(تاملات في انتظار صدور بلاغ جمعيتنا العتيدة )
ليست العبارة دعوة إلى استعجال مرتبك، ولا إلى تقديس اللحظة العابرة، وإنما إلى إدراك قيمة الزمن عندما يضيق مجال الاختيار. فهناك أوقات يكون فيها الانتظار نفسه قراراً، ويصبح تأجيل الفعل فعلاً له كلفته ومآلاته ، فقرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب الاستمرار في التوقف عن العمل، مع تحديد موعد للاجتماع بعد أسبوعين، يضعنا تحديداً أمام هذا النوع من الزمن: زمن مهني ضيق، لكنه قابل للاستثمار ؛ والسؤال، لذلك، ليس فقط: ماذا سنفعل بعد أسبوعين؟ بل: ماذا سنصنع خلال الأسبوعين؟
من زمن التوقف إلى زمن الاستثمار :
التوقف عن العمل أداة احتجاجية مشروعة حين تستنفد وسائل أخرى، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى زمن فارغ بين قرارين: قرار الاستمرار وقرار الاجتماع المقبل ، فالزمن الاحتجاجي نفسه مورد سياسي ومهني ينبغي تدبيره كمياً ونوعياً : كمياً، لأن الأيام محدودة، ولأن لكل يوم يمر كلفة على المحامين والمتقاضين والمرفق القضائي وعلى صورة المهنة في المجال العام. ونوعياً، لأن قيمة الأسبوعين لا تقاس بعدد البيانات والاجتماعات فقط، وإنما بما يمكن أن ينتج خلالهما من بدائل، واتصالات، وتحالفات، ومقترحات قابلة للتحقيق. وهنا يصبح الانتقال ضرورياً من منطق إدارة التوقف إلى منطق إدارة المرحلة ، فالغاية ليست أن نثبت قدرتنا على الصمود فحسب، بل أن نحول الصمود إلى قدرة تفاوضية، والاحتجاج إلى اقتراح، والرفض إلى إمكانية لصناعة مخرج يحفظ استقلال المهنة وكرامتها ويعيد فتح أفق الحل.
الدخول المقبل ليس عادياً :
يأتي هذا الزمن المهني الضيق عشية دخول اجتماعي وسياسي وقضائي لا يبدو عادياً ؛ فالدولة نفسها مقبلة على مرحلة تستدعي إعادة ترتيب عدد من الأولويات والتوازنات، في سياق وطني وإقليمي ودولي شديد الحساسية: قضية الوحدة الترابية ومشروع الحكم الذاتي، توترات الجوار، استمرار بعض آثار النزاع مع بقايا الإرث الاستعماري، فضلاً عن التحديات الاجتماعية والمؤسساتية الداخلية ، ولا يعني استحضار هذا السياق خلط الملف المهني بالملفات السيادية، ولا استعمال القضايا الوطنية أداة في نزاع مهني ؛ بل يعني شيئاً أبسط وأعمق: أن المحاماة جزء من البنية المؤسساتية للدولة والمجتمع، ولا يمكن أن يكون إضعافها أو إطالة أزمتها أمراً محايداً في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى مؤسسات قوية ووسائط موثوقة وقدرة عالية على إدارة الخلاف ، فالمحاماة ليست جماعة مصالح منعزلة، كما أن الدولة ليست حكومة فقط ؛ وهذا التمييز مهم في المرحلة الحالية.
الحكومة ليست الدولة :
لقد استُثمرت قنوات الحكومة، وجُرّبت قنوات البرلمان، وبلغ النزاع، بصورة أو بأخرى، القضاء الدستوري، وإن كانت الرقابة الدستورية نفسها لم تصل إلى الحسم الموضوعي الذي كان منتظراً منها ؛ لكن استنفاد بعض القنوات لا يعني استنفاد الدولة.
وهنا ربما ينبغي أن يقع أحد أهم التحولات في إدارة الملف: الانتقال من مخاطبة سلطة بعينها إلى مخاطبة العقل المؤسساتي للدولة بمختلف مكوناته، كل في حدود اختصاصه الدستوري.
فليس المطلوب البحث عن التفاف على الحكومة أو البرلمان، ولا استدعاء المؤسسات إلى ما ليس من اختصاصها. إن المطلوب هو تفعيل ما يسمح به البناء الدستوري والمؤسساتي من قنوات للحوار والوساطة والتشاور والتنبيه والاستدراك ؛ فالأزمات التي تبلغ درجة معينة لا تعود ملكاً لطرفي النزاع وحدهما؛ لأن استمرارها ينتج آثاراً تتجاوزهما إلى العدالة والمتقاضين والأمن القانوني والثقة في المؤسسات ، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجسير العلاقات بدل قطعها، وتوسيع دائرة الحوار بدل تضييقها.
لا ينبغي أن نضخم ذواتنا ولا أن نصغرها :
تحتاج المحاماة في هذه اللحظة أيضاً إلى شيء من التطبيع الداخلي مع ذاتها ، وإعادة انتاج النفس وضخ جرعات مادية ومعنوية في وعاء الصمود الذاتي قبل الصمود الموضوعي ؛ فلا إلى تهويل قوتها، ولا إلى التقليل منها ، ثم لا إلى تصوير كل مؤسسة باعتبارها خصماً، ولا إلى انتظار المنقذ من خارج المهنة.
وإن خفض فائض الأهمية لا يعني خفض سقف المطالب، بل يعني تحرير القرار المهني من الانفعال حتى يصبح أكثر قدرة على رؤية الممكن.
