سياسة واقتصاد

قضايا يتم تغييبها في النقاش السياسي

إدريس الأندلسي
المرأة و الأسرة و المحاسبة و الهجرة و تقييم السياسات العمومية 

مدخل بالأرقام:

 أكثر من 50 مليار لدعم الفلاحة و استمرار غلاء الأسعار. أكثر من 150 مليار درهم ستمنح لدعم الاستثمار، و ضرورة متابعة الإنجازات الحقيقية حسب شروط موافقات اللجنة الوطنية للاستثمارات. أكثر من خمس سنوات من الانتظار لإصلاح مدونة الأسرة و غياب القرار. عدد كبير من قضايا الفساد فصل فيها القضاء و لا زال " العاطي يعطي" . عدد متزايد من موجات الهجرة في اتجاه المغرب و منه إلى أوروبا , ملايين العاطلين عن العمل، و اضعاف دور شبكات المجتمع المدني في مواجهة الفساد.

حل موسم تضخم الخطابات الحزبية ، و شحن العجلات بكثير من النفخ فيها عساها تعبر الطرق الصعبة التي تواجه أغلب المواطنين. حاول زعماء الأحزاب ، التي قادت الحكومة ، التسلل للخروج من دائرة امتلاك القرار السياسي و الاقتصادي و صنع كل الأقنعة التي تتيح صنع خطابات الهروب إلى الأمام، و التنكر لكل ما جرى منذ خمس سنوات. و قد أظهر تناول جريمة الفراقشية بكثير من الانتهازية التي حاولت توجيه كل التهم للحزب الذي يقود الحكومة تحت رئاسة اخنوش. ملايير الدعم المباشر للقطاع الفلاحي تجاوزت كل الحدود ليستفيد منها عدد قليل من ذوي الاستغلاليات الكبرى. و قبلهم كانت الأموال متدفقة للصيد في أعالي البحار، و ما تسببت فيه من أثقال الدين الخارجي المضمون من طرف خزينة الدولة. و لم تسلم هذه الخزينة من مغامرات بعض أشباه المستثمرين في مجالات السياحة و " مصدري" بعض المنتوجات المحلية. و لا زالت كل مظاهر كرم المال العام تتدفق في إتجاه دعم الاستثمار دون تقييم لمستوى تحقيق الأهداف التي تم التسويق لها. و اشتعلت أسعار كل المنتوجات الفلاحية التي صرف على انتاجها مال عمومي كثير جدا جدا .

و لا يمكن أن لا نذكر بما تم صرفه القطاع الفلاحة منذ بداية سنة 2021 و الذي تجاوز 50 مليار درهم. و لا يمكن عدم ربط هذا الدعم بغياب أي تأثير على تراجع أسعار الخضر و الفواكه و اللحوم الحمراء و البيضاء . و لا يمكن أن ننسى ما عاشته الفئات الفقيرة و ذات الدخل المحدود من معاناة خلال عيد الاضحى حيث صرفت مبالغ تعدت 12 مليار درهم استفادت منها فرق الفراقشية في واضحة النهار، و ذلك في ظل امتناع الحكومة و اغلبيتها و حتى بعض فرق المعارضة عن التحقيق في فضيحة الأسعار التي كشفت عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة. و قبل أكثر من سنة قامت الحكومة بصرف منح سخية للمشاريع الاستثمارية التي وافقت عليها. و غابت شروط المتابعة و تقييم مستويات الإنجاز سيرا على نهج قديم عمق ترسيخ ضعف التقييم و المحاسبة و استرجاع كل المنح في حالات عدم التقيد بشروط تنفيذ المشاريع. و يجب التذكير أن مجموع الاستثمارات الخاصة بالمشاريع التي وافقت عليها اللجنة الوطنية للاستثمارات بلغت 520 مليار درهم إلى حدود شهر يوليوز 2026. و سوف تتطلب هذه المبالغ 30 % من المبلغ الاجمالي كمنح أي ما مجموعه حوالي 150 مليار درهم. و يعد هذا المبلغ الكبير حافزا يفرض متابعة دقيقة لمستويات إنجاز الاستثمارات التي تمت الموافقة عليها. 

و تزداد القضايا التي يتم تغييبها سياسيا، و التي كانت ضمن التزامات حكومة اخنوش قبل انتخابات 2021 ، كتلك التي تتعلق بالوعود " السحرية" لتسخير " العفاريت و التماسيح" لخلق مليون منصب شغل و ضمان دعم حقيقي للقوة الشرائية للمواطنين. و أظهرت كل التقارير الرسمية الداخلية و الخارجية عن تفاقم البطالة التي تجاوزت نسبتها 13% . و مهما حاولت الأجهزة الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط تقديم قراءات ، غير موفقة علميا، للتخفيف من حدة ما رصده بنك المغرب، فإن البطالة تظل واقعا مريرا لا تستطيع آليات التضامن الاجتماعي و العائلي من تغيير مقاييس تحديد مستواه الكبير و خصوصاً ما يتعلق بقفة المواد الغذائية و تكاليف السكن و الأدوية. 

