تحليل

وقف صفقة السلاح يسقط عن قطر القناع

فيصل مرجاني (ناشط جمعوي، رئيس “جمعية التعايش”)

لم تكن السياسة القطرية تجاه إسرائيل، طوال السنوات الماضية، مجرد تناقض بين خطاب سياسي وممارسة دبلوماسية، لقد كانت جزءا من سياسة خارجية قامت على توظيف الازدواجية باعتبارها أداة للنفوذ والمناورة، بحيث حرصت الدوحة على تقديم نفسها، في المجال الإعلامي والسياسي، باعتبارها من أكثر العواصم صداما مع إسرائيل، في الوقت الذي أبقت فيه قنوات اتصال وتعاون معها، بما في ذلك مجالات ذات طبيعة أمنية ودفاعية وتكنولوجية، فمن الصعب فهم هذا السلوك باعتباره مجرد تناقض عفوي؛ لأن السياسة القطرية اعتمدت، بصورة متكررة، على الجمع بين خطاب علني شديد العداء لإسرائيل وبين علاقات وظيفية معها في الخفاء، بما يسمح للدوحة بتحقيق مكاسب سياسية من الطرفين في آن واحد: أولهما، المحافظة على صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي، وثانيهما، إبقاء قنواتها مفتوحة مع إسرائيل والقوى الغربية، ولم يكن احتضان قيادات حماس، ولا الاستثمار الواسع في الخطاب الإعلامي المناهض لإسرائيل، ولا الدور الذي لعبته قناة الجزيرة في إنتاج وتكريس سرديات سياسية معادية لها، منفصلا عن هذه المنظومة، فقد أصبح الإعلام، إلى جانب المال والوساطة واستضافة الفاعلين السياسيين، جزءا من أدوات السياسة الخارجية القطرية، بينما ظل التواصل مع إسرائيل قائما عندما تقتضي المصلحة ذلك، هنا بالذات، تحولت الازدواجية من مجرد سلوك دبلوماسي إلى منهج سياسي يقوم على الفصل بين الخطاب والممارسة، وبين ما يقدم للجمهور وما يدار في الغرف المغلقة.

غير أن المشكلة الجوهرية في هذا النموذج لا تكمن في وجود تناقض بين المصالح والخطاب، فهذا أمر معروف في العلاقات الدولية، وإنما في تحويل التناقض نفسه إلى قاعدة ثابتة للسياسة الخارجية، فالدولة تستطيع أن تتعامل مع خصومها، وأن تفتح قنوات اتصال معهم، وأن تتفاوض معهم، ولكنها عندما تجعل من خطاب العداء أداة لتعبئة الرأي العام، وفي الوقت نفسه تستخدم التعاون السري للحصول على مكاسب استراتيجية، فإنها تدخل في بنية سياسية معرضة للانكشاف بمجرد تغير الظروف، وهذا ما بدأ يتجلى بصورة أكثر وضوحًا بعد السابع من أكتوبر 2023، فقد أعادت عملية حماس الإرهابية تعريف البيئة الأمنية الإسرائيلية، وأصبح وجود قيادة الحركة في الدوحة، والعلاقة القطرية معها، والإمكانات الإعلامية والسياسية التي وفرتها لها قطر، جزءا من الحسابات الأمنية الإسرائيلية بصورة أكثر مباشرة، وما كان يمكن التعامل معه قبل ذلك باعتباره قناة اتصال أو ورقة وساطة أصبح بعد السابع من أكتوبر مرتبطا ببنية تهديد أوسع، من تلك اللحظة، بدأت حدود السياسة القطرية في الظهور؛ إذ لم يعد من السهل الفصل بين قطر باعتبارها «وسيطا» وقطر باعتبارها الدولة التي تستضيف قيادة سياسية لحركة مسلحة تخوض حربا مع إسرائيل، لقد أصبح الدور الذي كانت الدوحة تستخدمه لتبرير وجودها في قلب الأزمة نفسها عنصرا في الأزمة ذاتها، وتحولت الوساطة من مصدر حصانة سياسية إلى مصدر جدل أمني متزايد.

