مجتمع وحوداث

جراندو النصّاب يسقط في شرّ أعماله

سعيد لكحل( كاتب باحث في الحركات الإسلامية)

في عالم مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد غريباً أن يظهر شخص في الصباح بصفته «محارباً للفساد»، وفي المساء ينكشف أمره وتظهر حقيقته أنه نصّاب محترف. هنا تحديداً تبدأ المفارقة التي تجعل فضيحة هشام جراندو، التي كشفت عنها تسريبات أطلس هاكرز، جديرة بالتوقف عندها، باعتبارها فضيحة الشخص بعينه، من جهة، ومن أخرى باعتبارها نموذجاً لخطاب رقمي بات يخلط بين محاربة الفساد وصناعة الفضائح، وبين كشف الحقيقة والمتاجرة بالاتهامات.

لو كان الحمّام يبيّض، كن بيّض قبابو.

إن هذا المثل الشعبي أكثر تعبيراً عن فضيحة جراندو. فرفع شعار النزاهة لا يجعل صاحبه نزيهاً، كما أن ترديد عبارة «محاربة الفساد» لا يمنح صاحبه تلقائياً صك البراءة أو النزاهة. النزاهة، في نهاية المطاف، ليست شعاراً يرفع أمام الكاميرا، وإنما سلوك وممارسة وقدرة على إخضاع الذات للقواعد نفسها التي نطالب الآخرين باحترامها. وما كشفت عنه تسريبات أطلس هاكرز بالحجة المكتوبة والدليل الصوتي، يعرّي سوءة جراندو الذي يجمع بين خيانة الوطن والتآمر على استقراره خدمة لأجندات الأعداء وبين النصب والتشهير والابتزاز وحماية الفاسدين وأباطرة المخدرات مقابل عمولات. وهنا تكمن المشكلة الأعمق في هذا النوع من الخطاب: تحويل التشهير إلى بديل عن التحقيق، والصراخ إلى بديل عن الدليل، والانتقائية إلى بديل عن الحقيقة. علما أن محاربة الفساد ليست مسابقة في رفع الصوت، ولا هي منافسة في عدد الفيديوهات المنشورة أو حجم الجمهور الذي يتابعها. أما أن يتحول الهاتف المحمول إلى محكمة، والمنصة الرقمية إلى قاعة اتهام، وصاحب القناة إلى محقق وقاضٍ وجلاد في الوقت نفسه، فذلك يهدد بتحويل مفهوم مكافحة الفساد إلى نوع من الفرجة الجماهيرية. 

وقديماً قال المغاربة: «برّاح ومشالو حمارو». كان البرّاح يعلن الأخبار في الأسواق والفضاءات العامة، أما اليوم فقد انتقل البرّاح إلى العالم الرقمي، وصارت المنصة سوقه، والهاتف مكبر صوته، والمتابعون جمهوره. لكن «برّاح» اليوم يمتلك قدرة أكبر بكثير من «برّاح» الأمس؛ فهو لا يكتفي بإعلان الخبر، بل يستطيع أن يصنع رواية متكاملة، ويكررها حتى تصبح مألوفة، ثم يحشد حولها جمهوراً يتعامل معها مع مرور الوقت وكأنها حقيقة ثابتة. لكن كل ما برّح له وبه جراندو انقلب عليه سحره وانفضح أمره. 

لي حفر شي حفر يطيح فيها.

