سياسة واقتصاد

الذكرى 47 لاسترجاع إقليم وادي الذهب.. رؤية ملكية ثاقبة في تعزيز الإشعاع القاري والدولي للأقاليم الجنوبية

البشير الحداد الكبير (دكتور في القانون العام)
تحتفل المملكة المغربية بالذكرى 47 لاسترجاع إقليم وادي الذهب بتاريخ 14 غشت 1979، حيث أن الجميع يتذكر الخطاب الذي وجهه آنذاك المغفور له الملك الحسن الثاني لأبناء الأقاليم الجنوبية:"إننا تلقينا منكم اليوم البيعة، وسوف نرعاها ونحتضنها كأثمن وأغلى وديعة. منذ اليوم، بيعتنا في أعناقكم، ومنذ اليوم من واجباتنا الذود عن سلامتكم والحفاظ على أمنكم والسعي دوماً إلى إسعادكم. وإننا لنشكر الله سبحانه وتعالى أغلى شكر وأغزر حمد على أن أتم نعمته علينا فألحق الجنوب بالشمال ووصل الرحم وربط الأواصر".

إن هذه الذكرى الجليلة نستحضر فيها الروابط التاريخية والروحية التي تجمع المغاربة بصحرائهم، بل أكثر من ذلك نستحضر فيها التضحيات الكبيرة المبذولة في إطار التلاحم القوي بين العرش والشعب المغربي في الدفاع عن الوطن ووحدته وسيادته، ونحتفل هذه السنة بهذه الذكرى في ظل حدث مهم وهو عيد الوحدة الذي أقره الملك محمد السادس بتاريخ 31 أكتوبر 2025.

ما يهمنا في هذا التحليل العهد الجديد، الطفرة التنموية والدبلوماسية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية تحت القيادة الرشيدة والمتبصرة للمؤسسة الملكية.

 المحور الأول: من الدفاع عن الوحدة الترابية إلى خدمة العدالة التنموية

كما هو معلوم أن المفهوم الجديد للسلطة الذي جاء به الملك محمد السادس بعد الخطاب التاريخي 12 أكتوبر 1999، جعلنا نلاحظ القفزات التنموية في جميع أنحاء ربوع المملكة المغربية، بفضل الدبلوماسية الملكية الاقتصادية، وهذا ما لامسناه من خلال إطلاق النموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية سنتي 2015 و2016، بكل من مدينتي العيون والداخلة، حيث تم تحقيق مجموعة من المنجزات:

* طريق تيزنيت الداخلة الذي أطلق عليه الملك اسم "دونالد ترامب" اعترافا بالدور الذي قام به الرئيس الأمريكي الحالي من خلال الإعتراف التاريخي بمغربية الصحراء بتاريخ 10 دجنبر 2020، على اعتبار أننا أمام اعتراف القوى العالمية الكبرى وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي؛

* تعزيز شبكة المواصلات والمطارات؛

* إطلاق برنامج تحلية مياه البحر وما له من آثار إيجابية في ضمان الأمن المائي والغذائي عبر تعزيز مكانة المجال الفلاحي بالأقاليم الجنوبية؛

* تأهيل القطاع السياحي والاقتصاد الأزرق؛

* تدفق نسبة كبيرة من الإستثمارات الأجنبية المباشرة؛

* الإهتمام بأهم المواضيع الراهنية الطاقات المتجددة وما لها من دور في تحقيق التنمية المستدامة؛

* الاستفادة من النسخ الثلاثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية حيث ساهمت في التمكين الإقتصادي والإجتماعي للشباب بالأقاليم الجنوبية؛

* الإهتمام بالجانب التعليمي والصحي عبر مجموعة من البرامج على اعتبار أن الرأسمال البشري يعتبر أهم ثروة وطنية حقيقية؛

المحور الثاني: المغرب الإفريقي

إذا كان المغرب بعد استرجاعه لإقليم وادي الذهب سنة 1979، قد انسحب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 بسبب قبول انضمام الكيان الوهمي البوليساريو، فإن الملك محمد السادس في العهد الجديد قرر العودة إلى البيت الإفريقي إيمانا منه بأن التغيير لا يأتي من الخارج بل من الداخل، حيث بعد الخطاب التاريخي بأديس أبابا سنة 2017، تمكن المغرب من تعزيز شراكات إقتصادية قوية مع العديد من البلدان الإفريقية تُوجت بسحب اعترافاتها بالكيان الوهمي، وانضمام العديد من الدول الإفريقية إلى نداء طنجة والتوقيع على الكتاب الأبيض من أجل طرد هذا الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي، فالمغرب أصبح نموذجا يحتذى به في القارة الإفريقية في شتى المجالات بفضل النجاحات التي حققها، حيث أصبحنا أمام قوة إقليمية صاعدة، من خلال ما يلي:

-صناعة السيارات والطيران؛

-الصناعة الغذائية والدوائية؛

-الصناعة الكهربائية والمواد الإلكترونية؛

 -نموذج يحتذى به في محاربة الإرهاب والتطرف؛

-نموذج في السلم والتعايش فالدبلوماسية الروحية وإمارة المؤمنين لها وزن في القارة الإفريقية؛

-قوة إقليمية في الأمن السبيراني والصناعات العسكرية المحلية؛

نلاحظ أن الدبلوماسية الملكية في القارة الإفريقية ساهمت في توقيع العديد من الاتفاقيات سواء قبل الرجوع إلى البيت الإفريقي أو بعد الرجوع، همت الأمن الغذائي، المجال العقاري، القطاع البنكي والمالي، توقيع اتفاقية مع نيجريا بخصوص أنبوب الغاز، كما ستساهم الأوراش التي أطلقها جلالة الملك حفظه الله ورعاه في الأقاليم الجنوبية في تعزيز علاقات جنوب جنوب من خلال ما يلي:

ميناء الداخلة الأطلسي سيعزز من الروابط الإقتصادية والتجارية بين المغرب وعمقه الإفريقي وسيعزز أيضا من الواجهة البحرية الأطلسية ستمكن من ربط القارة الإفريقية بالقارة الأمريكية، بالإضافة إلى الأسطول البحري التجاري الوطني التي تحدث عنه جلالة الملك في خطاب المسيرة الخضراء سنة 2023.

