تحليل

قانون المحاماة.. من وهم الانتصار إلى سؤال الحكامة

محمد براو (باحث وخبير دولي في الحكامة)
مقدمة

لم تعد قضية القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد خلاف بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول مقتضيات مهنية أو مالية أو تنظيمية. كما أن قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026، لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره قراراً إجرائياً تعذر معه البت في الإحالة على حالها.

فبعد الأمر الملكي بإصدار القانون ونشره في الجريدة الرسمية عدد 7536 بتاريخ 20 غشت 2026، وفي الوقت الذي استمر فيه المحامون في التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، انتقلت القضية إلى مستوى أوسع بكثير: كيف تشتغل الدولة عندما تنتقل من إنتاج القاعدة إلى تنفيذها؟ وكيف تنتقل المؤسسات من شرعية القرار إلى فعاليته، ومن الامتثال إلى التملك، ومن التملك إلى الاستدامة؟ هذا هي الأسئلة الصحيحة التي أراها أكثر أهمية من سؤال: من انتصر في معركة قانون المحاماة؟

ف"الانتصار القانوني" المزعوم لا يعني بالضرورة النجاح المؤسساتي المأمول، كما أن المقاومة المهنية لا تغني عن تقديم بديل مؤسساتي قابل للاستدامة. ومن هذه الزاوية، تصبح أزمة المحاماة حالة اختبار حقيقية للحكامة المؤسساتية في المغرب.

بين إنتاج النص القانوني وإنتاج التحول المؤسساتي

من السهل في النقاش العمومي أن نقيس نجاح الإصلاح بتاريخ صدور القانون. لكن القانون، في الحقيقة، ليس سوى بداية الإصلاح. يمكن للدولة أن تنتج النص، ويمكن للبرلمان أن يصادق عليه، ويمكن أن تستكمل المؤسسة الملكية المسار الدستوري لإصداره، ويمكن أن ينشر في الجريدة الرسمية؛ ومع ذلك كله قد لا تكون المؤسسة المعنية بالقانون قد أصبحت تعمل فعلاً وفق المنطق الجديد الذي يستهدفه الإصلاح.

فالتحول المؤسساتي يمر، في تقديري، عبر سلسلة مترابطة: ابتداء من القاعدة القانونية مرورا بآليات التنفيذ بما فيها الموارد والقدرات فسلوك الفاعلين ثم الامتثال والتملك والتقييم والتصحيح وصولا للتحسين المستمر والاستدامة. وإذا تعطلت إحدى هذه الحلقات، يمكن أن يكون لدينا قانون مكتمل من الناحية الشكلية، ولكن إصلاح مؤسساتي ناقص من حيث النتائج. وهذه المسألة تتجاوز قانون المحاماة.

بالرجوع إلى الخطب التوجيهية الملكية والتقرير العام حول النموذج التنموي الجديد نجد أنها قد انطلقت، في أحد أهم تشخيصاتها، من أن معضلة التنمية في المغرب لا ترتبط فقط بالموارد أو الاختيارات، وإنما أيضاً وأساسا بطرق العمل، والقيادة، والقدرات، والتنفيذ، والتقييم، وبناء الثقة والمسؤولية. لذلك فإن السؤال الذي تطرحه قضية قانون المحاماة ليس فقط: هل القانون مشروع من الناحية القانونية؟ وإنما أيضاً: هل يمكن تشغيله بكفاءة؟ وهل يمكن أن يمتثل له الفاعلون؟ وهل يمكن أن يتملكوا منطقه؟ وهل يمكن أن يستمر أثره؟ وهنا تبدأ الحكامة.

قرار المحكمة الدستورية والمسافة بين المؤسسات

يكتسي قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 أهمية خاصة، ليس لأنه حسم دستورية القانون أو عدم دستوريته؛ فهو لم يفعل ذلك. المحكمة صرحت بتعذر البت في الإحالة على حالها، بعدما تبين لها أن رسالة رئيس مجلس النواب أرفقت بتقرير يتضمن النص كما وافق عليه مجلس النواب في 6 يوليوز، في حين لم يرفق بها النص كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز.

