مجتمع وحوداث

من غير المقبول إعطاء الانطباع أن الملك انتصر للحكومة ضد المحامين

جواد بنعيسى (محامي)

هناك ملاحظتان أساسيتان بخصوص القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة:


أولا: السيد رئيس مجلس النواب يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية بتراجعه عن المراقبة الدستورية التي كانت موضع إحالة مختلة من حيث الشكل. فالصواب كان يقتضي إعادة الإحالة على المحكمة الدستورية، مادام أنه لجأ إلى ذات المحكمة لطلب رأيها بخصوص مطابقة مقتضيات النص القانوني سالف الذكر للدستور.


فكيف تغيرت قناعة رئيس مجلس النواب بين عشية وضحاها بخصوص دستورية هذا القانون؟


وكيف تجرأ رئيس الحكومة على التوقيع بالعطف على ظهير نشر القانون في الجريدة الرسمية، بالرغم من شبهة عدم مطابقته للدستور؟


ثانيا: من غير المقبول إقحام جلالة الملك في مسألة الظهير سالف الذكر وإعطاء الانطباع بأن الملك انتصر للحكومة ضد المحامين.


هذه مغالطة كبيرة. لأن الظهير الذي بموجبه تم نشر القانون المتعلق بالمحاماة هو ظهير تم توقيعه بالعطف من طرف رئيس الحكومة، كما هو الشأن بالنسبة لجميع القوانين التي تستوفي مسارها التشريعي.


ولذلك فإن القول بأن الملك أعطى أمره بتنفيذ القانون السالف الذكر ما هو إلا مناورة سياسية ترمي، من جهة، إلى التهرب من المسؤولية، ومن جهة أخرى، إلى إخماد لهيب الاحتجاجات التي عرفها المسار التشريعي المتعلق بقانون المحاماة.


فجلالة الملك لم يكن ولن يكون بأي شكل من الأشكال طرفا في الخصومة بين المحامين وحكومة السيد عزيز أخنوش وأغلبيته البرلمانية. بل على العكس من ذلك، كل المحامين يعتبرون الملك محمد السادس محاميا استثنائيا!


كل المحامين المغاربة يعلقون على جدران مكاتبهم صورة الملك محمد السادس مرتديا بذلة المحاماة. وفي ذلك قيمة رمزية تغني عن الكلام!


أما وقد دخل القانون الجديد حيز التنفيذ، فلا بد أن نسجل ما يلي:


- أننا أصبحنا ملتزمين بهذا القانون وملزمين بتطبيق مقتضياته في حياتنا المهنية اليومية. وكل ما قيل من قبل في بلاغات الجمعية، كان مرتبطا بالصراع والضغط المشروع والاحتجاج، الذي لا يمكن فصله عن هذا السياق. اليوم يجب علينا أن نطوي هذه الصفحة، ونفتح صفحات أخرى!


- إنه يمكن، بل يجب، اعتبار صدور القانون ودخوله حيز التطبيق، ليس نهاية الموضوع، بل محطة ضمن مسار طويل وشاق لإصلاح وتحديث وتقوية مهنة الدفاع. ولذلك فإن هناك من الإمكانات والوسائل المؤسساتية والدستورية ما يتيح تنقيح هذا القانون وتجويده بالشكل الذي يتناسب مع الدستور ويعترف للمحاماة بقيمتها الحقيقية كفاعل لا محيد عنه في دولة الحق والقانون.


- أنه، في تقديري الشخصي، هذا القانون ليس سيئا في مجمله. بل على العكس، في قراءتي المتواضعة، أعتبره إيجابيا في مجمله. مع التذكير أنه لا يزال مفتوحا على أوراش إصلاحية فيما يتعلق بتنظيم وهيكلة مهنة المحاماة على المستوى الوطني والمحلي. حيث لا أفهم صراحة أن لا يكون هناك تمثيل مؤسساتي على المستوى الوطني من قبيل المجلس الوطني لهيئات المحامين، كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا ولكل الدول الديمقراطية التي تجر وراءها قرونا من الممارسة المهنية. وهذا مجرد مثال!


- أن النقط الحساسة، من قبيل مراقبة صندوق الودائع من طرف المجلس الأعلى للحسابات، فيمكن الجواب عنها في التجارب المقارنة لكي نكتشف أنها بدعة قانونية يمكن تغييرها في المستقبل القريب. فالأمر لا يتعلق بالتهرب من واجب الشفافية في تدبير صندوق الودائع، وإنما بالمشروعية!


في فرنسا مثلا، صندوق الودائع تسيره جمعية تابعة للهيئات. كما أن المشرع الفرنسي يفرض تعيين خبير حسابات من أجل مراقبة الحسابات قبل المصادقة عليها من طرف الجمعية العامة.


كان بالإمكان أن نستلهم هذا النموذج الذي يكرس الشفافية. وأظن لو أن المحكمة الدستورية نظرت في الموضوع، لكان هذا المقتضى قد سقط بسبب عدم مطابقته للدستور!


- أنه يجب تقييم المقاربة الترافعية لجمعية هيئات المحامين في المغرب، بالشكل الذي يجعلها تقوم على مبدأ التشاركية والوضوح وتفادي المنطق الاصطدامي متى كانت هناك إمكانية للحوار والنقاش والتفاوض الإيجابي. فالتفاوض والترافع المؤسساتي (le plaidoyer institutionnel)، وليس المرافعة (la plaidoirie)، هو علم قائم بذاته ويدرس في العديد من الجامعات الكبرى في العالم.


فلا يمكن أن تدخل مسارًا للإصلاح دون تواصل حقيقي وتعبئة حقيقية للفاعل المحوري والأساسي، وهو المحامي!


- أن ثقافة العداء والتعالي على الأحزاب السياسية لا يمكن أن ينتج عنها إلا تشريعات ناقصة ومعطوبة وأحادية الجانب. فكيفما كانت أحزابنا السياسية، فإنها هي من يتحكم في المسار التشريعي، ولا بد من "تطبيع" العلاقة معها واعتبارها شريكا وليس خصما بالضرورة.


فلا يجب أن ننتج موقفا سلبيا من الأحزاب تحت تأثير وضغوطات أقليات سياسية أخلاقوية قابعة في جسم المحاماة!


هذا مجرد رأي شخصي يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ!