ورقة محينة في ذكرى رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير: سميح القاسم الذي غادر دنيانا في مثل هذا الشهر، في 19 غشت. فلروحه السلام والسكينة، ولشعره البقاء والاستمرار والخلود
عندما سمع هيدغر في العام 1928 بخبر وفاة شيلّر- فيما يروي غاداميرْ- ضَمَّنَ محاضرته، فجأة، تأبينا أَنْهَاهُ بالعبارة الآتية: "إن طريقا فلسفية هوت في الظلمة". وقياسا عليه، مع بعض التعديل، أقول : " بموت سميح القاسم، يكون أسلوب مخصوص في الشعر والنشيد، قد توقف وانفرط ".
ليس سهلا أن ينشأ شاعر بالمعنى العميق والبلوري لكلمة شاعر. يتعين على المرء إذا ما اختار النشيد، واصطفى نفسه ترجمان أشواق لشعب، ولسانا ذَرٍبَا لجدارة حياتية، وكينونة وجودية إيجابية، يتعين عليه أن يسفح دمه على الأفاريز والأوراق، ويريقه على أديم المساءات، وبين ثنيات الأويقات والساعات، والأزمنة الذاهبة - الآيبة. ويتوجب من، ثَمَّ، إلى جانب موهبة يعسر تفسيرها، تحكيك المعطى الجواني، والجاهزية النفسية بالإقبال المضني على القراءة المسترسلة، والجَوْسِ خلال الثقافات والجغرافيات، والمعارف والحضارات. وقد تأتى للشاعر سميح القاسم كل ذلك وأكثر من ذلك. فقدره المقدور اصطفاه فلسطينيا، واختاره للمعاناة والمكابدة، والعذابات التي لا تنتهي. إذ قلة من ارتقوا إلى سُدَّة المعنى، وعانقوا شفق الدلالة، وغاصوا في بئر الأحزان، وتمنطقوا بالكلام، بسيد الكلام: الشعر، ليقولوا الجراحات والكلوم والأعطاب، والندوب، ليصفوا قدر شعب مقتلع، وحقيقة أرض مستباحة، وواقع تاريخ مشطوب، أو أريد له أن يشطب ويُسْحَلَ ويتعفر بالتراب، ولوثة النسيان. وسميح القاسم واحد من هذه القلة، إنه بتعبير مُسْتلَف من رفيق عمره محمود درويش: "سنديانة نبتت عليها أغاني شعراء فلسطين".. شعراء المقاومة، شعراء القضية، شعراء محنة وامتحان، واقتلاع واستئصال. وإذا كان تعبير محمود درويش ألصق ما يكون، وأدخل ما يكون علقة بسلفهما الشعري: "كريم الكرمي" المكنى ب: (أبو سلمى) = السنديانة الصلبة ذات الجذع العريض المعجز، فإنه، بالإمكان سحبه على سميح القاسم، وفي الطَّوقْ توصيفه به، إذْ هو – أيضا- سنديانة شعرية كمحمود وفدوى طوقان ومعين بسيسو، والمناصرة، وغيرهم. سنديانات غضة نبتت من سنديانات ناشبة ذات جذور وأفنان وأجنحة. أخلاف لم يخلفوا العهد ولا الوعد، أخلاف ساروا في ركاب أسلاف، فرفعوا بالشعر عرش اللغة، وأعلوا به هامة فلسطين.
ولئن ضَرَّجَ ثراها الدَّمُ.. دَمُ شعب مقتول ومطرود ومشرد، فالشعر – بدوره- ضَرَّجَ ذلك الثرى الطاهر، والفضاء القدسي، والجهات العلوية. تضريج يعقبه تضريج، كالليل يدرك النهار، والنهار يدرك الليل، والتآلف على قدم وساق من أجل أن يستمر التاريخ غضا، شديد السطوع، وتستمر المعالم، والعلائم، والبيارات، والساحات، والجبال، والأحجار، والأحراش، والتلال، والطيور، والمدن، والدساكر، والقرى والبلدات، والثقافة، حاضرة بالألق جميعه، والبريق كله. الدم يكتب التاريخ والجغرافيا، ويدب عن الحِمَى والحياض كما يدب عن الاسم والمسمى. والشعر دَمٌ حِبْري، وحِبْرٌ دموي، رذاذ أنفاس، وذوب روح، يكتب الكتاب الفلسطيني كل يوم، بل كل دقيقة وكل ثانية، يكتب الكتاب حرفا وجملة وفقرة، ونشيدا وأغنية، حرصا على الثقافة لكي تبقى مشعة، معلنة وجود شعب، وصونا للذاكرة والذكريات، من البِلَى والإقواء والامّحاء.