إن المؤسسة الملكية لها نظرة إستشرافية للمستقبل في البيت الإفريقي حيث أن إرادتها هي تقوية القارة الإفريقية وجعلها تنافس باقي القرارات كالقارة الأوروبية، وهذا ما لاحظناه في المبادرة الأطلسية الملكية التي أطلقها الملك في خطاب المسيرة الخضراء سنتي 2023-2024، فالرؤية الملكية تؤكد أن القارة الإفريقية لن تكون قوية بدون تنمية حقيقية.

المحور الثالث: تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي وفتح القنصليات

إن ما يميز العمل الدبلوماسي في العهد الجديد، أن المهندس الأول للسياسة الخارجية الملك محمد السادس، انتقل بقضية الصحراء المغربية من إقناع الدول بسحب اعترافها بالكيان الوهمي عبر الحجج التاريخية والقانونية، إلى مقاربة جديدة تتمثل في فتح القنصليات بكل من العيون والداخلة، حيث منذ سنة 2019 إلى يومنا هذا ونحن نلاحظ الانخراط الواسع للمنتظم الدولي في فتح القنصليات بما يتماشى مع اتفاقية فيينا لسنة 1963، بل أكثر من ذلك أن الدبلوماسية الملكية الناعمة مكنت من تزايد عدد الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 كحل سياسي واقعي ذو مصداقية لحل النزاع المفتعل في الصحراء المغربية.

إن الدبلوماسية الملكية واضحة حيث سطر الملك الخطوط الحمراء من أجل التعامل مع المغرب، إذ أكد في خطاب المسيرة الخضراء سنة 2021 بأن المغرب لن تكون له أي شراكة مع أي دولة لا تحترم وحدته الترابية، فالحزم والواقعية مكنت المغرب من حصد هذه الانتصارات الدبلوماسية المتتالية.

المحور الرابع: الانتقال برجال السلطة من المقاربة التقليدية إلى المقاربة الحديثة

كما هو معلوم أن الطفرات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية يعود الفضل فيها لخادم المغرب الأول الملك محمد السادس، حيث سهر منذ اعتلاءه عرش أسلافه المنعمين على تغيير نمط اشتغال رجال السلطة، أصبحنا نرى ولاة وعمال يتم تعيينهم ليس بالضرورة من المتخرجين من المعهد الملكي للإدارة الترابية، وإنما أيضا من عالم الهندسة والمقاولة، التعليم العالي....إلخ، كل هذا ساهم في التنزيل الأمثل للأوراش الملكية الكبرى.

بموجب دستور 2011 والمرسوم 2.17.618 المتعلق بميثاق الوطني للاتمركز الإداري فإن الولاة والعمال لا يقتصر دورهم في تنزيل السياسة العامة للدولة على الصعيد الترابي، بل يشمل أيضا مساعدة رؤساء مجالس الجماعات الترابية في تنفيذ المخططات والبرامج التنموية وتنسيق مختلف أنشطة المصالح اللاممركزة بما يضمن لنا التجانس وتلاقي السياسات العمومية الترابية، حيث كل هذا ساهم بشكل فعال في خدمة العدالة الإجتماعية والمجالية بالأقاليم الجنوبية.

إذا كانت الجماعات الترابية وعلى رأسها الجهات باعتبارها قاطرة للتنمية منحها الدستور والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية تدبيرا حرا يمكنها من ممارسة اختصاصاتها بما فيها إعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، إلا أن اللامركزية الترابية مهما بلغت من تقدم فإن نجاحها رهين بدعمها بمسلسل اللاتمركز الإداري، فالمجالس الجهوية بالأقاليم الجنوبية ساهمت في التنمية الترابية عبر برامجها لكن بالدعم والمواكبة والتتبع المستمر لمختلف البرامج من طرف الولاة.

خاتمة:

إن المغرب بمجرد حصوله على الاستقلال سنة 1956 قام باستكمال وحدته الترابية بإسترجاع كل من طرفاية، سيدي إفني، تنظيم المسيرة الخضراء، ثم إقليم وادي الذهب، كل هذا يعطي لنا انطباعا مهما أن النموذج المغربي يحتذى به في التعاطي مع الأزمات، فدبلوماسيته مبنية على التفاوض ونشر السلم والأمن الدوليين، فنحن أمام دولة تقودها ملكية لأكثر من 12 قرنا.

إن تفوق نظام الحكم الملكي على الأنظمة الجمهورية يكمن في جوهر الاستقرار وعمق النظرة؛ فالملك لا تحكمه فترات انتخابية ضيقة، بل تقوده رؤية ثاقبة ورصينة تمتد لأجيال. هذه الحكمة المتبصرة تجعل القرارات الملكية نابعة من مصلحة الوطن العليا بعيداً عن التجاذبات السياسية المؤقتة، مما يضمن للبلاد مساراً آمناً ونمواً مستداماً تحت ظل قيادة حكيمة تنظر إلى المستقبل بعين الأبوة والمسؤولية التاريخية.