ومن الناحية القانونية الصرفة، يمكن الدفاع عن هذا الموقف باعتباره تطبيقاً صارماً للقواعد المنظمة للإحالة الدستورية وحدود اختصاص المحكمة. فالمحكمة ليست جهة لتصحيح الملف البرلماني، ولا يمكنها أن تحل محل الجهة التي أحالت القانون. لكن الحكامة تطرح سؤالاً آخر: ماذا تكشف هذه الواقعة عن المسافة بين المؤسسات؟ فالمسألة ليست فقط أن وثيقة لم ترفق بملف الإحالة. الأهم أن نقصاً في مرحلة انتقال الملف من مؤسسة إلى أخرى حال دون انتقال الرقابة الدستورية إلى مرحلة الفحص الموضوعي في قانون بالغ الحساسية. وهنا ينبغي أن ننتقل من سؤال: من أخطأ؟ إلى سؤال أكثر فائدة: كيف نمنع خطأ إجرائياً في نقطة تماس بين مؤسسات دستورية من أن يتحول إلى أثر مؤسساتي بهذا الحجم؟

فالحكامة لا تعني فقط أن تعرف كل مؤسسة اختصاصها. إنها تعني أيضاً أن تكون مناطق التماس بين المؤسسات محكومة بآليات دقيقة تمنع الانقطاع والالتباس وتراكم الأخطاء. فالبرلمان ينتج النص، والمحكمة الدستورية تمارس الرقابة الدستورية في الحالات التي تحال عليها، والمؤسسة الملكية تستكمل المسار الدستوري لإصدار القانون. لكن بين هذه الوظائف توجد حلقات انتقالية لا تقل أهمية عن الوظائف ذاتها. وهنا تكمن إحدى مشكلات الدولة الحديثة: قد تكون كل مؤسسة ملتزمة بنطاق وحدود اختصاصها، ومع ذلك تنتج العلاقة بينها نتيجة أقل من المستوى الأمثل.

الرقابة ليست مجرد إجراء، بل جزء من هندسة الحكامة

هذه الفكرة ليست جديدة بالنسبة إليّ. فقد سبق أن ساهمت في النقاش العمومي المتعلق بالرقابة المالية الدستورية على صندوق الودائع، انطلاقاً من اهتمام يتجاوز الحالة التقنية ذاتها إلى سؤال أوسع حول موقع الرقابة في البناء المؤسساتي للدولة، وكيف يمكن للرقابة المالية أن تؤدي وظيفتها في حماية المال والمصلحة العامة مع احترام استقلال المؤسسات واختصاصاتها.

وأهمية استحضار هذه المساهمة هنا ليست لإضافة موضوع آخر إلى النقاش، وإنما لأنها تكشف وحدة الإشكال. ففي الرقابة المالية العليا كما في الرقابة على دستورية القوانين، لا تكفي الإجابة عن سؤال: هل توجد المؤسسة الرقابية؟ السؤال الأهم هو: كيف تعمل منظومة الرقابة؟ ومتى تتدخل؟ وعلى أي أساس؟ وكيف تتحول نتائجها إلى مسؤولية وقرار وتصحيح؟

لقد أصبحت مقتنعاً، من خلال الاشتغال على قضايا الرقابة والحكامة، منذ ثلاثة عقود، بأن قوة النظام المؤسساتي لا تقاس بعدد أجهزة الرقابة الموجودة فيه، وإنما بقدرتها على أن تجعل الرقابة منتجة للمسؤولية والتحسين والثقة، لا مجرد محطة إجرائية تضاف إلى المسار. وهذا هو الرابط العميق بين النقاش حول الرقابة المالية وقضية قانون المحاماة. في الحالتين، نحن أمام سؤال واحد: كيف نحول الاختصاص القانوني إلى أداء مؤسساتي فعال؟

الحكامة لا تعني أن تعمل المؤسسات في جزر منفصلة

يقدم التقرير العام حول النموذج التنموي الجديد تصوراً بالغ الأهمية لدور الدولة: دولة قوية وقادرة على قيادة التحول، ولكن في علاقة شراكة مع مجتمع قوي وفاعلين قادرين على تحمل مسؤولياتهم. وهذا يقتضي تجاوز تصور للحكامة يقوم على أن احترام الاختصاصات يعني بالضرورة اشتغال المؤسسات في جزر منفصلة. العكس هو الصحيح.

