سياسة واقتصاد

لا يمكن لإسبانيا أن تعطي المغرب دروسًا في حقوق الإنسان.. محاكم التفتيش وذاكرة الدم في الأندلس وأمريكا اللاتينية

الصادق العثماني (باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني)

قمت اليوم بزيارة إلى مدينة باهيا البرازيلية، هذه المدينة التي تحتل مكانة بارزة في تاريخ المسلمين في البرازيل وأمريكا اللاتينية، فوجدتني أمام ذاكرة تاريخية لا يمكن للزائر أن يتجاوزها بسهولة؛ ذاكرة تختزن فصولا مؤلمة من تاريخ الاستعمار الأوروبي، ومن بينها محاكم التفتيش التي جعلت من الاختلاف الديني والثقافي سببًا للملاحقة والعقاب والإقصاء. ومن باهيا، حيث تتقاطع ذاكرة المسلمين القادمين من إفريقيا والأندلس مع تاريخ الاستعمار الإسباني والبرتغالي، وجدت نفسي أتساءل: كيف يمكن لدولة مثل إسبانيا، التي ما تزال آثار تاريخها الاستعماري حاضرة في ذاكرة شعوب كثيرة، أن تقدم اليوم نفسها بوصفها مرجعية في حقوق الإنسان، دون أن تواجه أولا صفحاتها المظلمة ؟

إن هذا السؤال ليس دعوة إلى الكراهية تجاه الشعب الإسباني، ولا إلى تحميل الأجيال الحالية مسؤولية أفعال ارتكبت قبل قرون، وإنما هو سؤال يتعلق بالذاكرة التاريخية وبأخلاق الدول في التعامل مع ماضيها. فإذا كانت إسبانيا المعاصرة تفخر بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن من مقتضى هذه القيم أن تكون شجاعة في الاعتراف بما ارتكبته سلطاتها ومؤسساتها في الأندلس وفي العالم الجديد، وما زالت إلى يوم الناس هذا تحتل مدينتين مغربيتين سبتة ومليلية .

لقد ارتبطت محاكم التفتيش الإسبانية بمرحلة تاريخية خطيرة اختلطت فيها السلطة الدينية بالسلطة السياسية، وتحول الدفاع عن العقيدة الرسمية الكاثوليكية إلى وسيلة لمراقبة الضمائر وملاحقة المخالفين. وبعد سقوط غرناطة سنة 1492، لم تدم طويلًا الضمانات التي مُنحت للمسلمين بشأن دينهم وشعائرهم وممتلكاتهم، إذ تصاعدت تدريجيًا سياسات التنصير القسري، والتضييق على اللغة العربية، وملاحقة المظاهر الثقافية والدينية الإسلامية.

ولم يكن المسلمون وحدهم ضحايا هذه المنظومة، فقد تعرض اليهود كذلك للطرد والاضطهاد، ثم أصبح البروتستانت وغيرهم من المسيحيين المخالفين للعقيدة الكاثوليكية الرسمية أهدافًا لمحاكم التفتيش. وهذا يكشف أن المشكلة لم تكن مرتبطة بدين بعينه بقدر ما كانت مرتبطة بمنظومة تجعل من احتكار الحقيقة ذريعة لإخضاع الإنسان ومراقبة معتقده وحياته الخاصة.

لقد عاش الموريسكيون، وهم المسلمون الذين تعرضوا للتنصير القسري أو عاشوا تحت سلطة التنصير، مرحلة شديدة القسوة من تاريخ الأندلس، إذ لم تعد السلطة تكتفي بالسؤال عما يؤمن به الإنسان، بل أصبحت تراقب لغته وملبسه وعاداته وطعامه ومظاهر حياته اليومية بحثًا عن أي علامة تكشف تمسكه بجذوره الإسلامية. وهكذا تحولت الهوية الثقافية نفسها إلى موضع اشتباه، وأصبح الحفاظ على الذاكرة الإسلامية نوعًا من المقاومة الصامتة.

ثم امتدت هذه المنظومة إلى العالم الجديد مع التوسع الاستعماري الإسباني والبرتغالي. وفي أمريكا اللاتينية تعرضت الشعوب الأصلية لكوارث ديموغرافية وإنسانية هائلة عقب وصول الأوروبيين. ولا تسمح الأمانة العلمية بإرجاع جميع هذه الوفيات إلى الكنيسة الكاثوليكية وحدها، إذ ساهمت الأوبئة والأمراض الجديدة والحروب والاستعباد والعمل القسري والمجاعة والتهجير والاستغلال الاستعماري في هذا الانهيار السكاني. لكن ذلك لا يعفي المؤسسات الدينية من مساءلة تاريخية حول دورها في منظومة التنصير والاستعمار، ولا يعفي القوى الاستعمارية من مسؤوليتها عن العنف الذي تعرضت له الشعوب الأصلية.

وفي البرازيل، كانت مدينة باهيا إحدى أهم المناطق التي شهدت حضورًا مبكرًا للرقابة الدينية. وتشير المصادر التاريخية إلى زيارة مفتش محكمة التفتيش البرتغالية هيتور فورتادو دي ميندونسا إلى باهيا سنة 1591، حيث جرت تحقيقات مع أشخاص اتُّهموا بالهرطقة أو بممارسة شعائر دينية سرية، ومن بينهم «المسيحيون الجدد» الذين اشتُبه في احتفاظهم بممارسات يهودية أو غيرها من الممارسات المخالفة للعقيدة الرسمية. وهكذا لم تكن البرازيل بعيدة عن منظومة الرقابة الدينية التي نشأت في شبه الجزيرة الإيبيرية.