الأكثر إثارة للسخرية هو أن خطاب «محاربة الفساد» حوّله جراندو إلى صناعة، والفضيحة إلى سلعة. فالفضيحة تجلب المشاهدات، والمشاهدات تمنح الانتشار، والانتشار يمنح النفوذ، والنفوذ يرفع القدرة على الضغط والتأثير. وهكذا تحولت مزاعم "محاربة الفساد" من قيمة عامة إلى اقتصاد للفضائح؛ أي أصبحت الفضيحة مصدر نفوذ ودخل وشهرة عند جراندو. إنها تتعلق بظاهرة أصبحت أكثر انتشاراً في البيئة الرقمية: ظاهرة الشخص الذي يمنح نفسه سلطة التحقيق والاتهام والإدانة، مستفيداً من سرعة انتشار المحتوى وضعف قدرة المتلقي على التحقق من كل ما يشاهده. وفي هذا السياق يصبح المؤثر قادراً على إلحاق أضرار بالغة بسمعة الأشخاص قبل أن تتاح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم، وقد تصبح البراءة، بعد انتشار الاتهام، أقل تأثيراً من التهمة ذاتها .لكن ما لم يخطر على بال النصّاب هو أنه سيقع في شر أعماله بحيث سيكون سقوطه في الحفرة التي حفر لغيره سقوطا مدويا وفضيحة بـﯕلاﯕل جعلته سخرية القاصي والداني.  

في هذه الحالة يصبح المثل المغربي «لو كان الخير فموكا، كاع ما يخليوها الصيادة» بالغ الدلالة. فالخير الحقيقي لا يحتاج إلى كل ذلك الصخب حتى يثبت نفسه. ومن يملك ملفات فساد موثقة يستطيع أن يقدمها للجهات المختصة، وأن يترك للصحافة المهنية والقضاء مهمة التحقق وتحديد المسؤوليات. أما إبقاء الجمهور في موقع القاضي والجلاد، فلا يقود إلى مكافحة الفساد، وإنما إلى إنتاج فوضى في الأحكام .ومن هنا تأتي المفارقة التي تختصرها العبارة الشعبية: «جا يعاونهم في حفير السّاس، هرب لهم بالفاس». أي أن من جاء للمساعدة في الحفر على الفساد وفضح جذوره انتهى به الأمر إلى حمل الفأس والهرب بها، أي صار حاميا للفساد ومدافعا عنه. فليس كل من قال «أنا أحارب الفساد» محارباً للفساد، كما أن كل من اتهِم بالفساد ليس بالضرورة فاسداً. بين الادعاء والحكم توجد مسافة لا يملؤها الصراخ ولا عدد المشاهدات، وإنما الوثيقة والتحقيق والقانون.

السّفيه ما كينطق غي بلّي فيه.

إن محاربة الفساد تحتاج إلى صحافة مهنية لا إلى محاكم شعبية رقمية، وإلى مؤسسات رقابية لا إلى مؤثرين يمنحون أنفسهم سلطة الاتهام، وإلى قضاء يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة لا على شعبية المتهم أو خصمه. فالحقيقة لا تخاف الكاميرا، لكنها لا تحتاج إليها أيضاً. ولا يهمها عدد المتابعين، ولا حجم الضجيج، ولا صخب التبْراح. الحقيقة تسأل فقط عن الدليل. وحين يغيب الدليل، يصبح الفرق بين محاربة الفساد والمتاجرة به مجرد مسافة قصيرة قد يقطعها صاحبها وهو يرفع الشعار نفسه الذي بدأ به.

لا يضر السحاب نُباح الكلاب.

لهذا ليس غريبا على النصاب جراندو محترف الابتزاز والتشهير أن يهاجم مؤسسات الدولة وكبار مسؤوليها خصوصا الذين أجمعت نتائج استطلاعات الرأي الدولية على تصدر الأجهزة التي يشرفون عليها قائمة المؤسسات التي تحظى بثقة الشعب المطلقة، وعلى رأسها المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني؛ وآخرها الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، بين 8 مايو و3 يوليوز 2026، حيث كشفت النتائج بلوغ نسبة الثقة 95 %.والعميل النصاب يدرك جيدا أن هذه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية هي الصخرة التي تتحطم عيها كل المؤامرات الداخلية والخارجية التي تستهدف أمن الوطن واستقراره؛ لهذا لا يكف عن النباح والتشهير، لكن "لا يضر السحاب نباح الكلاب".