إن وضوح الاختصاصات يجب أن يترافق مع وضوح العلاقات بينها. فالبرلمان ليس مجرد محطة للتصويت. والحكومة ليست مجرد جهاز يحول برنامجها إلى مشاريع قوانين. والمحكمة الدستورية ليست مجرد محطة تأتي بعد انتهاء التشريع. والهيئات المهنية ليست مجرد طرف تتم استشارته ثم يُطلب منه التنفيذ. إن الحكامة الحديثة تقوم على معادلة أدق: كل مؤسسة مستقلة في اختصاصها، لكنها مسؤولة عن جودة تفاعلها مع المؤسسات الأخرى. وهذا لا يعني التنسيق الذي يمس الاستقلال، وإنما التنسيق الذي يمنع الفجوات المؤسسية.

من القضايا التي تستحق التأمل في مسار بناء الدولة المغربية الحديثة ظاهرة التردد المؤسساتي. قد تكون المؤسسة مخولة قانوناً لاتخاذ القرار، لكنها لا تشعر دائماً بالثقة الكافية لاستعمال سلطتها. فتظهر ثقافة غير مكتوبة: انتظر الإشارة من الأعلى. لا أحد يريد أن يكون صاحب المبادرة الأولى، ولا أحد يريد أن يتحمل وحده كلفة قرار قد يثير خلافاً أو مساءلة. والنتيجة ليست غياب القرار، وإنما بطء القرار وارتفاع كلفته. لكن هذه الظاهرة لا تخص الإدارة وحدها. يمكن أن تظهر أيضاً في العلاقة بين المؤسسات الدستورية والفاعلين المهنيين.

المؤسسة التي لا تثق في الفاعل تميل إلى مزيد من الرقابة. والفاعل الذي لا يثق في المؤسسة يميل إلى الضغط الخارجي بدل الحوار المؤسساتي. فتنشأ دائرة مغلقة: ضعف الثقة يؤدي إلى مزيد من الاحتياط وهذا بدوره يقود إلى مزيد من الرقابة مما ينتج ضعف المبادرة المؤدية إلى تغذية المزيد من الاحتقان. وهذا يناقض جوهر الحكامة القائمة على وضوح المسؤوليات واستقلالية القرار وتحمل نتائجه. إن الدولة القوية ليست الدولة التي ينتظر فيها الجميع الإشارة من الأعلى. الدولة القوية هي التي تكون مؤسساتها قادرة على استعمال صلاحياتها وتحمل نتائج قراراتها.

قانون المحاماة يكشف الفرق بين الامتثال والتملك

هذه، في تقديري، إحدى أهم الزوايا التي ينبغي أن نقرأ من خلالها الأزمة. الامتثال ليس هو التملك. الامتثال يعني أن الفاعل يلتزم لأن القانون ملزم. أما التملك فيعني أن الفاعل أصبح يرى النظام الجديد جزءاً من قواعد عمله، وقادراً على تشغيله وتطويره والدفاع عن نجاحه. ومن خلال استمرار احتجاج المحامين، يمكن استنتاج وجود فجوة في التملك، بصرف النظر عن التقييم الموضوعي لكل اعتراض من اعتراضاتهم.

قد تكون بعض الاعتراضات ذات طبيعة مصلحية أو مهنية. وقد تكون لبعضها أبعاد دستورية أو مؤسساتية جدية. لكن المهم من زاوية الحكامة هو أن مقاومة الفاعلين المهنيين تعني أن الإصلاح لم يتحول بعد إلى قاعدة عمل مشتركة. وهذه الفجوة لا يمكن علاجها بالقانون وحده. لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول مفهوم التملك إلى حق فيتو مهني على التشريع.