و مرت خمس سنوات عجاف في مجال إصلاح مدونة الأسرة رغم التوجيهات الملكية. و لا زالت الأسرة ترزح تحت اختلالات تزيد من تفاقم الام الحاضنة لضمان حياة كريمة لأطفالها. و لا زالت آلاف النساء تخضع لسيف نزع الحضانة، و كل أسلحة الذكر للتحكم في تمدرس الأطفال و سفرهم و الحصول على وثائق إدارية ضرورية في يومهم و غدهم. يتمكن الذكر من " مثنى و ثلاث و رباع" و تمنع المرأة من كل حقوقها، و على رأسها الحفاظ على حضانة ابناءها. و إلى أن تكتمل دائرة التشاور بين مكونات لجنة مراجعة مدونة الأسرة، فإن الإصلاح متوقف إلى أجل غير مسمى.

و مرت خمس سنوات، و قبلها سنوات مضت و بلادنا تواجه موجات هجرة متتالية تتدفق من حدودها الجنوبية، و من حدودها الشرفية بفعل سياسة الجزائر التي توجه النازحين إليها في إتجاه المغرب. قبلت بلادنا بما فرضته الجغرافيا ، و بما كان من اللازم القيام به بفعل التاريخ و تجدر علاقات الدولة المغربية إتجاه جنوبها بدوله و قبائله و عشائره و ثقافاته. و ولا يجب أن ننسى امتدادات الدولة المغربية الجغرافية في أفريقيا عبر كل مكوناتها المرابطية و الموحدية و السعدية و الوطاسية و المرينية و العلوية . لسنا دولة صنعها الاستعمار سنة 1962 ، و واهداها حدودا مصطنعة كادت أن تصل إلى المحيط الأطلسي لولا الاحتلال المزدوج الذي تسببت فيه الامبريالية الفرنسية و الإسبانية. و لا زالت هذه الأخيرة ترزح تحت ثقل ثقافة استعمارية يحملها اليمين المتغطرس و اليسار المنافق.  

لا يفهم كثير من أفارقة جنوب الصحراء لماذا يتم منعهم من دخول سبتة و مليلية. و لا يفهم كل المغاربة تغييب قضية الإستعمار الإسباني من خطابنا السياسي. و في المقابل تستمر كل الأحزاب الإسبانية في التوافق على استمرار استعمار ترابنا، و في استفزازنا يوميا عبر حضور مسلح على بعد أمتار من قرانا و مدننا و رمال شواطئنا، و لا زلنا نتذكر ذلك الفاشيستي ازنار ، رئيس الحكومة الإسبانية قبل أكثر من 25 سنة حين هاجم جزيرة ليلى ، و أراد فرض حرب على بلادنا تصدت لها حكمة المغرب و كثير من الدول الفاعلة دوليا و على رأسها الولايات المتحدة. و لا يمكن أن نظل في وضع ينتمي إلى منطق قرون مضت، و يفرض علينا دور حراسة حدود إسبانيا غير الشرعية في ظل نفاق و تواطؤ أوروبي ذو خلفية إمبريالية ترتدي قناع الحرية و الديمقراطية و حماية أوروبا. و إذا سكتت احزابنا على هذا الوضع فلنعلم أننا سنعيش سنوات من المد الشعبي في اتجاه الثغور المحتلة التي قد تسفر عن رحيل إسباني جماعي و ترك المدينتين مجبرا لا مخيرا. و هذا الأمر لن يمر دون حدوث أزمة في العلاقات بكافة أشكالها. 

و ستظل قضية تخليق الحياة السياسية تستفيد من اجماع حزبي على تغييبها. لا زالت مقولة " اعن اخاك كان ظالما أو مظلوما" مقدسة لدى الكثير من الأحزاب التي تسيطر على تدبير الشأن العام. فبالرغم من الفضائح التي تدخل القضاء للحسم فيها، لا زالت ثقافة، أو بالأحرى عادة حماية الفساد مستشرية على الصعيد الحزبي. و يعرف كل من يحاول أن يؤمن بقواعد العمل السياسي أن مجرد وجود شبهة فساد تدفع إلى اعتزال، و لو مؤقتا، لكل المهام التمثيلية أو الرسمية، في إنتظار أن يقول القضاء كلمته. لا زلنا نعيش في بلادنا على إيقاع إنتظار حكم نهائي ،قد يطول انتظاره ، قبل أن يجبر حزب على قبول وجود فاسدين في صفوفه. و غالباً ما يتم التعامل مع الأحكام النهائية في قضايا الفساد و المخدرات بصمت مدوي من طرف القيادات الحزبية. و لهذا تتم تزكية متابعين قضائيا للمشاركة في الاستحقاقات المقبلة. و هكذا قررت مجمل الأحزاب الاتفاق على إنتظار الأحكام النهائية كشرط لا يحرم المشتبهين من الجلوس على مقاعد المسؤولية. و زادت نسبة الدفاع عن الأخ السياسي " ظالما أو مظلوما" مع الهجمة التي استهدفت مساهمة المجتمع المدني ذو المصداقية في محاربة الفساد، أو في التعليق أو التشكيك في نتائج الانتخابات. و لهذا وجب القول أنه إذا ظهر السبب بطل العجب. فلا يجب أن نتفاجأ بمستوى نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة.