في كل عام، ومع اقتراب شهر شتنبر، تعيش ملايين الأسر المغربية الدخول المدرسي باعتباره اختباراً مالياً مضغوطاً في بضعة أيام أكثر مما تعيشه بوصفه وعداً بالارتقاء الاجتماعي، إذ تضاف فجأة إلى المصاريف العادية للأسرة تكاليف الكتب المدرسية والدفاتر والأقلام وأقلام الرصاص وأدوات الهندسة والمقالم، وأحياناً بعض التجهيزات الخاصة، فضلاً عن المحفظة نفسها، بحيث تصطدم مجانية التعليم العمومي، من الناحية النظرية، منذ عتبة المدرسة بواقع أكثر بساطة وقسوة، يصبح فيه التعلّم مشروطاً، إلى حدّ ما، بالقدرة على اقتناء الأدوات الضرورية للتعلّم.
وقد خصص المغرب، منذ سنوات طويلة، إمكانات مهمة لمواكبة الدخول المدرسي، في البداية من خلال العملية المعروفة باسم «مليون محفظة»، ثم، في مرحلة أحدث، عبر صرف منحة خاصة لفائدة الأسر المستفيدة من نظام الدعم الاجتماعي المباشر، غير أنه قد يكون من المناسب اليوم تجاوز منطق المساعدة الجزئية وطرح سؤال أكثر طموحاً، يتمثل في ما إذا كان من الأجدى أن تضمن الدولة، بكل بساطة، لكل تلميذ في التعليم العمومي، من السنة الأولى ابتدائي إلى مستوى البكالوريا، تجهيزاً مدرسياً كاملاً يشمل الكتب المقررة في مستواه، والدفاتر اللازمة، ومجموع اللوازم المدرسية العادية التي سيحتاج إليها طوال السنة.
ويسمح عدد التلاميذ المعنيين اليوم بقياس حجم مثل هذا القرار بدقة، إذ بلغ عدد المتمدرسين في التعليم العمومي المغربي خلال الموسم الدراسي 2024-2025 نحو 6.77 ملايين تلميذ، من بينهم 3.64 ملايين في التعليم الابتدائي، و1.94 مليون في التعليم الثانوي الإعدادي، و1.18 مليون في التعليم الثانوي التأهيلي، وهو ما يعني أن الدولة، إذا قررت تحويل هذه الفكرة إلى سياسة عمومية وطنية، لن يكون من المنطقي بطبيعة الحال أن تحتسب الكلفة وفق أسعار البيع بالتقسيط المعمول بها في المكتبات أو المتاجر الكبرى، بل باعتبارها مشترياً عمومياً قادراً على طلب ملايين المحافظ، وعشرات الملايين من الدفاتر واللوازم، فضلاً عن كميات ضخمة من الكتب المدرسية المطبوعة وفق دفاتر تحملات موحدة.
وإذا اعتمدنا فرضية معقولة تبلغ 250 درهماً لكل تلميذ في الابتدائي، تشمل المحفظة والكتب والدفاتر واللوازم، فإن الكلفة السنوية ستناهز 911 مليون درهم بالنسبة إلى 3.64 ملايين طفل معني، فيما سيكلف متوسط قدره 300 درهم لكل تلميذ في التعليم الإعدادي، وهو مبلغ يمكن تبريره بتزايد عدد المواد والدفاتر والوسائل التعليمية، نحو 583 مليون درهم إضافية، بينما سترفع كلفة متوسطة في حدود 350 درهماً لكل واحد من 1.18 مليون تلميذ في التعليم الثانوي التأهيلي هذه الفئة الأخيرة إلى نحو 415 مليون درهم.
وبذلك، فإن الكلفة الإجمالية لدخول مدرسي مجهز بالكامل لفائدة جميع تلاميذ التعليم العمومي، من الابتدائي إلى البكالوريا، ستدور حول 1.9 مليار درهم سنوياً، وهو مبلغ سيكون من الحكمة إضافة هامش احتياطي إليه لمواجهة تقلبات الأسعار، وتغير البرامج الدراسية، والحاجيات الخاصة لبعض المسالك، وتكاليف التوزيع، وهو ما يسمح باعتبار غلاف مالي إجمالي في حدود ملياري درهم قاعدة ميزانياتية واقعية ومؤمّنة بما يكفي.
