فن وإعلام

فنان محمد فوتيح و مقهى "Maloulou"

صلاح الطويل (فنان)

استحضرتني اليوم ذكرى فنان مغربي أصيل، من أبناء مدينة فاس العريقة، يعد من أبرز الأسماء الرائدة والمؤسِسة للأغنية العصرية والموسيقى المغربية، وهو "سي محمد فويتح". رغم رحيله، ظل اسمه متجذرًا شامخًا في ذاكرة المغاربة، ليس فقط في فاس، بل في جميع أنحاء الوطن. والاسم الحقيقي لهذا الفنان العظيم هو "محمد التدلاوي"، أما لقب "فويتح" فقد أُلصق به من قِبل أصدقاء والده، الذي كان حلاقًا يُدعى الفاتح، حيث تم تصغير اسم "فاتح" إلى "فويتح" عندما كان الطفل صغيرًا، فصار هذا اللقب هو الذي عُرف به بين المغاربة عبر أجيال ودهور.

 

كان فويتح رحمه الله صديقًا لزوج خالتي الشاعر سي محمد العرجاني، وقد لحن له عدة قصائد. والعَرْجاني هذا ابن عدوة الأندلس، وكان منزل أسرته في ستينيات القرن الماضي وبدايات السبعينيات يقع بالدار الأولى يمينًا في درب الريحاني، ولا يفصل بينه وبين منزلنا سوى خطوات قليلة في درب بورمانة. وعندما حصل سي محمد العرجاني على وظيفة، انتقل للعمل في غفساي حيث كان موظفًا في البريد. في تلك الأثناء، كان الفنان سي محمد فويتح برفقة سي ممد المزكلدي يزوران زوج خالتي هناك، وبما أنني كنت أقيم مع خالتي في غفساي آنذاك، فقد حظيت بشرف التعرف عن قرب على هذين الهرمين وأنا طفل صغير.

 

بعد انتهاء فترة غفساي، انتقل الشاعر سي محمد العرجاني رحمه الله إلى مدينة البيضاء للعمل في المكتب الشريف للفوسفاط، مما عمّق أواصر الصداقة بينه وبين الفنانين المقيمين هناك. استمرت اللقاءات بينهم، وتزايد عدد الأصدقاء الجدد مثل الحبيب الإدريسي وبعض كتاب الكلمات كـ الطاهر سباطة، لينضموا إلى الفنانين فويتح والمزكلدي. وكنت دائم الحضور معهم في تلك الليالي، رغم صغر سني، خاصةً حين كان منزل زوج خالتي سي محمد العرجاني يحتضن سهراتهم. كان حضوري ضروريًا لهم جميعًا، إذ كنت أتكفل بتلبية متطلباتهم من سجائر وحاجيات أخرى، وأقدم؛ هذه الخدمة بكل حب، إذ كانت المنفعة بالنسبة لي تتيح لي مجالسة هؤلاء المبدعين، وهو ما حققته في بداياتي.

 

ما بلغته أذناي الصغيرتان وأنا في صحبة هؤلاء الرواد، أن أغنية "أو مالو لو" الخالدة قد أُنتجت على يد سي محمد فويتح أثناء إقامته في فرنسا، وتحديدًا في مقهى يُدعى "Maloulou"، الذي سُمي باسم امرأة كان صاحب المقهى يحبها. أما دافع نشوء أغنية "أو مالولو" فكان نبأ نفي الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله. وكان ذلك المقهى ملتقى كبار المثقفين من كتّاب وشعراء، ومبدعين عرب وأجانب، ومن بينهم محمد عبد الوهاب ويوسف وهبي، إلى جانب عدد من رواد الطرب والسينما العربية. وقد نصح مطرب الأجيال محمد عبد الوهاب فناننا الرائد محمد فويتح، بعد أن أدرك تميزه ببصمة مغربية فريدة، بأن يلتزم بالإيقاعات والموروث الموسيقي المغربي، وأن لا يتبع النمط الشرقي، لأن نجاحه سيكون مرتبطًا بهويته المغربية، وهو المسار الذي تمسك به فويتح طوال مسيرته الفنية.

 

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تفرقت طرق هؤلاء الفنانون. وقبل وفاة المرحوم السيّد محمد فويتح عام 1996،بأشهلر قليلة التقيته في حفل تكريم الفنان المعطي بالقاسم بمدينة فاس. سلمت عليه، وبادرت بسؤاله: هل تذكرني؟ نظر إليّ مطولاً، فاستشعرت أنه لم يضع في ذاكرته أمرًا، فخففت عنه عبء التفكير، وذكّرته بأنني ذلك الطفل الذي كان يجالسكم في منزل الشاعر العرجاني، ويخدمكم خصوصًا ليلاً حين تُغلق أبواب المتاجر والدكاكين. ضحك ثم عانقني، ثم أبدى حزنه على وفاة زوج خالتي، وبدأ يستعيد أسماء الذين كانوا يحضرون جلساته بعد أن ذكرتها له. رحم الله السيّد محمد فويتح وي محمد العرجاني، وكل الأسماء التي وردت في هذا المنشور، والدوام لله..