الأمر الذي جعل المواجهة مع قناة الجزيرة أحد المؤشرات المبكرة على هذا التحول، فالإعلام القطري لم يكن مجرد منصة إعلامية مستقلة عن السياسة الخارجية للدوحة في نظر خصومها، بل أصبح جزءا من الصراع في تشكيل الرأي العام والسردية السياسية في المنطقة، لذلك اتخذت إسرائيل، بعد السابع من أكتوبر، إجراءات أكثر صرامة تجاه الجزيرة، وأغلقت مكتبها في إسرائيل في ماي 2024 بموجب قانون يسمح للسلطات باتخاذ إجراءات ضد وسائل إعلام أجنبية تعتبرها تهديدا للأمن القومي، لكن التحول الأكثر أهمية لم يكن إعلاميا وإنما أمنيا، وبلغ ذروته عندما استهدفت إسرائيل في شتنبر 2025 مقر قيادة حماس في الدوحة، فقد مثلت العملية، بصرف النظر عن نتائجها العسكرية، رسالة سياسية شديدة الوضوح: الجغرافيا القطرية لم تعد قادرة على توفير الحصانة التي افترضتها الدوحة طويلا لقيادات حماس، بحيث تجاوزت إسرائيل إحدى أهم قواعد التعامل السابقة مع قطر، وأظهرت أن الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية أصبحت أكثر أهمية من المحافظة على المساحة الرمادية التي سمحت للدوحة لسنوات بلعب أدوار متناقضة في الوقت نفسه، ومن هنا يمكن فهم التحول في النظرة الإسرائيلية إلى قطر: لم تعد الدوحة مجرد قناة اتصال مفيدة، وإنما أصبحت أيضا مصدرا محتملا للمخاطر، خصوصا عندما تتداخل علاقاتها السياسية والإعلامية مع حركة تعتبرها إسرائيل جزءا من منظومة التهديد.

كما تزداد أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بالتعاون الدفاعي والتكنولوجي، فالتعاون الأمني ليس تجارة عادية، والتكنولوجيا الدفاعية ليست سلعة محايدة؛ لأنها ترتبط بدرجة من الثقة السياسية والاستراتيجية بين الدول، وعليه، فإن وقف إسرائيل إمداد قطر بأسلحة أو تقنيات دفاعية، هو ذو دلالة تتجاوز القيمة المالية للعقود، فالمسألة في جوهرها تتعلق بإعادة تعريف قطر داخل الحسابات الأمنية الإسرائيلية: من طرف يمكن التعامل معه والاستفادة من قنواته، إلى طرف يستوجب التعامل معه من زاوية المخاطر، وهنا تحديدا تبدأ الدوحة في دفع ثمن الازدواجية التي بنت عليها جزءا من سياستها الخارجية، فالدولة التي تريد أن تقدم نفسها علنا باعتبارها رأس حربة في مواجهة إسرائيل، ثم تستفيد في الوقت نفسه من التقنيات والعلاقات الإسرائيلية عندما تقتضي مصالحها ذلك، تفترض ضمنيا أن الطرف الآخر سيقبل إلى ما لا نهاية بهذا الفصل بين الخطاب والمصلحة، غير أن الدول لا تدير أمنها القومي وفق الخطابات، وإنما وفق تقدير المخاطر، فحين تتغير طبيعة التهديد، يصبح التعاون الذي كان مقبولا في مرحلة سابقة قابلا لإعادة النظر، وهكذا يتحول ما كان بالنسبة إلى قطر وسيلة للاستفادة من التناقض إلى نقطة ضعف عندما يقرر الطرف الآخر أن التناقض لم يعد مقبولا.

