يكتسي مقال الأستاذ جعفر حسون، الرئيس السابق للمحكمة الإدارية بمراكش، أهمية خاصة لأنه لا يقف عند المسؤولية المباشرة لجهة الإحالة عن عدم إرفاق القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة بالوثيقة التي اعتبرتها المحكمة الدستورية لازمة لمباشرة رقابتها، وإنما ينقل السؤال إلى مستوى آخر: هل كان النقص الذي أصاب ملف الإحالة مانعاً قانونياً لا يمكن تجاوزه، أم مجرد خطأ إجرائي قابل للاستدراك؟.
غير أن أهمية المقال قد تكون أبعد من ذلك. فهو يتيح لنا أن نسأل عما إذا كان تصريح المحكمة بـ«تعذر البت في الإحالة… على حالها» لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره جواباً تقنياً عن ملف ناقص، وإنما أيضاً باعتباره، في أحد معانيه الممكنة، فتوى دستورية ذات رسالة مؤسساتية تتعلق بكيفية إنتاج القانون نفسه.
من ثنائية الخصومة والتحقيق إلى خصوصية الرقابة الدستورية :
يستند المقال إلى التمييز بين منهجين معروفين في النظرية الإجرائية، وإن كان استعمال المصطلحين فيه يحتاج إلى تصحيح، فالمنهج الاتهامي أو الخصومي يجعل للأطراف الدور الأساسي في تقديم عناصر النزاع وإقامة حججهم، بينما يتخذ القاضي موقعاً أكثر حياداً في إدارة الخصومة ؛ أما المنهج التحقيقي أو الاستقصائي فيعترف للقاضي بدور إيجابي أوسع في إدارة الإجراءات واستكمال عناصر الملف كلما كان ذلك ضرورياً للفصل فيه.
لكن المسألة أمام المحكمة الدستورية تتجاوز، في اعتقادنا، مجرد الاختيار بين هذين النموذجين؛ لأن الرقابة السابقة على دستورية القانون ليست خصومة مدنية تقليدية بين مدعٍ ومدعى عليه.
إنها رقابة موضوعية تتعلق بالنص وبمدى مطابقته للدستور ؛ ومن ثم يصبح السؤال الحقيقي: إذا انعقدت الإحالة من جهة مختصة وحدد موضوعها، فهل يجوز أن تتوقف الرقابة بسبب نقص وثائقي قابل للاستكمال؟.
استكمال الإحالة أم استكمال ملفها؟ :
ينبغي هنا إدخال تمييز بالغ الأهمية بين استكمال الإحالة واستكمال ملف الإحالة، فالمحكمة لا تستطيع أن تحل محل صاحب الإحالة في تقرير اللجوء إليها، ولا أن تغير موضوع الإحالة أو غايتها، لكن الأمر يختلف عندما تكون الإرادة الدستورية قد عبرت عن نفسها بالفعل ، فمجلس النواب كجهة مخولة دستورياً أحالت القانون رقم 66.23 إلى المحكمة قصد فحص مطابقته للدستور، غير أن الملف لم يتضمن النسخة التي تمكن المحكمة من تحديد محل الرقابة بصورة يقينية ، وفي هذه الحالة، لا يتعلق الأمر بإنشاء إحالة جديدة، وإنما باستكمال الوعاء الوثائقي لإحالة قائمة ؛ وهنا تكمن قوة سؤال الأستاذ حسون: لماذا تحول نقص يمكن، من حيث طبيعته المادية، استكماله إلى «مانع قانوني» حال دون بلوغ موضوع الرقابة؟.
«الفتوى» الدستورية بمعنى مختلف :
يستحق استعمال الأستاذ حسون لعبارة «الفتوى الدستورية» التوقف عنده بدل استبعاده. فصحيح أن قرار المحكمة الدستورية ليس فتوى بالمعنى التقليدي للرأي الاستشاري الذي يجوز الأخذ به أو تركه. فقرارات المحكمة تتمتع بالحجية التي يقررها الدستور ، لكن مفهوم الفتوى يمكن استعادته هنا بمعناه الأوسع: قول المؤسسة الدستورية العليا في معنى الدستور وحدود انتظام عمل السلطات في ضوئه ؛ فالفتوى بهذا المعنى ليست نقيض الحكم، وإنما وظيفة تفسيرية وتوجيهية كامنة فيه ، وقد يكون تصريح التعذر نفسه مثالاً دالاً على ذلك. فالمحكمة لم تقل إن القانون مطابق للدستور ، ولم تقل إنه غير مطابق له ، ولم تقل حتى إن الرقابة أصبحت مستحيلة بصفة نهائية. لقد قالت إنها تتعذر «على حالها». وهذه العبارة الصغيرة قد تكون أثقل دلالة من ظاهرها.