والأكثر إثارة للتأمل أن بعض الممارسات اليومية كان يمكن أن تتحول إلى قرائن على الانتماء الديني، مثل الصيام والنظافة وبعض العادات المرتبطة بيوم الجمعة. وهذا يكشف مدى تغلغل الرقابة الدينية في حياة الإنسان، حين يصبح حتى سلوكه الشخصي موضوعًا للتحقيق والاشتباه.

أما السؤال عن عدد الذين قتلتهم الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية والبرازيل، فلا توجد أرقام تاريخية موثوقة تسمح بنسب عدد محدد من القتلى إلى الكنيسة وحدها. فالمأساة كانت أكبر وأكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ أدى الاستعمار الأوروبي إلى موت أعداد هائلة من السكان الأصليين، خصوصًا بسبب الأمراض والأوبئة التي لم تكن مجتمعاتهم تملك مناعة سابقة ضدها، فضلًا عن الحروب والاستعباد والعمل القسري والتهجير وسوء التغذية. ولذلك فإن الحديث عن «عدد قتلى الكنيسة» برقم واحد سيكون تبسيطًا للتاريخ وربما يضعف الحجة بدل أن يقويها.

لكن غياب الرقم الدقيق لا يعني غياب المسؤولية التاريخية. فالمؤسسات الدينية التي شاركت في عمليات التنصير القسري أو دعمت منظومات استعمارية أو سكتت عن ممارسات ظالمة ينبغي أن تُقرأ مواقفها في سياقها التاريخي، كما ينبغي التفريق بين رجال دين دافعوا عن حقوق السكان الأصليين وبين مؤسسات أو سلطات دينية شاركت في تبرير الاستعمار أو فرض التنصير.

ولهذا فإن إسبانيا مطالبة، أخلاقيًا وتاريخيًا، بأن تكون أكثر شجاعة في التعامل مع ماضيها. نحن لا نطالبها بالاعتذار عن كل ما فعله أفراد عاشوا قبل قرون، وإنما نطالبها بالاعتراف بأن محاكم التفتيش، واضطهاد المسلمين واليهود، ومحاولات اقتلاع الهوية الإسلامية من الأندلس، وما رافق الاستعمار الإسباني من عنف وإخضاع للشعوب الأصلية، تمثل صفحات مؤلمة لا ينبغي تبريرها ولا تزييفها ولا التعامل معها بانتقائية.

ومن حق الشعوب التي عانت من الاستعمار أن تطلب من القوى الاستعمارية السابقة الاعتراف بتاريخها، تمامًا كما يُطلب من الدول الأخرى الاعتراف بأخطائها. فإذا كانت حقوق الإنسان قيمة عالمية، فلا ينبغي أن تتحول إلى أداة سياسية تستخدم ضد دول بعينها، بينما يتم تجاهل أو تخفيف الحديث عن الجرائم التي ارتكبتها القوى الأوروبية خلال قرون الاستعمار.

ومن المفارقات أن الكنيسة الكاثوليكية نفسها بدأت في العقود الأخيرة مراجعة بعض صفحات تاريخها، وقد عبّر البابا يوحنا بولس الثاني عندما زار البرازيل سنة 2007 عن الأسف وطلب المغفرة عن بعض مظاهر العنف والظلم المرتبطة بتاريخ الكنيسة في أمريكا اللاتينية، وهو ما يؤكد أن مواجهة الماضي ليست مستحيلة، وأن الاعتراف بالأخطاء يمكن أن يكون مدخلًا للمصالحة.

إننا لا نريد الانتقام من إسبانيا، ولا نريد أن يرث الإسبان المعاصرون ذنوب أسلافهم، وإنما نريد ذاكرة عادلة ومعايير أخلاقية واحدة. ومن حق إسبانيا أن تدافع عن حقوق الإنسان، لكن من حق الآخرين أيضًا أن يذكروها بأن حقوق الإنسان لا تبدأ من اللحظة التي تصبح فيها الدولة قوية أو ديمقراطية، وإنما هي مبدأ إنساني يجب أن يشمل الماضي والحاضر والمستقبل.

ومن باهيا اليوم، يمكن أن نفهم أن التاريخ ليس مجرد متحف للذكريات، وإنما مسؤولية أخلاقية. فكما يجب أن ندين انتهاكات حقوق الإنسان في عصرنا، يجب أن نمتلك الشجاعة لإدانة الظلم الذي وقع في الماضي، سواء كان ضحيته مسلمًا أندلسيًا، أو يهوديًا، أو من السكان الأصليين للبرازيل وأمريكا اللاتينية.

إن أول درس في حقوق الإنسان هو ألا تكون هناك ذاكرة انتقائية. ومن يريد أن يعطي الآخرين دروسًا في الديمقراطية والحرية والكرامة، عليه أن يكون مستعدًا أولًا لمراجعة تاريخه والاعتراف بأخطائه. فإسبانيا لا تحتاج إلى محاكم تفتيش جديدة، ولا تحتاج شعوب العالم إلى وصاية تاريخية؛ ما تحتاجه هو شجاعة الاعتراف، وعدالة الذاكرة، واحترام الإنسان بعيدًا عن الدين والعرق والثقافة والمصالح السياسية.

وهكذا، فإن أفضل ما يمكن أن نفعله اليوم ونحن نستحضر تاريخ الأندلس وباهيا وأمريكا اللاتينية هو ألا نحول الذاكرة إلى وقود للكراهية، بل إلى درس أخلاقي: لا يمكن بناء خطاب صادق عن حقوق الإنسان من دون مواجهة تاريخ الاستعمار ومحاكم التفتيش، ولا يمكن مطالبة الآخرين بالاعتراف بأخطائهم بينما نرفض الاعتراف بأخطائنا نحن .