فلقد أثبتت التعبئة المهنية قدرتها على إنتاج موقف جماعي قوي. لكن القوة التي لا تتحول في الوقت المناسب إلى اقتراح وتفاوض ومراكمة للمكاسب قد تصبح عبئاً على نفسها ، ولذلك ينبغي أن ننتقل من سؤال: إلى متى نستطيع الاستمرار؟ ...إلى سؤال أكثر إنتاجية: ما الذي نستطيع تحقيقه قبل أن يصبح الاستمرار أكثر كلفة من مردوده؟
أسبوعان لصناعة الممكن والمباح :
من هنا يمكن النظر إلى الأسبوعين المقبلين لا باعتبارهما مهلة انتظار، وإنما باعتبارهما محطة استدراك مهني مكثف ، وينبغي خلالها الاشتغال، بالتوازي، على مسارات متعددة قانونية ودستورية ومؤسساتية وتفاوضية وتواصلية ومعرفية. فليس المطلوب تعدد المبادرات بلا تنسيق، وإنما بناء خريطة للفاعلين والقنوات والبدائل، وتحديد ما يمكن تحقيقه فوراً، وما يحتاج إلى تفاوض، وما يمكن تأجيله، وما لا يجوز التنازل عنه. وهنا يظهر الفرق بين المطلب والمخرج ، فالمطلب يحدد ما نريده ، أما المخرج فيجيب عن سؤال أصعب: كيف ننتقل من الوضع القائم إلى وضع أفضل دون أن يخسر كل طرف قدرته على تقديم النتيجة باعتبارها خطوة مسؤولة وليست هزيمة؟
إن صناعة المخارج ليست تنازلاً عن المبادئ، بل هي واحدة من أرقى وظائف التفاوض.
استعادة المبادرة :
بعد أشهر من رد الفعل على مشاريع وقرارات ومبادرات صادرة عن الغير، آن للمهنة أن تستعيد جزءاً من المبادرة ، وهذا يقتضي ألا يكون اللقاء المقبل مجرد مناسبة لتقرير الاستمرار أو التعليق أو التصعيد ، فالأجدى أن يصل الجسم المهني إلى ذلك الموعد وقد أنتج خلال الأسبوعين رصيداً جديداً من الممكنات: قنوات أُعيد فتحها، جسوراً أُنشئت، مقترحات صيغت، ضمانات طُلبت، بدائل قانونية دُرست، ومخارج مؤسساتية أصبحت قابلة للتداول.
عندئذ فقط يتغير معنى الاجتماع المقبل ؛ فبدلاً من الاختيار بين الاستمرار والتراجع، يصبح الاختيار بين سيناريوهات لكل منها شروطه ومكاسبه ومخاطره ومآلاته ؛ وهذه هي إحدى وظائف التفكير النقدي التوقعي: ألا يكتفي بتشخيص ما وقع، بل يسأل عما يمكن أن يقع، وما الذي ينبغي فعله اليوم حتى لا نجد أنفسنا غداً أمام خيارات أسوأ.
«الدَّلَك والفور» :
وهنا تستعيد المأثورة الفقهية القديمة راهنيتها: «الدَّلَك والفور».
فليس المقصود بالفور التسرع، وإنما ألا يتحول إمكان الفعل إلى فرصة ضائعة ، وليس الدَّلَك نهاية الوقت، بل تلك اللحظة التي تنبهنا إلى أن الزمن بدأ يضغط على صاحبه، وأن ما كان ممكناً بالأمس بهدوء قد لا يكون ممكناً غداً بالشروط نفسها ، فنحن، مهنياً، أمام شيء يشبه ذلك ، لم يفت الوقت، لكن الوقت لم يعد محايداً ؛ ولذلك ينبغي أن تكون الأسابيع المقبلة زمن الدَّلَك والفور معاً: وعيٌ بأن الهامش يضيق، وإرادةٌ في استعمال ما بقي منه بكفاءة ومسؤولية ، فلا يكفي أن نرص الصفوف؛ ينبغي أن نحرّكها ، كما قال ، بجرأة نادرة ، الفقيد الزعيم التاريخي والمحامي الكبير عبد الرحيم بوعبيد في اول جلسة في البرلمان بغرفتيه آنذاك ، يوم كان نائبا برلمانيا عن المحمدية ؛ ولذلك لا يكفي أن نحافظ على وحدة الموقف؛ ينبغي أن نحوّل هذه الوحدة إلى قوة اقتراح ، ولا يكفي أن نثبت أن للمحاماة قضية عادلة؛ ينبغي أن نبرهن أيضاً أن لديها القدرة على صناعة الحل العادل.
إن الدخول الاجتماعي والسياسي والقضائي المقبل يحتاج إلى محاماة حاضرة، قوية ومستقلة، ولكنه يحتاج أيضاً إلى محاماة تستعيد كامل ذكائها المؤسساتي والإجتماعي والتفاوضي، وتعرف متى تحتج، ومتى تقترح، ومتى تفاوض، ومتى تستدرك.
إن الآن قوة، والحاضر هدية؛ لكن قيمة الهدية ليست في امتلاكها، وإنما في حسن استعمالها ؛ ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا إلى الاجتماع المقبل ليس: هل نستمر في التوقف؟ بل: ماذا أنجزنا، خلال زمن التوقف، حتى يصبح القرار المقبل أكثر حرية وأقل اضطراراً؟