هو ذا دَأَبُ شعراء فلسطين، شعراء القضية، شعراء الرسالة الذين حيَّرَهُمْ منسوب الوفاء للمباشرة في التعبير، ومنسوب الجمالية والفنية التي تتطلبها القضية الشعرية، وينشدها الشعر الحق. إنها المعادلة الصعبة التي أخفق فيها الكثيرون بينما استطاعها القليلون، كمثل محمود درويش، وسميح القاسم، وعز الدين المناصرة، ومريد البرغوثي، ومحمد القيسي، وغسان زقطان، ومحمد زكريا، ووليد خازندار، وآخرين.
ولنا أن نقول في هذه الكلمة التي نرسخ فيها قدم الشاعر سميح القاسم، كواحد ذي طريقة شعرية خاصة، وتعبيرية خاصة، وغنائية شخصية، وافتتان مخصوص بالنبرة الشعرية العالية، والنأمة الأسلوبية الخافتة. بين التفعيلة "فَعُولُنْ" الضاربة طولا وعرضا في أطناب كتابته الشعرية، وبين "السربيات" التي ابتدعها ابتداعا كأن ليس لها ذاكرة ولا متكأ، وبين تطويب اسم فلسطين، واسم الشهيد، وصورة الشعر، ومخياله الحافر في الأعماق، والمشرئب إلى الآفاق، حقق سميح منجزه الشعري الكبير، منجز له الموت رفيق، وصديق. موت انكتب في الموت بحسبانه نهاية ومحوا، وبحسبانه بدءا ووعدا وحياة متجددة. ولنا أن نقول إن النقد ظلم سميحا القاسم إذ قارنه بمحمود درويش، وقايسه به، ومَعْيَرَ شعريته على شعرية رفيقه الكبير. وليس من شك في أن لكل شاعر بَصْمَتهُ وصوته واسمه، ومشروعه، ولغته، وجماليته، وكيفيات قوله وصوغه. لكل شاعر إيقاع، ورؤية ورؤيا. اللغة واحدة، والشعر طرق شتى. فبدهي أن يختلف درويش عن سميح، كما يختلف هذا الأخير عن المناصرة وعن وليد خازندار مثلا. وليس لنا أن نقول، في ظني، أن محمودا أشعر من سميح، أو سميح أشعر من محمود. لكن علينا أن نعتبر بالشعر، والشعرية المتحققة في هذا المتن، وغير المتحققة فيه. فهل، والحالة هذه، بِمُكْنَتِنا أن نقول: إن "إيلوار" –مثلا- أشعر من "أراغون"، أو إن " بْرُوتُونْ"، أشعر من "بِيرْسْ"، أو إن "بيرس" أشعر من "روني شار" أو "ميشو"، أو "بونج". وقس ذلك على الشعر الإنجليزي والأمريكي والإسباني، وهلم جَرًّا.
لقد ابتلينا عربيا وعروبيا، بالمقارنات والمقايسات، من غير تَرَوٍّ، ولا علم ولا معرفة، ولا ريب أن الفعلة هذه، أعدمت شعراء، وتوجت آخرين، صلبت مبدعا كان من حقه أن يكرز بشعره في سمع الأيام، ويسطر ما يأتيه في الكتاب، وكرست مبدعا مكانه الإهمال والتخطي، لأن "منجزه" ساقط وغير ذي طعم ولا نكهة ولا تأثير. [يستوي في ذلك المبدعون والمبدعات.. طبعا].
من هذه الزاوية، فإن "سميح القاسم"، حادي الحداة، شاعر كبير، وصوت جهير يعلو على جوقة الأقزام والصغار:
ــ نام طفل الغيوم على شرفة الليل..