وقد يبدو مبلغ ملياري درهم ضخماً عندما يُعرض منفرداً، لكنه يأخذ بعداً مختلفاً تماماً عندما نقارنه بنحو 97 مليار درهم المخصصة لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي في ميزانية 2026، إذ لن يمثل سوى حوالي 2 في المائة من هذه الكتلة المالية، مع العلم أن الكلفة الصافية ستكون بالضرورة أقل من ذلك، ما دام جزء من النفقات العمومية الموجهة حالياً إلى منح الدخول المدرسي، ودعم اقتناء الكتب، ومختلف آليات المساعدة الأخرى، يمكن إعادة توجيهه نحو هذا النظام الشامل بدل الإبقاء عليه بصورة موازية.
كما ينبغي تجنب الخطأ المتمثل في استبدال ملايين المحافظ كل سنة رغم أنها قد تكون ما تزال صالحة للاستعمال، إذ إن محفظة مصممة بشكل جيد، ومصنعة وفق دفتر تحملات صارم، ومضمونة لعدة سنوات، يمكن ألا تُستبدل إلا عند تعرضها فعلاً للتلف، في حين يتم تجديد الكتب والدفاتر والمواد الاستهلاكية وفق الحاجات التربوية، وهو ما من شأنه أن يخفض بشكل ملموس الكلفة المتكررة للبرنامج، وأن يفرض في الوقت نفسه منطق الاستدامة على نفقة عمومية قد تتحول، في غياب ذلك، إلى طقس سنوي للهدر.
غير أن نجاح إصلاح من هذا النوع سيعتمد بدرجة أقل على الإعلان السياسي وبدرجة أكبر على صرامة التنفيذ، إذ سيكون من الضروري توحيد لوائح اللوازم المدرسية، ومنع الطلبات الإضافية غير المبررة التي قد تفرضها بعض المؤسسات أو بعض المدرسين في بداية السنة، وتوزيع الصفقات بطريقة تحول دون نشوء الريع، وفرض مراقبة مستقلة للجودة، وتنظيم التوزيع قبل الدخول المدرسي بعدة أسابيع، مع إعطاء الأولوية، كلما كان ذلك ممكناً من الناحيتين التقنية والاقتصادية، لتصنيع الدفاتر والمحافظ والمقالم والمساطر والمنتجات الورقية وغيرها من اللوازم داخل المغرب متى كانت قابلة للإنتاج محلياً.
ويمكن لسوق سنوية بهذا الحجم أن تتحول بدورها إلى رافعة صناعية حقيقية، شريطة ألا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد عملية شراء إداري، بل باعتبارها سياسة هيكلية تجمع بين الطلبيات متعددة السنوات، والرؤية الواضحة التي تمنح للمصنعين المغاربة، ومتطلبات الجودة، وإمكانية تتبع عمليات التسليم، والمنافسة الحقيقية بين الفاعلين، بحيث تخدم المليارات المستثمرة، في الوقت نفسه، التلميذ والأسرة والمدرسة وجزءاً من الجهاز الإنتاجي الوطني.
ومع ذلك، يبقى الرهان الأساسي هو رهان المساواة، لأن الطفل الذي يدخل إلى مدرسة عمومية وفي حوزته نصف كتبه فقط، أو دفاتر تم اقتناؤها بالتقسيط لأن والديه لا يستطيعان تحمّل جميع مصاريف شهر شتنبر، لا ينطلق فعلياً من النقطة نفسها التي ينطلق منها طفل آخر، حتى وإن كان الاثنان مسجلين نظرياً في المنظومة المجانية نفسها، بينما يمكن لمدرسة تسلّم كل تلميذ، منذ اليوم الأول، كامل تجهيزاته المدرسية أن تضع حداً لنوع من عدم المساواة البسيطة والواضحة التي اعتدنا عليها إلى درجة أننا لم نعد نراها أحياناً.
وبكلفة إجمالية تقارب ملياري درهم سنوياً، وربما أقل بعد ترشيد النفقات وإعادة توجيه الآليات القائمة، يستطيع المغرب أن يضمن أن يبدأ 6.77 ملايين تلميذ في التعليم العمومي سنتهم الدراسية وهم يتوفرون على أدوات العمل نفسها، وهو ما سيحوّل إنفاقاً اجتماعياً متفرقاً وغير واضح دائماً إلى التزام وطني بسيط الفهم، سهل القياس، ويمكن لكل أسرة أن تلمس أثره مباشرة.
ولعل المجانية الحقيقية للمدرسة لم يعد ينبغي أن تقتصر على فتح باب الفصل مجاناً، بل أن تعني أيضاً أن كل طفل يعبر ذلك الباب يستطيع، بصرف النظر عن دخل والديه، أن يتوفر على كل ما يحتاج إليه لكي يتعلم.






