كان السرغيني ينتمي إلى زمن لم تكن فيه الحداثة مجرد مصطلح نقدي، ولا الشعر تمرينا لغويا، ولا الجامعة مؤسسة لمنح الشهادات فقط، كان الأدب عنده معرفة، والمعرفة مسؤولية، والشعر بحثا عن معنى يتجاوز ظاهر الأشياء، ولذلك جاءت تجربته الشعرية والفكرية عصية على الاختزال، غنية بالرمز والإحالة، ومفتوحة على التراث والتصوف والفكر والتجارب الشعرية العالمية.
ولعل ما يميز السرغيني حقا هو أنه لم يفهم الحداثة بوصفها قطيعة مع الجذور، كان قادرا على أن يستحضر التراث العربي والإسلامي والخصوصية المغربية والأندلسية، وفي الوقت نفسه يفتح القصيدة على أفق إنساني أوسع، كما كانت ثقافته موسوعية، بما جعل شعره أحد التعبيرات المتميزة عن القصيدة المغربية الحديثة.
وأنا، حين أستعيد محمد السرغيني اليوم، لا أستعيده من خلال كتاباته ولو القليلة وحدها، وإنما أستعيد أيضا تلك المرحلة الجميلة التي جمعتني به في فاس، حين كنت أستاذا جامعيا بقسم اللسانيات والأدب الألماني في ثمانينيات القرن الماضي بجامعة محمد بن عبد الله، جمعتنا محبة الفكر والشعر والأدب المقارن، وكنت أجد في بعض كتاباته التي اطلعت عليها ما يستحق الإعجاب، كما كنت أقدر في شخصيته ذلك الاتساع النادر في الرؤية، والقدرة على الانفتاح على عوالم أدبية وفكرية تتجاوز الحدود واللغات.
والجميل بصورة خاصة، انفتاح السي السرغيني على الشعر العالمي، وبحكم تخصصي في الأدب الألماني، كنت أجد في حضوره ل "غوته" داخل رؤيته الشعرية والفكرية ما يلامس عالمي الثقافي، ففي حديث له عن الشعر الصوفي العالمي، استحضر ذات يوم غوته إلى جانب تيريزا الأفـيلية وبول كلوديل وإليوت وبوشكين، وهو ما يكشف عن أفق شعري لم تكن حدوده جغرافية ولا لغوية، وكان هذا الانفتاح على الآداب العالمية، بالنسبة إلي، أحد أجمل وجوه ثقافته وأحد الأسباب التي جعلتني أقدر شعره وكتاباته، ولست بحاجة إلى أن أضع السرغيني في إطار مدرسة أو تصنيف ضيق كي أدرك قيمته، فالشاعر الكبير لا تكمن أهميته فقط فيما يكتب، وإنما في الأسئلة التي يتركها وراءه، والأستاذ الكبير لا يقاس بعدد المحاضرات التي ألقاها، بل بعدد العقول التي علمها أن ترى أبعد مما ترى العين، وأن تقرأ النص باعتباره جزءا من سؤال أكبر عن الإنسان والوجود واللغة.
لقد رحل محمد السرغيني، وربما آن الأوان لأن نقول ما ينبغي أن يقال بلا تردد: إن الرجل لم يأخذ دائما من الاعتراف ما يوازي حجم عطائه، وهذا ليس عتابا للماضي بقدر ما هو دعوة إلى تصحيح الحاضر، فالسرغيني لم يكن شاعرا يكتب ثم ينصرف، ولا ناقدا يمارس النقد من برج أكاديمي مغلق، بل كان أستاذا ومربيا ومثقفا أسهم، عبر عقود، في تشكيل الذائقة الأدبية وفي تكوين أجيال من الباحثين والشعراء، ومن حقه، بعد هذا المسار الطويل، أن يحتل المكان الذي يستحقه في تاريخ الثقافة المغربية، وأضعف الإيمان أن تبدأ المؤسسات الجامعية والثقافية في القيام بهذا الواجب: أن تُكرم اسمه، وأن تعاد قراءة أعماله قراءة علمية رصينة، وأن تجمع نصوصه ودراساته، وأن تخصص لأعماله ندوات ودراسات جامعية، وأن يجد الباحثون فيها مادة تستحق العودة إليها، فالاعتراف الحقيقي ليس أن نقول بعد الرحيل: كان عظيما، وإنما أن نثبت ذلك بالفعل، وأن نحول هذا الحكم إلى عمل ثقافي يحفظ أثره للأجيال القادمة، لقد أعطى السرغيني للثقافة أكثر مما أخذ منها، وربما كان أقل ما نستطيع فعله الآن أن نعيد إليه، ولو متأخرين، شيئا من الاعتراف الذي يستحقه.






