فن وإعلام

جهل مكيّف

عبد الرحيم التوراني (كاتب)

في العروض الساخرة التي تقدمها الحياة السياسية، ثمة لحظات تتجاوز الحدود المفترضة للكوميديا السوداء لتسقط في قاع السوريالية...

 من هذه اللحظات جلسة الاسترخاء التي أطل منها وزير الشباب والثقافة والتواصل المهدي بنسعيد، حين سئل في إحدى المرات عن شكاوى الفنان سعيد الناصري من وزارته.. فبدلا من تقديم إجابة تليق بمسؤول يمثل المرفق الثقافي في الحكومة، آثر الوزير مدّ رجليه براحة مفرطة، مطلقا قهقهة مجانية صعدت في الهواء المكيّف لمكتبه الفسيح، قبل أن يسدّد ردا خاطفا بعنجهية مهاجم يظن أنه سجل هدفا بضربة مقصية: (أنا لا أعرف أحدا بهذا الاسم... لا أعرف سوى سعيد الناصري رئيس الوداد...).


لم تكن تلك اللقطة العابرة مجرد زلة لسان أو دعابة ثقيلة الظل، بل كانت مرآة كاشفة لعقلية تدير قطاعا يفترض أنه الحارس الأمين لذاكرة الوطن الرمزية...

 وما يزيد المشهد قتامة أن هذا الاستظراف الوزاري لم يكن نشازا، بل جاء امتدادا لنغمة نشاز أطلقها اثنان من كبار مستشاريه حين ردّا على أرملة الكاتب الراحل إدريس الخوري ببرود بيروقراطي متبلد: (من يكون هذا إدريس الخوري؟ لا نعرفه!).


الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن بنسعيد لم يكن يكذب وهو يقهقه برعونة من استيقظ فجأة ليجد نفسه في سدة وزارية لم تخطر له على بال.. فقد كان صادقا تماما وهو يعترف بأنه لا يعرف سوى سعيد الناصري (ديال الوداد)... هذا الذي يعرف الجميع اليوم مسيره ومساره ومآله خلف الأسوار بتهم ثقيلة.. فتلك هي النماذج التي تستهوي ذاكرة العابرين اليوم على هامش الثقافة، أما القامات الأدبية والفنية التي تشكل وجدان البلد، فلا محل لها في أجهزة استقبالهم السياسية.


أما إدريس الخوري ، الذي خصّه الملك برعاية سامية ووشحه بوسامين واستقبال ملكي ، فمن النافل أن ننتظر من الوزير بنسعيد وأعوانه المقربين أن يعرفوا قدره، أو أن يكونوا قد فتحوا يوما غلاف مجموعة قصصية من مجموعاته، أو قلبوا صفحة من مقالاته التي حفرت اسمه في مدونة الأدب المغربي...

 إن الجهل هنا ليس مجرد أمية قرائية، بل هو حالة إعلان رسمي عن قطع الصلة بين المقاعد القيادية وبين الرصيد الثقافي للبلاد.


أمام هذه السقاطةوأمام هذا العري الثقافي المبين.. أجدني أتخيل صاحب "حزن في الرأس وفي القلب" وهو يتابع هذا المشهد الهزلي... 

هل كان "بَّادريس" سيدبّج قصة قصيرة عن هذا الوزير ومستشاريه النزقين؟ أم كان سيقصف شاشات هواتفهم بمقال هجائي يقطر زئبقا وسوداوية؟


أغلب الظن أنه ما كان ليتكلف عناء حبر يراق على هامش هذا الفراغ...

 كان سيطلق ضحكته البيضاوية المجلجلة، ويقول بتهكمه المعهود الذي يختصر البلاغة الشعبية:

"خلّي خُوك يعيش... راه ما قارِيشْ!"


عبد الرحيم التوراني