المحاماة مهنة ذات وظيفة دستورية واجتماعية حساسة، والدفاع عن استقلالها مشروع وضروري. لكن الاستقلال ليس مرادفاً للحصانة من التنظيم. والتنظيم ليس مرادفاً للسيطرة. كما أن إشراك المهنة لا يعني منحها سلطة تشريعية موازية. فالبرلمان هو صاحب الاختصاص التشريعي، والحكومة مسؤولة عن السياسة العمومية، والقانون بعد استكمال مساره الدستوري يصبح ملزماً للجميع. لذلك لا يمكن أن تكون المعادلة: إما أن توافق المهنة على القانون، وإما أن القانون غير شرعي. لكن المعادلة المقابلة: بما أن البرلمان صادق والمؤسسة الملكية أصدرت القانون، فقد انتهت الحاجة إلى الحوار. هي معادلة ليست صحيحة أيضاً. لماذا؟ لأن هذا المنطق يختزل الحكامة في الشرعية القانونية الشكلية. والشرعية القانونية شرط أساسي، لكنها ليست وحدها معيار نجاح الإصلاح. القانون حتى لو كان صحيحاً من الناحية الشكلية، مع ذلك يفشل في إنتاج النتائج التي استهدفها.

لكن التملك يحتاج إلى الثقة

بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية، انتقل مركز الثقل من التشريع إلى التنفيذ. وهنا تبدأ المرحلة الأصعب. السؤال لم يعد: هل سيصدر القانون؟ بل: كيف سيتم تشغيله؟ كيف ومن سيعد النصوص التطبيقية؟ كيف ستفسر المقتضيات الجديدة؟ كيف ستتعامل معها مجالس الهيئات؟ كيف ستطبقها المحاكم؟ كيف ستتعامل الإدارة معها؟ كيف ستعالج الحالات الانتقالية؟ وكيف ستسوى النزاعات التي ستظهر عند التطبيق؟

ولعل هذه هي المرحلة التي تفشل فيها كثير من الإصلاحات. فإصدار النص أسهل من بناء القدرة المؤسساتية على تشغيله. ولهذا فإن نجاح القانون لن يحدد فقط في الجريدة الرسمية، وإنما في الممارسة اليومية التي ستنشأ بعد الجريدة الرسمية.

لا يمكن توقع أن يطبق الفاعلون إصلاحاً جديداً بكفاءة إذا كانوا يعتبرونه موجهاً ضدهم أو مفروضاً عليهم من خارجهم. لكن الثقة لا تعني أن تتخلى الدولة عن سلطتها. الثقة تعني أن يكون لكل طرف موقع واضح:

الدولة تضع القواعد العامة وتضمن المصلحة العامة.

المهنة تساهم في التنفيذ وتتحمل مسؤوليتها.

القضاء يفسر ويطبق القانون.

البرلمان يراقب ويقيّم.

المحكمة الدستورية تحرس الحدود الدستورية.

المؤسسات الرقابية تمارس اختصاصاتها باستقلالية وفعالية.

بهذه الطريقة يتحول الخلاف من: من يربح؟ إلى: كيف نجعل المنظومة تعمل بفعالية؟ وهذا التحول هو جوهر الحكامة.

المؤسسة الملكية والقيادة الاستراتيجية

من الضروري، في هذا السياق، الحذر من قراءة الأمر الملكي بتنفيذ القانون باعتباره انحيازاً إلى طرف ضد آخر. الأدق دستورياً أن المؤسسة الملكية تدخلت في المرحلة التي يحددها الدستور لاستكمال المسار التشريعي، بعد صدور قرار المحكمة الدستورية. لكن الواقعة تفتح نقاشاً أعمق حول معنى قوة الدولة. هل الدولة القوية هي التي تنتظر فيها المؤسسات دائماً توجيهاً من الأعلى؟ أم أن قوة الدولة تكمن في أن تكون مؤسساتها قادرة على اتخاذ القرارات داخل اختصاصاتها وتحمل نتائجها؟ القيادة الاستراتيجية في القمة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن المبادرة في المستويات الأخرى. بل يمكن أن تكون وظيفتها، في الدولة الحديثة، تحرير المؤسسات من التردد، لا جعلها أكثر اعتماداً على الإشارة من أعلى. وهذا يقتضي التمييز بين القيادة الاستراتيجية وبين الإدارة اليومية للتفاصيل.

