فن وإعلام

التخييم في المغرب.. حين تنتهي المخيمات ويبدأ سؤال الحصيلة

عبد الرفيع حميدي (باحث في قضايا الشباب والسياسات العمومية)
مع اقتراب نهاية المراحل التخييمية للموسم الصيفي، يعود النقاش حول التخييم في المغرب، لا باعتباره مجرد نشاط صيفي عابر يتيح للأطفال والشباب فرصة تغيير الأجواء وقضاء أيام خارج فضاءات السكن والدراسة، وإنما باعتباره سياسة عمومية ذات أبعاد تربوية واجتماعية وثقافية، تستحق أن تخضع في نهاية كل موسم لوقفة نقدية هادئة تتجاوز منطق الاحتفاء بالأرقام إلى مساءلة الأثر والنتائج.

لقد تطور التخييم المغربي خلال السنوات الأخيرة من حيث عدد المستفيدين، وتنوع البرامج، وتوسيع قاعدة الاستفادة، وتحسين بعض البنيات والتجهيزات، كما أصبحت الدولة تولي اهتماماً أكبر للتكوين والتأطير والرقمنة وإدماج فئات جديدة من الأطفال وهذه مؤشرات لا يمكن إنكار أهميتها، لأنها تعكس إرادة للانتقال بالتخييم من ممارسة موسمية محدودة إلى برنامج وطني أكثر اتساعاً وتنظيماً.

غير أن ارتفاع عدد المستفيدين لا يعني بالضرورة ارتفاع جودة التخييم وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش الحقيقي.

فمن السهل أن نقول إن عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من الأطفال استفادوا من المخيمات، ومن السهل أيضاً أن نحصي عدد المراكز والأنشطة والوجبات والرحلات والمسابقات، لكن السؤال الأكثر أهمية هو، ماذا تغير في الطفل بعد عودته إلى أسرته، ماذا اكتسب من مهارات وقيم، هل أصبح أكثر استقلالية، هل تعلم كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يحترم الاختلاف، وكيف يعمل داخل فريق، هل اكتشف مواهب وقدرات لم يكن يعرفها، وهل منحه المخيم فرصة حقيقية لبناء علاقة جديدة مع الطبيعة والمجتمع والوطن.

إن المخيم الذي ينجح في توفير الإقامة والإطعام والترفيه يكون قد أدى جزءاً من وظيفته، لكنه لم يحقق بالضرورة رسالته التربوية، أما المخيم الناجح فهو الذي يجعل الطفل يعيش تجربة إنسانية تظل معه بعد انتهاء العطلة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في تجربة التخييم المغربية، لدينا تراكم تاريخي مهم في مجال التربية غير النظامية، ولدينا جمعيات وأطر ومنشطون راكموا تجارب كبيرة، لكننا لم ننجح بعد في تحويل هذه الخبرة المتراكمة إلى منظومة وطنية متكاملة للتربية خارج المدرسة.

فالمدرسة تعلم الطفل المعارف والمهارات الأكاديمية، والأسرة تمنحه جزءاً أساسياً من التربية الاجتماعية والقيمية، بينما يمكن للمخيم أن يكون فضاءً ثالثاً لبناء الشخصية، فضاءً يتعلم فيه الطفل الاستقلالية من خلال الحياة الجماعية، والانضباط من خلال احترام القواعد، والمواطنة من خلال المشاركة، والتسامح من خلال الاختلاف، والمسؤولية من خلال الاعتماد على الذات،ومن هذه الزاوية، فإن المخيم ليس امتداداً للعطلة، بل يمكن أن يكون امتداداً للتربية.

لكن تحقيق هذه الوظيفة يقتضي إعادة النظر في مفهوم التنشيط التربوي نفسه، فالمنشط ليس مجرد شخص يسهر على تنظيم الألعاب والأنشطة، وإنما هو فاعل تربوي يتحمل مسؤولية كبيرة في تشكيل تجربة الطفل داخل المخيم. وكلما ارتفع مستوى تكوينه وتأهيله، ارتفعت جودة التجربة التي يعيشها المستفيد.

لذلك فإن الاستثمار في المخيمات يجب أن يبدأ قبل وصول الطفل إليها، من خلال الاستثمار في الإنسان الذي سيؤطره، نحن بحاجة إلى مسار وطني واضح لتكوين المنشطين، يقوم على التربية وعلم نفس الطفل، وإدارة المجموعات، والتواصل، والإسعافات الأولية، والحماية من العنف والاستغلال، والتربية الرقمية، والتعامل مع الأطفال في وضعيات خاصة، إضافة إلى مهارات تصميم المشاريع والأنشطة التربوية،فالمنشط المؤهل ليس كلفة إضافية على ميزانية التخييم، بل هو أهم استثمار في جودة هذه السياسة العمومية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن مستقبل التخييم دون طرح سؤال العدالة الاجتماعية والمجالية، صحيح أن توسيع قاعدة المستفيدين هدف أساسي، لكن العدالة لا تعني فقط الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال، وإنما تعني ضمان وصول الطفل الذي يعيش في قرية نائية كما يصل طفل المدينة، ووصول الطفل المنحدر من أسرة محدودة الدخل كما يصل طفل الأسرة الميسورة، وإتاحة الفرصة للأطفال في وضعية إعاقة والأطفال الذين يعيشون ظروفاً اجتماعية صعبة.

إن التخييم يمكن أن يكون إحدى أهم أدوات تقليص الفوارق الاجتماعية إذا تم تصميمه باعتباره حقاً تربوياً واجتماعياً، وليس امتيازاً موسمياً.المخيم حق وليس آمتياز.

ولهذا نحتاج إلى الانتقال من سؤال كم استفاد إلى سؤال من استفاد.