نامت رياح الهزيع الأخير
على فرشة العشب منهكة
نامت القطط الضائعة
والعصافير دست مناقيرها
تحت أجنحة الليلة الوادعة
رائعة
إنها لحظة رائعة
بين قاذفة تتأهب للقصف فجرا..
ودبَّابَةٍ راجعة
إنها لحظة رائعة
تتوسد أحلامها قرية
فوق جرف الردى هاجعة.
عاشرت سميحا منذ أيام التلمذة، ملتهما كل ما تطوله يداي من مجموعاته الشعرية، وكذا فعلت مع محمود درويش، وتوفيق زياد، وفدوى طوقان، ومعين بسيسو.
كانت المقاومة في أوج اشتعالها، والحركات التحررية افريقيا وأسيويا في عز نشوبها وهبوبها، والمغرب وَطني ينوس بين الأوتاد والآفاق، بين ما يشده إلى الماضي مع ما يعنيه من تحجر وتسلط وتقليدانية وعبودية، وما يدفعه إلى الأمام.. إلى النظر بعيدا نحو التحرر، والعدالة، والديمقراطية، والتجديد، والتحديث. في أتون هذا الحراك المُسْتَعِر، سطع نجم شعراء المقاومة الفلسطينيين، سطع من حيث شكل مَعِينا لنا لا ينضب نحتاجه إبان المعارك النضالية، والمجالات السياسية والحزبية والإيديولوجية في ساحات الجامعات، وأفضية المقرات، وحين المؤتمرات. بعد هذه الفترة "الملكية"، المشتعلة، انشحذ الوعي، ونتأ الواقع، وانغمرنا في جديد الفكر، وحديث المعرفة والثقافة، بما جعل الجمالي يحتاز موقعا في أنفسنا، ويعلمنا تقليم صراخاتنا، وتشذيب قواميسنا. ومن ثم، وَتَبْعًا لهذه التحولات، والمستجدات الإقليمية، والجهوية والدولية، انعطف الكلام، ومعه انعطف الشعر والنضال، وَتَبَنَّكا معنى جديدا، ودلالة أخرى، وترميزا مغايرا. خَفَّ الاندفاع، وَاتَّأَدَتْ الإيديولوجيا، وارتقى الفهم، فإذا بالشعر الفلسطيني، إسوة بالشعر العربي، يتبدل ويتحول في بنائه اللغوي، وتراكيبه، وإيقاعاته، وَرُؤْيَاتِه، وإذا بـ : محمود درويش، يحلق عاليا مؤثثا شعريته برمزيات أكثر جدة، وأبعد غورا، وأساطير مختلفة، ونزوع جمالي يقتات من الملموس المحسوس، واليومي. ما يعني أن الملفوظ الشعري ابتعد عن الزعيق والشعاراتية، والمباشرة العارية، وما يعني –من جهة أخرى- أن روح المقاومة، وجوهر القضية الفلسطينية "تَجَمَّلا"، واحتازا كيفيات جديدة –تماما- في الصوغ والكتابة. وكذلك فعل رفيق دربه وعمره سميح القاسم، فهو –أيضا- انعطف بشعريته، انعطافا أخاذا دل على مُسَامَتَةٍ وَمُواكبة، وعِلْم بما طال الشعر العربي، والشعر الكوني، ودل على صوت خاص، ولسان بارع في التسمية والتوصيف، وإتيان الأشياء واللغة والعوالم الحَافَّة. ظل سميح مفارقا لـ درويش، لم يقلده، ويدخل مضماره، ويحفر في مرجعيات ثقافية سبق أن حفر فيها درويش.
سار سميح بشعره إلى "سربيات"، و"مرويات"، و"محكيات" تقاطعت فيها أصوات الأرض، بصوته هو، واندغم دمه الشخصي بدم القضية، أي أنجز الفرادة المتوخاة لشعره، وَأَسْبَغَ الأبعاد التاريخية المنشودة على القضية، صائرا بها إلى الجوهر الوجودي، والكينونة المتواصلة المخترقة. لِنَعُدْ إلى قراءة شعره حتى نقف على هذه الإشارات السريعة. لِنَعُدْ إلى "السربيات"، و"الكتب السبعة"، و"ملك اتلانتسْ" و"الجانب المعتم من التفاحة، الجانب المضيء من القلب"، و"كولاج" :
ــ يا موت هل كنت من أجلنا
أم ولدنا لأجلك
ويا موت.. نطفتنا أنت أم أنت بعض أهلك؟
ويا موت جرب نجاعتنا في الحياة قليلا، إذا أنت أمهلتنا
سنكرس لإسمك كل الجوارح
ونكتب بإسمك أحلى المدائح
تمهل ..
