته . سواء تعلق الأمر بالتراث المادي واللامادي الذي تركه المغاربة او المور في مرحلة حكمهم للأندلس وشبه الجزيرة الأيبيرية . وهو ما ينعش السياحة في اسبانيا حاليا ويدر عليها الملايير من الدولارات التي تنعش اقتصادها .أو بالهجرة التي توفر قوة العمل الضرورية لإنعاش الكثير من قطاعاتها الانتاجية وهو ما سبق أن صرح به مؤخرا رئيس الحكومة الإسباني . أو ما تعلق منها بالجرائم التي ارتكبتها اسبانيا في حق المغاربة.
ان تنامي خطاب الكراهية إزاء المغرب والمغاربة من طرف النخب اليمينية هو نتيجة لمركب النقص التاريخي لدى هذه النخب التي تسعى إلى التقرب إلى أوروبا على حساب هذا الموروث المغربي الإسباني المشترك. وهو من يوجه بوصلة علاقتها بالمغرب .إضافة إلى مؤثرات أخرى خارجية خاضعة لتقلبات التحالفات في العلاقات الدولية.
علما كذلك ان كلا البلدين الجارين وبحكم موقعهما الجغرافي المطل على مضيق جبل طارق الذي يشكل ما يقارب من 18% من حجم التجارة البحرية العالمية وتواجدهما في عقدة طرقية تعتبر جسرا استراتيجيا بين القارة الأوروبية والقارة الافريقية.اضافة الى ما يجمعهم من موروث حضاري وتاريخي مهم.وما يختزنه كلا البلدين من إمكانيات التكامل الاقتصادي والاجتماعي .كلها مؤهلات لبناء قطب سياسي اقتصادي وتجاري وازن خاصة اذا ما انضافت الجزائر الى هذا التكتل لكن شريطة توفر الجرأة اللازمة لدى الحكومة الاسبانية لتسوية القضايا العالقة مع المغرب التي يعتبرها هذا الأخير انتقاصا من حقوقه وسيادته و تعرقل أي تقارب استراتيجي ممكن قائم على مبدأ الاحترام المتبادل للمصالح والسيادة . ومن ضمنها القضايا الترابية وقضايا الذاكرة الجماعية . في هذا الإطار يمكن استحضار الكثير من الصيغ والتجارب الدولية لحل مثل هذه القضايا بشكل متدرج و بما يحفظ مصالح الجميع . لأن مسألة إعادة بناء الثقة على أساس التعاون والاحترام المتبادل للسيادة هي في الجوهر عودة إلى الأصول التاريخية لهذه العلاقة الممتدة لما يقارب 20 ألف سنة التي عرفتها المنطقة المغاربية والمنطقة الإيبيرية وتميزت بعلاقات تجارية واجتماعية وعبور منتظم لمضيق جبل طارق للمجموعات البشرية في كلا الطرفين ويرجع المؤرخون هذه العلاقة الى ألاف السنين وتمت تسميتها بالحضارة الابيروموريسية . وهو ما أثبتته الكثير من الحفريات التاريخية المتواجد في المنطقة المغاربية؛
ككهف تافوغالت في المغرب مثلا وكهوف الكانتبيري ( كهف نيرخا وكهف الماكر) في اسبانيا .اضافة الى مواقع تجمعات حضارية متشابهة كموقع وادي بهت قرب مدينة الخميسات في المغرب وموقع لوس ميلاريس في جنوب اسبانيا وتعود كلها إلى العصر الحجري الحديث دون ذكر الحفريات التي تعود إلى عصور أقدم.
إن المغرب واسبانيا وانطلاقا من هذه المعطيات التاريخية والحضارية والجغرافية والاجتماعية . وانطلاقا مما يجمعهم من علاقات تجارية شهدت نموا متسارعا في السنوات الأخيرة بلغت ما يناهز 20 مليار يورو في السنة متجاوزة حجم المبادلات التجارية بين المغرب وفرنسا الذي يبلغ 15 مليار يورو .علما أن هذا الرقم يمكن مضاعفته بسهولة لو سلكت الدولتين المغرب واسبانيا نهجا مخالفا قائم على الحوار الجاد والشراكات الاستراتيجية بعيدا على منطق التنافسية السلبية على الزعامة .بما يحفظ سيادة البلدين و تصفية المشاكل العالقة بينهما كالهجرة و القضايا الترابية / تصفية الاستعمار، والامنية والدفاعية .إضافة الى قضايا أخرى مرتبطة بالذاكرة التي تحتاج الى إنصاف حقيقي ينطلق من الاعتراف وينتهي بجبر الضرر. وذلك بدل اللجوء الى لغة الخشب والتصعيد.