نحتاج إلى معرفة التوزيع الجغرافي للمستفيدين، ونسب الأطفال القادمين من الوسط القروي، ونسبة الفتيات، والأطفال في وضعيات خاصة، والأطفال الذين لم يسبق لهم الاستفادة من المخيمات، فالأرقام الإجمالية تخبرنا عن حجم البرنامج، لكنها لا تخبرنا بالضرورة عن درجة عدالته.

ثم يأتي سؤال السلامة، وهو سؤال لا ينبغي أن يكون موسمياً، فسلامة الأطفال داخل المخيمات ليست مجرد إجراء تقني، وإنما مسؤولية أخلاقية وقانونية ومؤسساتية، ولذلك ينبغي أن تصبح لدينا منظومة وطنية واضحة للمراقبة والتقييم، تشمل شروط الإقامة، التغذية، النظافة، النقل، الرعاية الصحية، التأطير، الحماية من العنف، وآليات التبليغ والتدخل ولا يكفي أن نتدخل عندما تقع المشكلة، المطلوب هو بناء ثقافة للوقاية وإدارة المخاطر

غير أن التحدي الأكبر ربما يكمن في مكان آخر: ماذا نفعل بعد انتهاء المخيم.

إذا عاد الطفل إلى بيئته دون أي امتداد لما تعلمه، فإن جزءاً كبيراً من الأثر التربوي سيتلاشى، لذلك فإن المخيم ينبغي ألا يكون جزيرة معزولة عن باقي المنظومة التربوية والاجتماعية، بل يجب أن تكون له علاقة بالمدرسة والأسرة والجمعيات والمؤسسات الثقافية والرياضية.

يمكن، مثلاً، أن يحمل كل طفل من المخيم مشروعاً صغيراً ينجزه بعد عودته، مبادرة بيئية، نشاط تطوعي، مشروع قراءة، عمل جماعي داخل الحي، أو مبادرة رقمية، وهنا يتحول المخيم من فضاء للاستهلاك إلى فضاء لإنتاج المبادرة.

ومن هنا أيضاً تبرز ضرورة إعادة تعريف علاقة الدولة بالجمعيات العاملة في مجال التخييم، فالجمعيات ليست مجرد منفذ لبرنامج موسمي، كما أن الدولة ليست مجرد ممول ومراقب، نحن أمام شراكة تربوية ينبغي أن تقوم على التعاقد، والنتائج، والتكوين، والتقييم، والشفافية، وتبادل الخبرات.

إن المجتمع المدني المغربي راكم خبرة كبيرة في التخييم والتنشيط، لكن هذه الخبرة تحتاج إلى أن تصبح جزءاً من استراتيجية وطنية واضحة، لا أن تبقى رهينة المبادرات الفردية أو الحماس الموسمي ولعل أكبر تحول مطلوب اليوم هو الانتقال من ثقافة التدبير إلى ثقافة الأثر.

فبدلاً من أن يكون التقرير السنوي للمخيمات عبارة عن عدد المستفيدين وعدد الأنشطة والأيام والوجبات، ينبغي أن يتضمن مؤشرات أكثر عمقاً؛ مستوى رضا الأطفال، درجة اكتسابهم للمهارات، تطور قدرتهم على العمل الجماعي، مشاركتهم في الأنشطة، مدى استفادة الفئات الهشة، جودة التأطير، الحوادث المسجلة، وتقييم الأسر لتجربة أبنائها.

نحتاج إلى بارومتر وطني للتخييم يقيس ليس فقط حجم الإنفاق والتنفيذ، وإنما القيمة الاجتماعية والتربوية التي أنتجها هذا الإنفاق فالمال العام لا يُقاس فقط بما أنفقناه، وإنما بما صنعناه به.

وإذا كانت الدولة تستثمر في التخييم باعتباره سياسة لفائدة الطفولة والشباب، فإن من حق المجتمع أن يعرف حصيلة هذه السياسة، ومن واجب المؤسسات أن تقدم هذه الحصيلة بلغة الأرقام والمعطيات، ولكن أيضاً بلغة الأثر والنتائج إن نهاية موسم التخييم يجب ألا تكون نهاية النقاش، بل بدايته.

يجب أن نجلس حول طاولة واحدة، الوزارة، الجماعات الترابية، الجمعيات، المربون، المنشطون، الباحثون، الأسر، والأطفال أنفسهم، وأن نسأل بصراحة ما الذي نجح؟ ما الذي فشل؟ ماذا تعلمنا؟ وما الذي ينبغي تغييره في الموسم المقبل؟

فالطفل المغربي لا يحتاج فقط إلى مكان يذهب إليه خلال الصيف، إنه يحتاج إلى فضاء يكتشف فيه ذاته، ويتعلم فيه كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يختلف دون أن يكره، وكيف يشارك دون أن ينتظر المقابل، وكيف يتحول من مستفيد من الخدمة العمومية إلى مواطن قادر على المبادرة.

وعندما نصل إلى هذه المرحلة، سنكون قد تجاوزنا مفهوم المخيم بمعناه التقليدي، وانتقلنا إلى مفهوم أكثر اتساعاً، التربية من أجل الحياة.

وهنا فقط يمكن أن تصبح الأرقام مهمة؛ ليس لأنها كبيرة، وإنما لأنها تخبرنا أن المغرب نجح في الوصول إلى أطفال أكثر، وبجودة أكبر، وبأثر تربوي أعمق.

أما إذا انتهت المرحلة الأخيرة، وعادت الحافلات بالأطفال إلى مدنهم وقراهم، وانتهى كل شيء بانتهاء البرنامج، فإن السؤال سيظل قائماً.

هل كنا ننظم مخيمات للأطفال، أم كنا نبني جيلاً جديداً؟