فن وإعلام

مِهْنَة من لا مِهْنَة لَهُ

صلاح بوسريف (شاعر وكاتب)

شبعنا سَخَفاً وابْتِذالاً، وعمَّت فينا الضَّحالةَ، حتَّى دخلت بيوتَنا، صرنا نراها حتَّى ونحن لا نرغب فيها، نشيح عنها، كما لو أنَّها وباء، بل هي، فعلاً، وباء ينتشر بأكثر من سرعة الوباء نفسه، لكنها وباء هَبَاء، لا فائدةَ، ولا طائل منه، سوى ما نراه ونسمعُه من سَخَف وابتذال وسخريَّة مُرَّةٍ تافهة.

كُنَّا في سنواتٍ مَضَت، وبقينا إلى اليوم، ننتقد قنواتنا التلفزية، لما كان وما زال فيها من تسطيح، وتمييع لكل شيء، منذ إدارة، بل هيمنة إدريس البصري، إلى إدارة وهيمنة لعريشي، ورُبَّما سَنَحِنُّ إلى قنواتنا، أمام هذا الزَّحْف الغامِر الذي بات يهجم علينا من حيث لا نَحْتَسِب، في مواقع قنوات شخصية، أو إعلامية، وفي بودك ستات، وفي صفحات لمن يسمُّون أنفسهم بالمُؤثِّرين، أو صانعي المحتوى، ممن انتعشوا في ظِلِّ الفوضى العارمة التي استغلُّوا فيها السِّيبَةَ التي عليها التقنية، ووسائل التواصل، باعتبارها حرية، لكن، أيّ حرية، بأيّ معنى، وبأيّ معيار ومسؤولية، وبأيّ وعي تحريريّ، يكون مبنيّاً على فكر، ورأي، وعلى رؤية، أو اتِّجاه في المُتابعة، وفي القراءة، وصياغة الخبر، أو كتابة التَّحاليل، وغيرها مما تقتضيه مهنة، صارت في ظِلِّ الوضع الرَّاهِن، أو الأرْعَن الذي نحن فيه، مهنة لا مهنة له.

وأنت ترى وتستمع إلى قنوات، ومواقع، وإلى بود كستات، كلُّها تُقَدِّم نفسها بأنها صحافة وإعلام، سواء في السِّياسة، أو في الحوارات السِّياسية، أو في الثَّقافة، وفي الحوارات الثَّقافية، وفي الفَنّ، بل في كُلّ شيء، لن تَظْفَر بشيء، ولن تَلْوَيَ على أيّ شيء، بل ستكون كالمُنْبَث، لا أرضاً قَطَع ولا ظَهْراً أبْقَى. 

من يُحاوَرون، لا أدري كيف يقبلون الحوار بالشروط التي يجري بها هذا الحوار، وما يكون من انزياح عن جوهر الحوار، إلى البحث عن «البُوزْ»، وعن إثارة القلاقل والفِتَن، وهذا ليس سبقاً صحافياً، كما نعرف السبق الصحافِيَّ، بل هو سَلْقٌ صحافِيّ، صار كُل من نُودِيَ عليه إلى أيّ مَحْفَل انْسَاقَ إليه، كما تُساقُ الخراف إلى المذابح، ويكون الحوار سَخفاً، لا فائدة فيه، ولا منه، إلَّا الكلام العامّ الفارغ، لأنَّ الأسئلة لا تذهب إلى ما يكون عُمْقاً، وما يمكن أن يضيء المشكلات، أو الإشكالات المُتنازع عليها، أو حولها، ولا فرق، لا في الحوار السِّياسيّ، ولا في الحوار الثَّقافيّ.

أمَّا ميكرفونات الأرصفة، أو كما لا يفتأ يُسَمِّيها هؤلاء أنفسهم «الميكروطروطوار»، فهي فضيحة، وكارثة، فيها تُلْقَى مُكَبِّرات الصوت والصورة، في وجوه وأفواهٍ عَفِنَةٍ، لا هي تتكلَّم الدَّارجة كما نتكلَّمُها، ولا هي دارجة فصيحة، نظيفة، لا تخدش الآذان، ولا تجرحُها، أو تَصْرُخُ فيها بأصواتٍ مُنْكِرَة، كما جاء في القرآن عن أصوات الحمير، ولا هي تتكلَّم بعربيَّة بين بين، ولا بعربيَّة يمكن أن نفهمها في الحدود الممكنة لِلُّغَةِ، رغم ما يُشِينُها من خلطٍ وكَدَر. 

ما نسمعُه ونراه، وما يُقال، هو إساءة للصحافة والإعلام، وإساءة للمواطن وللوطن، من باب السُّؤال، وهو إنكاري؛ أهذا هو الإنسان الذي أنشأناه، وربَّيْناهُ، وعلَّمْناه في مدارسنا، أهذا ما تعطيه لنا المدارس من ألسنة ورؤوس، كما يقول أحد فلاسفة ما قبل سقراط، بدون أعناق، لا أفق، ورؤية، ولا طريق، ضجيج في ضجيج، وكلام لا تستطيع أن تحتمل ما فيه من هَباءٍ، وهل هذا هو الوطن الذي نحلُم به، فيه صحافة وإعلام، ابتذلت الصحافة والإعلام، وصار يبدو للنَّاس أنَّ أبناء عبد الواحد كلُّهُم واحد، ماذا يا تُرَى يجري، وهل نحن وحدنا، من ما زلنا في دار غَفْلُون، كما نقول في اللِّسان الدَّارج الفصيح، أي من الغَفْلَة، أم الأمر هكذا شِيءَ له أن يكون، ليفرز هذه الحُثالة من الألسنة، والعُقُول التي فقدت لِسانها، كما فقدت عقلها، والحُثَالَةُ في اللغة، ما لا خير فيه، فَيُرْمَى.