لعل الحياة قليلا لأجلك أرقى وأنقى وأجمل
تمهل .. تمهل.
الموت نهاية كل حي.. والموت بداية كل حي. وما بين النهاية والبداية، يكمن السر، سر الراحل الذي أطبق الجفون، والراحل الذي أطبق الكتاب. الموت واحد، لكنه، في ـ ملتي واعتقادي- مَوْتَان: موت يفتت وَيُذَرِّرُ ويمحو، وينهي الجسد والروح والذكر والاسم. وموت يغيب الوجه لا الفكر. يغيب الجسد لا الروح. يمحو الحضور الفيزيائي للشخص، لا الحضور الرمزي له، يهيل طبقات من النسيان، وركام من صفائح الصدأ على الإنسان بما هو لحم ودم وأعصاب، لكن، يفشل في بعثرة النشيد واللسان. وكيف له ذلك وأَنَّى له ذلك؟، والفكر والشعر، والمَلاَءُ المكاني والزماني للمفكر أو الشاعر قيد الصورة والتصوير، قيد الرؤية والنظر، قيد الذاكرة والذكرى؟ يطيح الموت بالناس شتى، أما الفنون فلا.. أما الغناء.. أما النشيد.. الشعر.. الموسيقى.. الفلسفة.. الفكر.. التشكيل.. العمران.. المسرح.. فلا. ولهذه الأجناس الإبداعية، لهذه العصارات الإبداعية والروحية والرمزية، أصحابها، لها منابعها ومصادرها، وليس غير المبدعين والمفكرين مصادر لها، ومنابع، وينابيع.. تمشي.. تسير جداول، وأنهارا.. تصب في البحر اللَّجي.. وتطير سحابا..فغيثًا..فمطرًا يَهْمِي، ويَنْهَمِر لينعش أرضا عطْشَى، وواحات ظمأى، وأنفساً تتشقق من فرط النظر والانتظار. هي حال الشعراء الكبار والفلاسفة العظام، والفنانين العباقرة، والرسامين، والموسيقيين النوابغ، "حال من العود لا ينتهي، حال تدور في ما أسماه "نِيتْشه" ب: "العود الأبدي".
لكنها الحياة.. عابرة وغادرة، ولا تساوي جناح بعوضة ولاَ قُلاَمَةَ ظُفْرٍ. ألم تقل يا سميح في سيرتك الذاتية: (إنها مجرد مَنْفَضة..)؟ ومخاطبا نفسك، تصل إلى الحكمة العميقة التالية:
"ها هو رمادك يتساقط في منفضة العالم، منفضة الحياة الدنيا.. ها هو رمادك يتهاوى في منفضتك، وإلا فماذا ظننتَ يا أخي وصديقي؟، ماذا ظننتَ دنياك أيها الإنسان الذي أراد أن يكون شاعرا، وأيها الشاعر الذي أراد أن يكون إنسانا؟ ماذا ظننتَ؟ هل فاتك أن دنياك ليست سوى منفضة، بلى، إنها منفضة، إنها مجرد منفضة.".
وفي "كولاج"، تقول :
-لا تَنُوحوا
كل ما يعبر وَهْمٌ، والذي يقبل ظَنُّ
جرس الماء على صُوَّانَة الليل يَرِنُّ
وعلى المعلوم عَيْنُ
عربات العمر تنأى
وخيول الموت تدنو
لا تنوحوا.
وداعا سميح القاسم ..
وداعا حادي الحداة ..
وداعا أيها الشاعر: "أشد من الماء حزنا، تَغَرَّبْتَ في دهشة الموت عن هذه اليابسة". الآن فقط، يمكنك أن تفرغ للنوم ولضجعة الموت "المريحة" التي قال عنها سلفك الهائل أبو العلاء المعري :
ضجعة الموت رقدة يستريح الـ
الجسم فيها والعيش مثل السهاد.






