رئيس بلدية مليلية المحتلة الخاضعة للاحتلال الإسباني، وهو وفق نظام الحكم الذاتي المطبق على المدينة رئيس حكومتها، تساءل أمس قي إطار تصريح رسمي، عن ماذا سيستفيد المغرب من استرجاع سبتة ومليلية وهو لا يستطيع تسيير الأراضي التي يملكها، ويترك شبابه يغادرونه نحوهما.
جيد.
بهذا المنطق، كل بلد تم احتلال أراضيه، لا فائدة له في استرجاع أراضيه، لأن شبابه يغادرونه نحو هذه الأراضي المحتلة.
اسمحوا لي أن أصف هذا الرجل الإسباني الذي تلقظ بمثل هذا الكلام، بأنه رجل جاهل بالتاريخ وبالسياسة وبالاقتصاد.
هذا الرجل المجسد لعقلية المحتل لا يعلم أن هونغ كونغ عندما كانت تحت الاحتلال البريطاني، كانت مركزا اقتصاديا وتكنولوجيا متطورا، في وقت كانت فيه الصين تعاني من فقر شديد، ومجاعات، واضطرابات سياسية، وكان ملايين الصينيين يخاطرون بحياتهم هربا من الصين نحو هونغ كونغ البريطانية بحثا عن حياة أفضل.
لكن الصين لم تتنازل عن حقها التاريخي، واستعادت هونغ كونغ عام 1997. واليوم، تحولت الصين إلى قوة اقتصادية عالمية، وأصبحت المدن الصينية المجاورة لهونغ كونغ مراكز عالمية للتكنولوجيا تجذب الاستثمارات والشباب، وتغيرت معادلة الهجرة والنمو تماما بعد استعادة السيادة وتوحيد الأراضي.
هذا الرجل ذو العقلية الاستعمارية لا يعلم أن ماكاو عندما كانت تحت الإدارة البرتغالية، فقد كانت تتمتع بوضع اقتصادي متقدم ومفتوح على العالم، بينما كان محيطها الصيني يعيش عزلة واقتصادا ضعيفا، مما دفع الكثيرين للانتقال إليها، ومع ذلك استعادتها الصين عام 1999، وساكنتها اليوم تحقق معدلات الدخل الفردي من بين الأعلى في العالم .
هذا الرجل الإسباني الجاهل بالتاريخ والاقتصاد والجغرافيا لا يعرف أن منطقة غوا الساحلية الهندية كانت مستعمرة برتغالية غنية ومزدهرة مقارنة بالهند التي كانت تعاني من فقر مدقع ومشاكل تنموية هائلة بعد استقلالها عن بريطانيا عام 1947.
لكن الهند لم تقبل بوجود جيب استعماري أوروبي على أرضها، وقامت بتحرير غوا عسكريا عام 1961، واليوم، غوا هي الولاية الهندية الأعلى من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وتعد قطبا سياحيا واقتصاديا وطنيا.
إذا كان رئيس مليلية يربط بين مشروعية السيادة وبين حركة العمالة والهجرة، فلماذا هذا المنطق ينقلب رأسا على عقب عند تطبيقه على ملف جبل طارق، الجيب البريطاني الذي تطالب إسبانيا باسترجاعه لسيادتها منذ قرون.
يومياً، يعبر أكثر من 15000 مواطن إسباني الحدود من منطقة "كامبو دي خيبرالتار" الإسبانية، خاصة مدينة لا لينيا دي لا كونسيبسيون، نحو جبل طارق الخاضع للسيادة البريطانية من أجل العمل، نظراً لارتفاع معدلات البطالة في إقليم الأندلس الإسباني مقارنة بالانتعاش الاقتصادي في الصخرة.
وتصر الحكومة الإسبانية، بما في ذلك الحزب الشعبي الذي ينتمي إليه رئيس مليلية نفسه، على أن جبل طارق "أرض إسبانية محتلة يجب استرجاعها"، ولم يقل أي مسؤول إسباني يوماً: "بما أن آلاف الإسبان يعيشون من خيرات جبل طارق البريطاني ويهربون من البطالة في إسبانيا، فلا حق لنا في استرجاعه".
إنه منطق استعماري متعجرف.
يرى أن مغادرة الشباب المغربي نحو الثغور المحتلة تسقط حق المغرب في أرضه.بينما يرى أن مغادرة الشباب الإسباني يوميا للعمل في جبل طارق البريطاني لا تسقط حق إسبانيا في المطالبة باسترجاع الصخرة.
هذا المنطق الأعوج، الغارق في التناقضات الصارخة، يثبت أن رئيس مليلية لم يكن يتحدث استنادا إلى العقل، بل كان يمارس بروباغندا سياسية للتغطية على الطبيعة الاستعمارية للمدينتين، مستغلا ظروف الهجرة المؤقتة لتبرير وضع غير قانوني دحضته الإستراتيجيات السياسية لبلده نفسه.
وهذا ما كان.