البرلمان والمحكمة الدستورية أمام درس للتعلم

تكشف قضية قانون المحاماة وظيفة أخرى للبرلمان لا تحظى بما يكفي من الاهتمام: التقييم اللاحق للتشريع. فالمسار البرلماني لا ينبغي أن ينتهي عند: مشروع فمناقشة ثم تصويت. بل يجب أن يصبح: مشروع فتشريع مرورا بالتنفيذ والتقييم وانتهاء بالتصحيح. وهنا يمكن لقضية قانون المحاماة أن تكون مناسبة لتطوير ثقافة تشريعية جديدة. بعد سنة أو سنتين، ينبغي أن يكون السؤال: أمام التشكيلة البرلمانية الفائزة في الانتخابات، هل تحسنت جودة المهنة؟ هل تحسن الولوج إلى العدالة؟ هل تحسنت الحكامة المهنية؟ هل انخفض النزاع؟ هل تحسنت علاقة المواطن بالمحامي والقضاء؟ هل تحققت الأهداف التي من أجلها شرع القانون؟ وإذا لم تتحقق، فما الذي ينبغي تعديله؟ هذه هي البرلمانية الحديثة القائمة على التعلم من الأثر.

أما قرار 277/26 الصادر عن المحكمة الدستورية فيمكن أن يبقى مجرد واقعة إجرائية. كما يمكن، في المقابل، أن يتحول إلى درس مؤسساتي. فإذا أدى إلى تطوير آليات إعداد الإحالات الدستورية والتثبت من النصوص النهائية وتدقيق الملفات، فإنه يكون قد ساهم بصورة غير مباشرة في تحسين الحكامة الدستورية. أما إذا بقي النقاش محصوراً في تحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك، فإن الواقعة لن تتحول إلى تعلم مؤسساتي. وهنا أعود إلى قناعة أعتبرها أساسية في الحكامة: المؤسسات الناضجة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، وإنما أيضاً بقدرتها على التعلم من القرار والخطأ والنتيجة. المحكمة لم تكن مطالبة بتصحيح خطأ الإحالة. لكن المنظومة المؤسساتية برمتها تستطيع أن تتعلم من الواقعة.

مخاطر الخلط بين الحسم القانوني وفعالية المنظومة المؤسساتية

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نخلط بين "الانتصار القانوني" المزعوم و"النجاح المؤسساتي" المأمول. قد تقول الحكومة، وبحق، إن القانون استكمل مساره الدستوري وأصبح نافذاً. وقد يقول المحامون، من زاوية أخرى، إن معركتهم لم تكن فقط حول صدور القانون، وإنما حول مضمونه وآثاره على استقلال المهنة وشروط ممارسة الدفاع. والحقيقتان يمكن أن تجتمعا. فالدولة قد تقول إنها حققت حسما قانونياً، والمحامون قد يقولون إنهم حققوا تعبئة مهنية قوية، ومع ذلك قد لا تكون المنظومة المؤسساتي قد حققت نجاحاً. النجاح المؤسساتي لا يقاس بمن ربح هذه الجولة أو تلك. بل بقدرة المنظومة المؤسساتية الجديدة على العمل وبفعالية. فإذا أدى القانون إلى مزيد من النزاع والتعطيل وانعدام الثقة، فسيكون من المشروع طرح سؤال حول جودة الحكامة التي أحاطت بإنتاجه وتنفيذه، حتى لو كان صحيحاً من حيث الشرعية. وفي المقابل، إذا حافظ المحامون على استقلال المهنة لكنهم عجزوا عن تقديم بديل مؤسساتي واضح وقابل للتطبيق، فإن مقاومتهم ستظل دفاعاً عن وضع قائم أكثر منها مشروعاً لإصلاحه.