لقد حاولت الدوحة، في مراحل مختلفة، إعادة ضبط صورتها السياسية أمام الأطراف المختلفة، بما في ذلك اتخاذ خطوات مرتبطة بإبعاد أو تقليص وجود بعض قيادات حماس، لكن المشكلة أن السياسة الدولية لا تقاس فقط بالخطوات المنفردة، وإنما بتراكم السلوك وبالصورة الاستراتيجية التي تشكلت عبر سنوات، فالدولة التي تستضيف جماعة مسلحة، وتمنحها مساحة سياسية وإعلامية، وتقدم نفسها في الوقت نفسه باعتبارها وسيطا، لا تستطيع محو هذا التناقض بمجرد تعديل بعض عناصر سياستها عندما تتغير الظروف، وبالتالي، فإن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بما تفعله قطر اليوم، وإنما بما راكمته من أدوار ومواقف خلال السنوات السابقة، لقد اعتمدت الدوحة على المال والإعلام والوساطة واستضافة القوى السياسية المختلفة لتعويض محدودية وزنها الجغرافي والعسكري، واستخدمت هذه الأدوات للتدخل في ملفات إقليمية تتجاوز حجمها الطبيعي، وقد ظهر ذلك بوضوح خلال ما سمي بـ«الربيع العربي»، عندما لعبت قطر دورا سياسيا وإعلاميا وماليا في دعم قوى وحركات مختلفة، وساهمت قناة الجزيرة في إنتاج سرديات سياسية منحت بعض هذه القوى مساحة واسعة من الشرعية والتأثير، ولم يكن ذلك مجرد نشاط إعلامي أو دبلوماسي منفصل، بل كان جزءا من محاولة لإعادة تشكيل المجال السياسي في المنطقة وفق توازنات جديدة تخدم النفوذ القطري، والمشكلة في هذا النوع من السياسة أن الدولة التي تستثمر في الحركات والجماعات والاضطرابات من أجل توسيع نفوذها لا تستطيع دائما التحكم في نتائج ما ساهمت في إنتاجه، فالفاعلون غير الدولتيين لا يبقون أدوات ثابتة، والفوضى التي يمكن توظيفها في مرحلة معينة قد تتحول لاحقا إلى تهديد إقليمي يصعب احتوائه.

تبعا لذلك، إن السياسة القطرية خلال مرحلة الربيع العربي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد نجاح دبلوماسي لدولة صغيرة، وإنما باعتبارها جزءا من سياسة توظيف للسيولة السياسية والأمنية في المنطقة من أجل توسيع مجال النفوذ القطري، فقد استخدمت الدوحة ثروتها المالية وإمكاناتها الإعلامية وعلاقاتها السياسية للتأثير في مسارات دول عربية مضطربة، في الوقت الذي كانت فيه دول أخرى تدفع الثمن تجاه أوضاعها الأمنية والسياسية والاجتماعية الهائلة نتيجة هذه التحولات، لذلك، فإن الحديث عن قطر باعتبارها مجرد وسيط محايد يتجاهل طبيعة الأدوار التي مارستها بالفعل، لأن الوساطة في هذا الإطار تصبح محل إشكال عندما يكون الوسيط نفسه طرفا في إنتاج البيئة السياسية التي يحاول لاحقا التوسط داخلها، وهذه إحدى المفارقات الأساسية في التجربة القطرية: أن الدوحة حاولت الاستفادة من الفوضى بوصفها مصدرا للنفوذ، ثم وجدت نفسها لاحقا أمام منطقة أكثر اضطرابا وأقل استعدادا لقبول سياسة المناورة المفتوحة.

فالشرق الأوسط اليوم يدخل مرحلة مختلفة تماما عن البيئة التي سمحت لهذا النموذج بالازدهار لأن المنطقة لم تعد تتحرك فقط وفق منطق الاستقطاب الأيديولوجي والإعلامي، وإنما تتجه بصورة متزايدة نحو بناء شبكات ردع وشراكات أمنية وعسكرية أكثر وضوحا، في هذا السياق يأتي التعاون السعودي–التركي–الباكستاني بوصفه مؤشرا مهما على التحول الجاري في بنية الأمن الإقليمي، كون الاتفاق الدفاعي الثلاثي الذي أُعلن في غشت 2026، والقائم على اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعا، يعكس انتقالا من مجرد التعاون العسكري إلى تصور أكثر مؤسسية للأمن المشترك، وهذه التطورات تكشف حقيقة أساسية حاولت بعض دول المنطقة تجاهلها طويلا: البترودولار يستطيع شراء السلاح، لكنه لا يستطيع شراء الاستقرار بصورة دائمة. فامتلاك الترسانة لا يعني امتلاك الردع، وامتلاك التكنولوجيا لا يعني امتلاك العمق الاستراتيجي، والإنفاق العسكري لا يتحول تلقائيا إلى أمن قومي، فالأمن الحقيقي يحتاج إلى شبكة تحالفات، وإلى تكامل عسكري، وإلى ثقة سياسية، وإلى قدرة على توزيع المخاطر بين مجموعة من الدول، وعلى هذا الأساس، فإن الفرق بين قطر وبعض القوى الإقليمية الأخرى لا يكمن فقط في حجم القوات أو قيمة الترسانة، وإنما في طبيعة البنية الأمنية التي تحيط بكل دولة.

