من المفترض أن يكون المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (INSAP) فضاءً للبحث العلمي والتكوين الأكاديمي وإعداد أجيال جديدة من الباحثين. غير أن معطيات وشكايات مرتبطة بالتدبير الحالي للمعهد تثير تساؤلات جدية حول طريقة ممارسة السلطة الإدارية والأكاديمية، وما إذا كانت بعض القرارات والممارسات قد تجاوزت حدود الاختصاص لتتحول إلى وسيلة للإقصاء والتهميش وتصفية الخلافات الأكاديمية.
ويكتسي الأمر أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ المعهد منذ تأسيسه سنة 1986، حين عملت مديرته الراحلة جوديا حصار بنسليمان على بناء مؤسسة علمية حقيقية، وتوفير الظروف اللوجستيكية للطلبة للمشاركة في التداريب والمهمات الميدانية والحفريات والأبحاث الإثنوغرافية، فضلاً عن تشجيعهم على متابعة دراساتهم العليا والدكتوراه في جامعات دولية، خاصة الفرنسية، بهدف إعداد خلف أكاديمي قادر على ضمان استمرارية البحث العلمي.
المفارقة أن المدير الحالي للمعهد هو نفسه أحد خريجي هذه المرحلة، وقد استفاد من هذا المسار الأكاديمي إلى أن حصل على الدكتوراه من جامعة بوردو الفرنسية. غير أن ممارسات منسوبة إلى إدارته الحالية تختلف جذرياً عن فلسفة التكوين والانفتاح التي قامت عليها المؤسسة، من خلال التضييق على بعض الأساتذة والطلبة الباحثين، وإبعاد الكفاءات المستقلة، ومحاولة فرض الولاء الإداري بدل معيار الاستحقاق العلمي.
وتتمثل أبرز مظاهر هذه الممارسات في سحب أو تجريد بعض الأساتذة من مهام التأطير والإشراف، وتهميش الكفاءات التي تختلف مع التوجه الإداري، وإسناد مهام التأطير إلى أساتذة آخرين، فضلاً عن التهميش الممنهج لتخصص الأنثروبولوجيا وإفراغه من الكفاءات العلمية.
كما يثير الملف قضية أكثر خطورة تتعلق بطلبة الدكتوراه. فممارسة الطالب لحقه في طلب تغيير المؤطر الأكاديمي، وهو طلب يفترض أن يعالج وفق المساطر العلمية والإدارية، يُقدَّم في بعض الحالات على أنه تحول إلى سبب للإقصاء وإنهاء المسار العلمي. كما وردت معطيات حول حذف أسماء طلبة باحثين من اللوائح الرسمية للدكتوراه بقرارات شفهية ودون قرار مكتوب أو احترام واضح للمساطر. وتزداد خطورة هذه الوضعية في ظل وجود خصاص في الأساتذة المؤهلين للتأطير، في وقت يقترب فيه عدد كبير من الأساتذة الحاليين من التقاعد.
ولا تتوقف التساؤلات عند إدارة المعهد، بل تمتد إلى طريقة تعامل المفتشية العامة لوزارة الثقافة مع الشكايات والتجاوزات المبلغ عنها، حيث تُطرح علامات استفهام حول مدى استقلالية وفعالية عمليات المراقبة والتحقيق في هذه الملفات.
ومن الناحية القانونية، تثير هذه الوقائع مسائل تتعلق بـالشطط في استعمال السلطة، وغياب تعليل القرارات الإدارية الفردية، والمس بحقوق الدفاع فضلاً عن مخالفة المبادئ الدستورية المرتبطة بالحق في التعليم والتكوين والبحث العلمي، وبالشفافية والحياد والمساواة.
إن خطورة ما يجري، حسب مضمون الملف، لا تقتصر على نزاعات شخصية أو حالات فردية، بل قد تمتد إلى مستقبل مؤسسة علمية عريقة بأكملها: تهميش تخصص الأنثروبولوجيا، إضعاف الكفاءات، عرقلة تكوين الخلف الأكاديمي، وضرب التنوع العلمي.
وأمام هذه المعطيات، يصبح فتح تحقيق إداري وقضائي مستقل وشامل أمراً ضرورياً لفحص مدى قانونية القرارات الصادرة عن الإدارة الحالية، وتحديد المسؤوليات عند ثبوت أي تجاوز. فالرهان في نهاية المطاف يتعلق بحماية استقلال البحث العلمي، وكرامة الباحثين، وسيادة القانون داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجاً للحكامة الأكاديمية الرصينة.