القراءة الموضوعية للأزمة تقتضي ألا تتحمل السلطة التنفيذية وحدها المسؤولية. المحاماة مهنة ذات وظيفة دستورية واجتماعية بالغة الحساسية، والدفاع عن استقلالها مشروع. لكن الاستقلال يفترض أيضاً المسؤولية. والاحتجاج المهني مشروع في حدوده، لكن استمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية يمس في النهاية مصالح متقاضين قد لا تكون لهم علاقة مباشرة بالخلاف بين الوزارة والمهنة. ولهذا فإن قوة الموقف المهني ستزداد كلما استطاع المحامون الانتقال من: نرفض القانون إلى: نقترح كيف ينبغي أن يكون القانون وكيف ينبغي أن يطبق. أي الانتقال من المقاومة إلى إنتاج البديل.

قد يبدو قانون المحاماة شأناً مهنياً خاصاً. لكنه في الحقيقة جزء من منظومة أوسع تشمل القضاء والنيابة العامة والمساعدة القضائية والرقمنة وحقوق الدفاع والولوج إلى العدالة والحكامة المهنية والجباية والثقة في المؤسسات. ولهذا فإن إصلاح جزء واحد من المنظومة قد ينتج اختلالاً في جزء آخر إذا لم يؤخذ الترابط بين مكونات النظام بعين الاعتبار. وهنا تظهر أهمية التفكير النسقي. فإصلاح المحاماة لا ينبغي أن يُقاس فقط بمصلحة المهنة أو بمصلحة الإدارة، وإنما بموقعه داخل سلسلة العدالة كلها. والسؤال النهائي هو: هل سيجعل الإصلاح المواطن أكثر قدرة على الوصول إلى عدالة جيدة وفعالة ومستقلة؟

ما الذي تقوله لنا قضية قانون المحاماة عن الدولة المغربية؟

قد يعود المحامون إلى العمل بعد تسوية أو تفاوض. لكن عودة العمل لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمة. الاستدامة تعني أن يتحول الإصلاح إلى ممارسة مستقرة، وأن تتطور قواعد التعامل بين الدولة والمهنة إلى قواعد ثقة مؤسساتية لا تتوقف على الأشخاص أو الظرفيات. وفي تقديري، يتطلب ذلك ثلاثة شروط أساسية:

1- وضوح القواعد: كلما ترك النص مناطق رمادية واسعة، ازدادت السلطة التقديرية وازدادت احتمالات النزاع.

2- المشاركة في التنفيذ: ليس بمعنى منح المهنة سلطة تشريعية، وإنما إشراكها في إعداد النصوص التطبيقية والتدابير العملية التي تمس صميم الممارسة.

3- التقييم والتصحيح: ينبغي أن توجد آلية حقيقية لتقييم أثر القانون بعد دخوله حيز التنفيذ، بدل انتظار نشوب أزمة جديدة. هذه المبادئ هي التي تحول الإصلاح من قرار قانوني إلى سياسة عمومية قابلة للاستمرار.

ربما يكون الاستنتاج الأكثر إنصافاً هو أن المغرب ليس أمام دولة عاجزة عن إنتاج القواعد. بل أمام دولة تحتاج، أكثر فأكثر، إلى تطوير قدرتها على إدارة التعقيد بعد إنتاج القواعد. فالسلطة التنفيذية قادرة على التشريع. والبرلمان قادر على التصويت. والمحكمة الدستورية قادرة على اتخاذ القرار. والمؤسسة الملكية قادرة على استكمال المسار الدستوري. والمؤسسات الرقابية قادرة، كل في مجال اختصاصه، على ممارسة الرقابة. لكن التحدي الجديد هو: كيف نجعل هذه القدرات تعمل في منظومة واحدة تنتج التحول بأقل قدر من الاحتكاك وبأكبر قدر من الثقة؟ وهنا تكتسب قضية قانون المحاماة أهميتها الحقيقية. إنها ليست فقط أزمة قانون المحاماة. إنها صورة مصغرة لمشكلة أكبر: المسافة بين هندسة الإصلاح والقدرة على تحويله إلى ممارسة مستقرة.

