يثير قدرا كبيرا من الاستغراب والاستنكار ما يتعرض له حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من محاولات متعمدة لتبخيس مسطرة داخلية واضحة وشفافة، وتحويل نقاش تنظيمي ديمقراطي إلى مادة للتشويش والتشهير، عبر اجتزاء بعض عناصره من سياقها وإلباسها معاني لا علاقة لها بحقيقة المسطرة ولا بروحها السياسية والتنظيمية.
لقد اختار الاتحاد الاشتراكي، وهو يستعد للاستحقاقات التشريعية، ألا يجعل اختيار وكيلات اللوائح الجهوية رهين المزاج أو العلاقات الشخصية أو القرارات المنفردة، بل وضع مسطرة مؤسساتية مؤطرة بالنظام الأساسي والقانون الداخلي للحزب، وبما يتوافق والقانون التنظيمي لمجلس النواب وفق اخير التعديلات. جرى التداول بشأنها داخل المكتب السياسي في أكثر من اجتماع، ثم اعتمادها والمصادقة عليها، وإشراك المسؤولين الجهويين ووكلاء اللوائح المحلية في تنزيلها. وهي تجربة، في درجة تنظيمها ووضوح مراحلها وتعدد مستويات القرار فيها، يصعب العثور على نظير لها لدى كل الأحزاب، سواء في اليسار أو الوسط أو اليمين.
والمسطرة المنشورة نفسها واضحة: الترشيح مفتوح للاتحاديات والطاقات والكفاءات على قدم المساواة، وتقوم لجان الترشيح والتأهيل بدراسة الملفات، ثم تستمع لجان البت إلى المرشحات وتصوراتهن وبرامج عملهن للحملة الانتخابية وتعبئة الوسائل البشرية واللوجستيكية، قبل أن تعرض الترشيحات الجاهزة على المكتب السياسي للمصادقة النهائية، مع ضمان حق التظلم لمن لم يقبل ترشيحها. فبأي معيار يمكن وصف مثل هذه الآلية بأنها افتقار إلى الديمقراطية أو الشفافية؟
لقد تم التوافق كذلك، في إطار تقييم الترشيحات، على جملة من الاعتبارات المرتبطة بالمؤهلات الشخصية والمهنية، والإشعاع التنظيمي والمجتمعي، والقدرة على الإسهام السياسي والتواصلي في الحملة، وتحمل المسؤولية في توفير شروط نجاحها. ولم يسجل، عند إقرار هذه الضوابط، اعتراض جوهري من القيادة الوطنية أو من المسؤولين الجهويين والإقليميين والمحليين المشاركين في المسطرة.
وهنا ينبغي أن نقول الأمور بوضوح: الديمقراطية ليست فقط حق الترشح، بل هي أيضا الالتزام بنتائج المنافسة حين تكون قواعدها معلومة ومقبولة مسبقا. فمن يقبل قواعد التنافس لا يمكنه أن يعتبرها عادلة عندما ترجح كفته، ثم يطعن فيها عندما تأتي النتيجة مخالفة لطموحه. فالترشح بطبيعته مجال للتنافس، والتنافس ينتج اختيارا، والاختيار يعني بالضرورة أن هناك من سيفوز بثقة الحزب ومن لن يحصل عليها.
ومن المشروع أن يشعر أي مترشح أو مترشحة بعدم الرضا عن النتيجة، فهذا جزء من الطبيعة البشرية ومن مشروعية الطموح السياسي؛ لكن غير المشروع هو أن يتحول عدم الرضا الشخصي إلى اتهام للحزب، أو تشويه لمسطرته، أو ضرب لمصداقية مؤسساته.
