في أواسط التسعينات، كنت أعمل بمدينة مكناس. وفي مثل هذه الأيام من السنة حل موسم سيدي علي بن حمدوش، فاقترح علي صديق عزيز، الحاج حميد، أطال الله في عمره، أن نذهب لنرى عن قرب ما يجري هناك. لم أذهب مريدا ولا باحثا عن بركة، بل بدافع الفضول والرغبة في فهم ظاهرة كنت أسمع عنها أكثر مما أعرفها.
قضينا هناك نحو أربع ساعات، لكنها كانت كافية لتترك أسئلة لم تغادرني إلى اليوم. رأيت أناسا يبحثون عن أمل في الوهم، وممارسات تختلط فيها المعتقدات بالخرافة، والرجاء بالوهم، والألم باستغلال هشاشة الناس. رأيت الدم والذبائح والقرابين، رأيت (العين الكبيرة) وقد استحم بها من تعتر زواجها بعد ترك ملابسها بالعين.
كما اقتربت من ذلك العالم المرتبط بلالة عيشة مولات المرجة، عالم كامل تتداخل فيه الحاجة الإنسانية بالخوف والموروث الشعبي والشعوذة والنصب حيث تدخل عشر دبائح دفعة واحدة ،تنحر واحدة ويخرج الباقي من الخلف لإعادة البيع وهكذا دواليك .
ولم يكن سؤالي يومها: لماذا يفعل الناس ذلك؟ فالإنسان حين يشتد به اليأس والألم قد يتعلق بأي أمل. كان سؤالي، وما يزال: لماذا يظل هذا كله قائما، معروفا ومتكررا، وكأنه جزء عادي من المشهد؟
عاد ذلك السؤال إلى ذهني وأنا أتابع، قبل أيام، الجدل الذي أثاره مقطع يظهر فيه شخص ينحني لتقبيل قدم شيخ إحدى الزوايا الصوفية. وهو، في تقديري، سلوك مشين ينتقص من كرامة الإنسان، ولا أجد له ما يبرره، أيا كانت مكانة الشيخ او وضعية المريد.
لكن ما استوقفني، هو حجم الخلط الذي رافق النقاش: بين التصوف والطرق الصوفية، وبين الطريقة والزاوية، وبين الزاوية والضريح، وبين التصوف وما قد يلتصق ببعض المواسم والأضرحة من عادات وممارسات لا تمت إلى جوهره بصلة.
فالتصوف، في معناه السني، ليس طقوسا ولا انبهارا بالأشخاص، بل هو تربية للنفس، ومجاهدة للهوى، وتهذيب للأخلاق، وسعي إلى مقام الإحسان. وليس عبثا أن استقرت الشخصية الدينية المغربية تاريخيا على ثلاثية معروفة: المذهب المالكي في الفقه، والعقيدة الأشعرية في الاعتقاد، والتصوف الجنيدي في السلوك والتربية.
لكن تصحيح المفاهيم لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للصمت.
فإذا كانت بعض التصرفات داخل الزوايا فردية، فإن للزوايا نفسها مسؤولية في تأطير مريديها، وتوضيح حدود العلاقة بين الشيخ والمريد، والقطع مع مظاهر الغلو والتقديس التي تمس كرامة الإنسان. فالزاوية التي تقدم نفسها باعتبارها فضاء للتربية الروحية لا يكفي أن تقول إن هذا السلوك لا يمثلها، بل عليها أن تجعل رفض مثل هذه الممارسات جزءا من تربيتها اليومية.
وهناك أيضا مسؤولية علمية ودينية. فالمجالس العلمية، وطنيا ومحليا، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مدعوة إلى فتح نقاش واضح وهادئ، في المساجد وعبر الإعلام، حول ما يختلط في أذهان الناس بين التصوف والشعوذة، وبين زيارة الأولياء وادعاء علاج الأمراض النفسية والعقلية، وبين طلب البركة واستغلال الحاجة. والمطلوب ليس التهجم على المعتقدات الشعبية، بل نشر المعرفة الدينية التي تميز وتوضح وتحمي الناس من الخلط.
ثم هناك مسؤولية لا تقل أهمية: مسؤولية الإدارة في بعدها العام.
فبعض ما يقع في بعض المواسم والأضرحة لا يبقى دائما في حدود الاعتقاد الشخصي. هناك ممارسات تمس بالصحة العامة، وأخرى تستغل أشخاصا في أوضاع هشاشة، وتسيء إلى الكرامة، أو تتجاوز إلى ما يمس بالنظام العام. وعند هذه الحدود، لا نعود أمام نقاش صوفي أو فقهي فقط، بل أمام مسؤوليات للسلطات الصحية والإدارية والترابية، بل والقضائية عند الاقتضاء، كل في نطاق اختصاصه.
المعادلة هنا لا تحتمل حلا واحدا. فلا الوعظ وحده يكفي، ولا المنع وحده يكفي، ولا ترك الأمر للزوايا وحدها يكفي. المطلوب مقاربة تجمع بين التربية الدينية، والتوعية العلمية، والتدخل الإداري حين تتحول الممارسة إلى مس بالصحة أو الكرامة أو القانون.
والأهم من ذلك كله أن نميز بين ما ينبغي حمايته وما ينبغي مواجهته. نحمي التصوف باعتباره تراثا روحيا وأخلاقيا، ونواجه الخرافة حين تتلبس باسمه. نحترم حق الناس في الاعتقاد، ونتدخل حين يتحول الاعتقاد إلى استغلال. ونصون مكانة الزوايا حين تؤدي دورها التربوي، ونطالبها بالمسؤولية حين تظهر في محيطها ممارسات تناقض تلك الوظيفة.
وبين ما يقال وما لا يقال… لعل الوقت قد حان لكي تبقى لالة عيشة مولات المرجة في مكانها داخل الذاكرة الشعبية، لا أن تقفز منها لتظل مرجعا يلجأ إليه الألم حين تغيب المعرفة، ويصمت المجتمع، وتتأخر المسؤولية.