قد يكون من السهل إعلان انتهاء معركة قانون المحاماة يوم نشره في الجريدة الرسمية. لكن من منظور الحكامة، ذلك اليوم ليس نهاية المعركة؛ بل بداية الاختبار الحقيقي. لقد اكتمل الإطار القانوني، لكن التحول المؤسساتي لم يكتمل بالضرورة. فالمرحلة المقبلة ستختبر أربع حلقات مترابطة: التنفيذ العملي، ثم الامتثال، ثم التملك، ثم الاستدامة. وفي كل مرحلة سيطرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل تستطيع الدولة أن تنفذ دون أن تتحول إلى دولة آمرة فقط؟ هل تستطيع المهنة أن تدافع عن استقلالها دون أن تجعل المتقاضي رهينة لنزاعها؟ هل يستطيع البرلمان أن ينتقل من إنتاج النص إلى تقييم أثره؟ هل تستطيع المحكمة الدستورية أن تجعل الوقائع الإجرائية مدخلاً إلى تراكم في الحكامة الدستورية؟ هل تستطيع الحكومة أن تنتقل من فرض الإصلاح إلى قيادة تنفيذه؟ وهل ستظل المؤسسة الملكية، في إطار موقعها الدستوري، حاملة للرؤية والتوازنات الاستراتيجية، بينما تصبح المؤسسات الأخرى أكثر قدرة على المبادرة وتحمل المسؤولية داخل اختصاصاتها؟

هذه الأسئلة ليست خاصة بقانون المحاماة. وهي أيضاً ما يفسر اهتمامي، في نقاشات سابقة، بقضايا الرقابة المالية والدستورية وبموقع مؤسسات الرقابة والحكامة في بناء دولة القانون والمؤسسات. ففي النهاية، النص والرقابة والتنفيذ والمسؤولية ليست عوالم منفصلة. القانون يضع القاعدة. الرقابة تختبر احترامها. المؤسسة تنفذها. الفاعل يتملكها. والتقييم يكشف أثرها. ثم يأتي التصحيح عندما لا تتحقق النتائج. وهذه هي، في تقديري، النقلة التي يحتاجها التفكير في الإصلاح بالمغرب: الانتقال من تصور الدولة باعتبارها منتجاً للنصوص إلى تصورها باعتبارها منتجاً للتحول. الدولة القوية ليست الدولة التي تفعل كل شيء، وإنما الدولة التي تعرف ما يجب أن تفعله، وتملك القدرة على التنفيذ، وتترك للفاعلين الآخرين مجالاً حقيقياً للفعل، وتربط الاستقلال بالمسؤولية، والسلطة بالمساءلة، والقرار بالتقييم. والمجتمع القوي ليس المجتمع الذي يرفض كل تغيير، وإنما المجتمع القادر على المشاركة في صنعه ونقده وتملكه وتطويره. والمؤسسات القوية ليست المؤسسات التي لا تخطئ، وإنما المؤسسات التي تتعلم من أخطائها وتصحح مساراتها.

ختاما

لن يكون المعيار الحقيقي للحكم على قانون المحاماة في نهاية المطاف: من انتصر، الدولة أم المحامون؟ بل: هل استطاعت هذه الأزمة أن تدفع الدولة والمهنة والبرلمان وبقية مؤسسات العدالة إلى بناء علاقة أكثر نضجاً بين السلطة والاستقلال، وبين التنظيم والتملك، وبين القرار والمسؤولية؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن الأزمة، رغم كلفتها، يمكن أن تتحول إلى فرصة للتعلم المؤسساتي. أما إذا انتهت فقط إلى عودة اضطرارية للعمل، أو إلى استمرار الصراع بأشكال أخرى، أو إلى إنتاج نصوص جديدة لتجاوز نصوص سابقة، فإننا سنكون أمام إصلاح قانوني جديد لم ينتج بالضرورة التحول المؤسسي المنشود.

وهنا تكمن المسألة الأعمق: التحدي لم يعد أن ننتج نصوصاً جديدة للدولة، وإنما أن ننتج دولة قادرة على تحويل القانون إلى مؤسسات تعمل، والمؤسسات إلى ثقة، والثقة إلى نتائج، والنتائج إلى تحول مستدام. ذلك، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي للحكامة في بلادنا.