والأشد إثارة للاستغراب هو محاولة اختزال المسطرة كلها في مسألة المساهمة في متطلبات الحملة الانتخابية، وكأن العمل السياسي والحملة الانتخابية يمكن أن ينجزا بلا موارد وبلا وسائل تنظيمية ولوجستيكية وبشرية. فالمساهمة في إنجاح الحملة، متى تمت في إطار القانون والشفافية والضوابط المعمول بها، ليست جريمة ولا خروجا عن قيم الحزب؛ ويزداد الاستغراب حين يجري تصوير تحمل جزء من التكلفة المادية للحملة الانتخابية وكأنه أمر مستحدث أو ممارسة تقع خارج القانون، في حين أن المشرع نفسه جعل تمويل الحملة الانتخابية جزءا صريحا من البناء القانوني للعملية الانتخابية. فالقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب ألزم المترشحين باحترام سقف محدد للمصاريف الانتخابية، وأوجب على وكيل كل لائحة أو كل مترشح إعداد حساب للحملة يتضمن بيانا مفصلا لمصادر التمويل وجردا للمصاريف وإثباتاتها، بما يعني أن الإنفاق الانتخابي لم يعد مجالا مسكوتا عنه، وإنما أصبح نشاطا مشروعا ومؤطرا بالقانون، خاضعا للسقف والتوثيق والمراقبة والمحاسبة. بل إن المنظومة القانونية نفسها تقر بالمساهمة المالية التي تقدمها الدولة للأحزاب لتمويل حملاتها الانتخابية، وتخضع كيفية صرفها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. ومن ثم، فإن محاولة تحويل مجرد الحديث عن القدرة على المساهمة في تحمل أعباء حملة انتخابية - إلى جانب باقي المعايير السياسية والتنظيمية والشخصية - إلى "تهمة" أخلاقية أو سياسية، ليس فقط تحريفا للوقائع، بل تجاهلا متعمدا للتطور الذي عرفه التشريع الانتخابي نفسه: فالممنوع ليس تمويل الحملة، وإنما التمويل غير المشروع أو الإنفاق خارج الضوابط والسقوف والمراقبة القانونية. والفارق بين الأمرين جوهري، ومن غير المقبول سياسيا أو قانونيا القفز عليه بغرض التشهير بالحزب أو الإيحاء بما لا تقوله الوقائع ولا يسمح به القانون. أما تحويل هذا العنصر وحده إلى عنوان مثير، وإسقاط كل باقي المعايير والمسار التنظيمي والمؤسساتي، فليس نقدا موضوعيا، وإنما اجتزاء يفضي إلى التضليل.
والأكثر إيلاما أن يساهم بعض بنات وأبناء الحزب، ممن تحملوا أو يتحملون مسؤوليات داخله، في ترويج سرديات تضرب حزبهم في نزاهته ومصداقيته، بدل الاحتكام إلى المؤسسات والمساطر التي أقرها الحزب نفسه. فالاختلاف حق، والطعن والتظلم حق، والنقد حق؛ أما البهتان وتشويه التنظيم من الداخل فلا يمكن تقديمهما باعتبارهما ممارسة ديمقراطية.
ومن المشروع، أمام التوقيت الذي خرجت فيه هذه الحملات، أن نتساءل أيضا عن المستفيد من محاولة إرباك الاتحاد الاشتراكي تحديدا في لحظة سياسية يعرف فيها الحزب دينامية قوية وحضورا سياسيا متصاعدا، وبعد اللقاءات الأخيرة للكاتب الأول التي اختار فيها أن يسمي الأشياء بمسمياتها، وأن يخاطب الرأي العام بجرأة ومسؤولية، بعيدا عن اللغة الخشبية والمناورات الرمادية.
يبدو أن مواصلة وضوح الاتحاد الاشتراكي يزعج؛ وأن حضوره ومبادراته تقلق؛ وأن استعادة المبادرة السياسية لا تمر من دون مقاومة وتشويش.
لكن الاتحاد الاشتراكي، بتاريخ نضالاته وبمؤسساته ومناضلاته ومناضليه، أكبر من أن تهزه حملة عابرة، وأقوى من أن تختزل اختياراته في إشاعة، وأعرق من أن تمنحه بعض الأقلام دروسا في الديمقراطية الداخلية.
نحن لا ندعي الكمال، ولا نقدس قرارات الأشخاص، ولكننا ندافع عن حق الحزب في أن تناقش قراراته كما هي، وأن تنتقد مساطره بما تتضمنه فعلا، لا بما يراد إلصاقه بها.
فالاختلاف داخل الحزب قوة، أما التشويه فليس اختلافا.
والتنافس مشروع، أما الانقلاب على قواعده بعد إعلان النتائج فليس ديمقراطية.
والنقد حق، أما البهتان فلن يصبح حقيقة مهما تكرر.






