فن وإعلام

الدرقاوي يختار التجريب كأسلوب سينمائي

عبد الكريم واكريم (ناقد سينمائي)

لم يكن مصطفى الدرقاوي مجرد مخرج عادي ضمن لائحة من المخرجين المغاربة والعرب والأفارقة، بل أصر على أن يتميز كمخرج مختلف ومتميز عن الباقين إلى أن أقعده المرض. ورغم ذلك ظل دائما متشبثا بالسينما لينجز فيلمه الأخير وهو في حالة متقدمة من مرضه الذي أقعده.


منذ فيله الروائي الطويل الأول "أحداث بدون دلالة" اختار مصطفى الدرقاوي التجريب كأسلوب سينمائي، إذ لم ينجز أفلاما وفي ذهنه الجمهور الواسع سوى حينما حثه على ذلك بعض النقاد حتى لاتظل أفلامه نخبوية وغير مفهومة من طرف الشريحة الكبرى من الجمهور. لكن توجهه للإنتاج الذاتي وفشل فيلمه "الدار البيضاء داي لايت"(2004) تجاريا جعله يصاب بخيبة امل ويمرض إلى أن وافاه الأجل. 

إذ بعد نجاح فيلمه "الدار البيضاء باي نايت" تجاريا غامر مصطفى بأمواله وبأرباح الفيلم الأول وبقروض لإنتاج فيلم آخر هو "الدار البيضاء داي لايت" الذي لم يحقق أرباحا في شباك التذاكر ولم يتم دعمه من طرف لجنة الدعم، الأمر الذي أثر فيه وكان السبب في نكسته الصحية.  

ويعد فيلمه "أحداث بدون دلالة " الذي تم ترميمه في السنوات القليلة الماضية وعرضه بمهرجان برلين السينمائي سنة 2019 واحدا من بين أهم كلاسيكيات السينما المغربية ، فيلما مؤسسا في الفيلموغرافية المغربية.


ويمكن تشبيه المرحلة الأولى من مسار مصطفى الدرقاوي التي امتدت إلى أواسط التسعينيات بالمسارات التجريبية لأهم المخرجين في العالم الذين اتخذوا هذا المسار والذين لم يكن يهمهم هاجس الانتشار. 

فيما جاءت المرحلة الثانية لينتقل خلالها مصطفى الدرقاوي لأفلام كان يرجو أن تستقطب الجمهور الواسع ولكن لم يتأت له ذلك... 

لكن لايمكننا إدخال فيلمه الأخير "حميدة الجايح" لا ضمن المرحلة الأولى ولا الثانية كونه فيلما أتى في لحظة حرجة من حالته الصحية.


بوفاة مصطفى الدرقاوي تفقد السينما المغربية واحدا من بين أهم مخرجيها المؤسسين والرواد والذين فتحوا الباب على مصراعية للأجيال المغربية الشابة لكي تلج الميدان السينمائي.


تكون مصطفى الدرقاوي سينمائيا وتخرج من إحدى أهم المدارس السينمائية في أوروبا، وهي مدرسة المدرسة الوطنية للأفلام بلودز ببولونيا التي تخرج منها أهم المخرجين البولونيين العالميين، أمثال كريستوف كيشلوفسكي، أندري مونك، رومان بولانسكي، أندري فايدا وغيرهم....


قليل ما نصف فنانينا وكتابنا بالكبار، لكن مسار مصطفى الدرقاوي، بكل التقلبات، التي فيه يجعله مخرجا كبيرا بدون مبالغة، لأنه عشق السينما وكان يتنفسها، وصنع أفلاما مهمة وصادقة، وكان من بين القلائل الذين أسسوا للبنة السينما المغربية يوم لم تكن سينما حقيقية في المغرب، أثناء رقابة متشددة تمنع الأفلام وظروف صعبة لا تساعد على الإبداع خصوصا في فن صعب يحتاج لنفس من الحرية وللدعم المادي هو السينما.