في الواقع، السعودية تمتلك عمقا جغرافيا ووزنا اقتصاديا وسياسيا كبيرا في الخليج والعالم العربي، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متقدمة وقدرات بشرية وعملياتية واسعة، وباكستان تمتلك ثقلا عسكريا واستراتيجيا كبيرا؛ وعندما تتقاطع هذه العناصر داخل إطار دفاعي مشترك، فإنها تنتج قدرة ردعية لا يمكن اختزالها في مجموع الأسلحة التي تمتلكها كل دولة على حدى، وهذه النقطة مهمة لفهم مأزق قطر، لأن الدوحة تمتلك المال والقدرات الدفاعية والعلاقات الدولية، لكنها لا تمتلك الوزن الجغرافي أو التحالفات العسكرية الإقليمية التي تسمح لها بتحويل هذه الموارد إلى منظومة أمنية مستقلة، علاقة بهذا، يظل اعتمادها المفرط على شراء الأمن وعلى شبكة العلاقات المتناقضة أكثر هشاشة كلما اتجهت المنطقة نحو بناء تحالفات أمنية مؤسسية، فالدولة التي كانت قادرة على إبقاء قنواتها مفتوحة مع واشنطن وطهران وأنقرة وحماس وإسرائيل في الوقت نفسه تجد نفسها أمام بيئة جديدة تتطلب تعريفا أكثر وضوحا للمصالح والتهديدات، كما لم يعد الأمر بتلك البساطة، مسألة «من مع إسرائيل ومن ضدها»، وإنما أصبحت مسألة تتعلق بمن يستطيع الاندماج في النظام الأمني الإقليمي الجديد، ومن سيبقى على هامشه.

وفقا لذلك، فإن قطر تواجه اليوم مأزقا يتجاوز علاقتها بإسرائيل أو حماس أو الجزيرة، إنها تواجه مأزق نموذج سياسي كامل، فقد قامت استراتيجيتها على الاعتقاد بأن الدولة الصغيرة تستطيع تعويض غياب القوة الصلبة عبر امتلاك أكبر عدد ممكن من الأوراق المتناقضة: المال، والإعلام، والوساطة، والعلاقات مع الخصوم، واستضافة الجماعات السياسية، والتواصل مع القوى الكبرى، والتعاون السري مع الأطراف التي تهاجمها علنا، لكن هذه المعادلة لا تعمل إلا في بيئة تسمح بالسيولة الاستراتيجية والغموض، أما عندما تنتقل المنطقة إلى مرحلة أكثر صرامة في تعريف التحالفات ومصادر التهديد، فإن الغموض نفسه يتحول إلى عبء، وهذا ما يفسر أن بعض الدول العربية والإقليمية اختارت، رغم خلافاتها العميقة مع إسرائيل، الانتقال من خطاب العداء المطلق إلى إدارة العلاقة معها عبر قنوات رسمية ومؤسساتية، بينما أصرت قطر على الاحتفاظ بالمساحة الرمادية: عداء معلن وتعاون وظيفي في الخفاء، لكن هذه المساحة تحديدا هي التي بدأت تضيق؛ لأن إسرائيل نفسها باتت تتعامل مع المنطقة من منظور أمني أكثر صرامة بعد السابع من أكتوبر، ولأن دولا أخرى في المنطقة بدأت في بناء منظومات أمنية لا تقوم على الشعارات وإنما على الردع والتحالف والتكامل العسكري.

