تحليل

اجتماع مجلس الأمن القومي الإسباني.. الخلفية الجيوسياسية غير المعلنة

بنسعيد الركيبي
حين يدعو رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مجلس الأمن القومي إلى الاجتماع بعد أسابيع من أحداث 30 يوليوز، سيكون من السهل تفسير الأمر بالحاجة إلى تقييم ما وقع في سبتة، ومراجعة المنظومة الأمنية والاستخباراتية، والاستعداد لمنع تكرار دخول جماعي مماثل. غير أن قراءة ما جرى خلال الأسابيع التي أعقبت الأحداث تكشف أن القضية أصبحت أوسع بكثير من الهجرة وحراسة الحدود.

فأحداث 30 يوليوز انتهت ميدانيا، بينما استمرت تداعياتها في التمدد سياسيا ودبلوماسيا، وفتحت أمام مدريد ملفات كانت تفضل أن تبقى بعيدة عن بعضها.

وأولى هذه التداعيات جاءت من المغرب نفسه. فقد عاد ملف سبتة ومليلية والجزر إلى واجهة النقاش، وانتقل من الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي إلى المستوى الرسمي، من خلال تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي التي أعادت التأكيد على الموقف المغربي بشأن ما يعتبره حقوقا تاريخية وجغرافية في المدينتين. وهكذا وجدت إسبانيا نفسها، بعد أزمة بدأت بالهجرة، أمام عودة قضية السيادة إلى التداول من جديد. ثم اتسعت الدائرة خارج العلاقة المغربية الإسبانية. حيث دخلت إسرائيل على خط السجال من خلال تصريحات مندوبها لدى الأمم المتحدة، وظهرت إشارات أمريكية مرتبطة بالأزمة والسياسة الإسبانية. وبصرف النظر عن حدود هذه المواقف ودلالاتها، فقد كان مجرد دخول أطراف دولية على الخط كافيا لتنبيه مدريد إلى قابلية الأزمة للخروج من إطارها الثنائي والتحول إلى مادة في حسابات دولية أوسع.

و أما المفاجأة الأكثر إزعاجا لإسبانيا فجاءت من داخل أوروبا. إذ في ظرف كانت مدريد تنتظر فيه دعما واضحا من شركائها، تصرفت بعض الدول انطلاقا من هواجسها الأمنية ومصالحها الوطنية. برز موقف إيطاليا، وظهرت مواقف أوروبية أخرى بينها فنلندا، فيما تحركت فرنسا بدورها لحماية حدودها من انتقال تداعيات الأزمة. فكانت بذلك الرسالة واضحة: عندما تصبح الهجرة خطرا قابلا للانتقال داخل فضاء أوروبي مفتوح، تبدأ كل دولة بحساب كلفة الأزمة عليها.

ثم جاء اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي. حيث حصلت إسبانيا على التضامن الذي تحتاجه سياسيا، فيما حملت المناقشات في الوقت نفسه تحفظات وانتقادات واختلافات حول سياسات الهجرة وكيفية إدارة الأزمة. كما حرص الأوربيون على العصا من الوسط فاعلنوا عن دعمهم لإسبانيا في حماية الحدود الخارجية للاتحاد، مع الإبقاء على مسافة مع بعض اختياراتها في تدبير ملف الهجرة.

وهنا تحديدا ينبغي البحث عن الخلفية الجيوسياسية لاجتماع مجلس الأمن القومي. فالمشكلة بالنسبة إلى مدريد لم تعد فقط أن عشرات الآلاف استطاعوا الوصول إلى سبتة في فترة قصيرة. وإنما الأخطر أن الحدث أطلق سلسلة من التداعيات يصعب التحكم في اتجاهاتها، حيث أعاد المطالب المغربية إلى الواجهة، وأدخل أطرافا دولية على الخط، وكشف اختلاف حسابات الدول الأوروبية، وأظهر أن التضامن داخل الاتحاد قد يصبح أكثر تعقيدا عندما تنتقل آثار الأزمة من دولة عضو إلى أخرى.

وبذلك تحولت أحداث 30 يوليوز من اختبار للحدود إلى اختبار لموقع إسبانيا نفسه داخل شبكة تحالفاتها وعلاقاتها الإقليمية. وهذا ما يجعل اجتماع مجلس الأمن القومي مفهوما في سياقه الأوسع. فالمطلوب بالنسبة إلى الدولة الإسبانية قد يتجاوز منع تكرار العبور الجماعي إلى التفكير في كيفية منع تحول أزمة مماثلة مستقبلا إلى نقطة ضعف سياسية وجيوسياسية.

وفي قلب هذه المعادلة يوجد المغرب. فإسبانيا تستطيع تعزيز حدود سبتة، وتطوير منظومتها الاستخباراتية، وإشراك الاتحاد الأوروبي بصورة أكبر في حمايتها، لكنها ستظل أمام حقيقة جغرافية ثقيلة تتمثل في أن أمن سبتة ومليلية مرتبط بمحيطهما المغربي، بينما يتمسك المغرب بمطلب استكمال وحدته الترابية واسترجاع الأراضي التي يعتبرها واقعة تحت السيطرة الإسبانية.

لذلك سيكون من الخطأ قراءة اجتماع مجلس الأمن القومي باعتباره مجرد اجتماع أمني متأخر لمناقشة أزمة هجرة. فبين 30 يوليوز وموعد الاجتماع حدث الكثير، وربما كان ما حدث بعد الأزمة أكثر أهمية جيوسياسيا مما حدث خلالها.

أحداث 30 يوليوز انتهت على الحدود، لكنها ظلت مفتوحة في السياسة والدبلوماسية والأمن والعلاقات الأوروبية. وهذا أكثر من صور العبور نفسها.