على هذا المنوال، تتضح المفارقة النهائية في السياسة القطرية: ما قدمته الدوحة طويلا باعتباره استقلالية في القرار، يمكن أن يتحول إلى عزلة استراتيجية إذا لم يكن مدعوما بتحالفات صلبة؛ وما قدمته باعتباره قدرة على التوسط بين الخصوم، يمكن أن يتحول إلى أزمة ثقة إذا أصبح الوسيط نفسه جزءا من بنية النزاع؛ وما استخدمته من خطاب إعلامي للتحريض على إسرائيل يمكن أن يفقد قيمته عندما تنتقل إسرائيل من الرد على الخطاب إلى إعادة تقييم العلاقة الأمنية مع الدولة التي تنتجه؛ وما بنته من علاقات مع جماعات سياسية يمكن أن يتحول إلى عبء عندما تصبح هذه الجماعات نفسها جزءا من تعريف التهديد لدى القوى الإقليمية والدولية، زيادة على ذلك، قطر لا تواجه اليوم أزمة نتيجة ضعف مواردها، وإنما نتيجة سوء توظيف قوتها وتحول الازدواجية من أداة نفوذ إلى مصدر للمخاطر، لقد استطاعت الدوحة أن تستفيد طويلا من تناقضات المنطقة، لكنها لم تستطع أن تمنع المنطقة من إعادة تشكيل نفسها بطريقة تجعل تلك التناقضات أكثر تكلفة.

إن المأزق القطري، في جوهره، هو مأزق دولة حاولت أن تعوض غياب الوزن الجيوسياسي الطبيعي بزيادة نفوذها السياسي إلى أقصى حد، دون أن تبني في المقابل بنية أمنية تتناسب مع حجم الأدوار التي دخلت فيها. ولهذا فإن التحول الإسرائيلي تجاهها، في ملف التعاون الدفاعي، لا ينبغي قراءته باعتباره حادثة منفصلة، وإنما باعتباره أحد مظاهر التحول الأوسع في التعامل مع الدوحة، فإسرائيل التي كانت تستفيد من قنوات الاتصال القطرية أصبحت أكثر استعدادا للتعامل مع قطر من منظور المخاطر، والمنطقة التي كانت تسمح للدوحة بالتحرك بين المتناقضات بدأت تتجه نحو تحالفات أمنية أكثر صراحة، والدول التي كانت تتعامل مع الخطاب القطري باعتباره جزءا من المنافسة السياسية أصبحت أكثر اهتماما ببناء ترتيبات أمنية قادرة على حماية مصالحها بعيدا عن تلك الخطابات.

كما تجدر الإشارة، إلى أن السياسة التي قامت على قاعدة «العداء في العلن والتعاون في الخفاء» وصلت إلى مرحلة اختبار حقيقية، اليوم، فالازدواجية قد تمنح الدولة مساحة للمناورة لفترة من الزمن، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التحالفات، ولا تستطيع أن تنتج ردعا دائما، ولا يمكنها أن تمنح دولة صغيرة عمقا استراتيجيا غير موجود في جغرافيتها، فعندما تتغير البيئة الأمنية، يصبح ما كان بالأمس مصدر قوة اليوم مصدر شك، وما كان وسيلة للنفوذ يصبح سببا في فقدان الثقة، ومن هنا تجد قطر اليوم نفسها تقف أمام نتيجة منطقية لسياسة اعتمدت طويلا على إدارة التناقضات: حين تصبح التناقضات نفسها مكشوفة، وحين يتغير ميزان المخاطر، تتحول سياسة اللعب على جميع الأطراف من مصدر قوة إلى مأزق جيوسياسي وأمني، فالشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم يبدو أقل استعدادا لمكافأة هذه السياسة، وأكثر ميلا إلى معادلة مختلفة قوامها التحالفات الواضحة، والردع المتبادل، والتكامل الأمني، والاستقرار القائم على القوة المؤسسية وليس على إدارة الأزمات والتناقضات.