«على حالها»: من توصيف الملف إلى رسالة للمؤسسات؟ :
يمكن قراءة «على حالها» باعتبارها قيداً على التعذر ذاته.
فالمتعذر ليس، بالضرورة، مراقبة القانون في ذاته، وإنما البت في الإحالة بالحالة التي قدمت بها ؛ ومن هنا يصبح ممكناً، دون نسبة قصد غير ثابت إلى المحكمة، التساؤل عما إذا كان المنطوق يؤدي عملياً وظيفة تتجاوز الملف المعروض عليها ، فقد يكون في التصريح نوع من الإنذار المؤسسي الهادئ: لا يمكن أن تستمر العملية التشريعية وكأن شيئاً لم يقع، لأن القانون الذي انتهى البرلمان من التصويت عليه دخل فعلاً دائرة الرقابة الدستورية، ثم توقفت هذه الرقابة قبل بلوغ موضوعها بسبب خلل في كيفية إعداد الإحالة. وإذا أضفنا إلى ذلك توجيه المحكمة بنشر تصريحها في الجريدة الرسمية، اكتسبت الواقعة بعداً أوسع من مجرد تدبير داخلي لملف ناقص ؛ فالنشر يجعل التعذر واقعة دستورية معلنة في المجال العام ، وبمثابة صعوبة واقعية وإشكال قانوني يقتضيان الحسم فيهما قبل المواصلة ! .
رسالة سياسية دون تسييس المحكمة :
هنا يلزم قدر كبير من الدقة؛ فالقول إن القرار قد يحمل رسالة سياسية لا يعني أن المحكمة اتخذت قراراً حزبياً أو دخلت في الصراع السياسي ، فالقرار القضائي الدستوري يمكن أن ينتج أثراً سياسياً من دون أن يكون قراراً سياسياً ، والرسالة المحتملة هنا لا تتعلق بالانتصار لطرف على آخر، بل ربما تتعلق بالعملية التشريعية ذاتها ؛ فالقانون رقم 66.23 لم يكن نصاً تقنياً عادياً؛ لقد نشأ في سياق شديد التوتر بين الحكومة والجسم المهني، وأثار نقاشاً واسعاً حول الحقوق والحريات واستقلال المحاماة وشروط التشريع والحوار المؤسساتي ، ثم جاءت الرقابة الدستورية المنتظرة، فتوقفت هي الأخرى عند عتبة إجرائية.
وهنا يصبح ممكناً قراءة التعذر باعتباره واقعة كاشفة: إن الخلل لم يعد محصوراً في مادة من مواد القانون، وإنما امتد إلى طريقة إنتاج القانون، وإدارة الخلاف بشأنه، ثم إلى كيفية إحالته على المحكمة الدستورية.
من تصحيح الوثيقة إلى إعادة ترتيب العملية التشريعية :
إذا قبلنا بهذا الأفق في القراءة، فإن الاستدراك المطلوب لا ينبغي اختزاله في العثور على نسخة القانون وإرفاقها برسالة جديدة.
ذلك هو الحد الأدنى الإجرائي ، أما الاستدراك الأعمق فهو أن تستفيد المؤسسات من لحظة التعذر لإعادة النظر في المسار الذي أوصلها إليها ، بتقييم ما حصل وتقويم المسار التشريعي .
وهنا تتحول عبارة «على حالها» من مجرد وصف لحالة ملف إلى سؤال موجه إلى جميع الفاعلين: هل ينبغي أن يستمر القانون على حاله؟ وهل ينبغي أن تستمر طريقة تدبير الخلاف حوله على حالها؟ فليس معنى ذلك أن المحكمة أمرت بإعادة التشريع أو بإعادة فتح الحوار؛ فلا ينبغي تحميل منطوقها ما لم يقله. ، لكن التفكير في مآلات القرار يسمح بالقول إن التصريح خلق فرصة سياسية ودستورية لإعادة ترتيب المسار.
الاستدراك التشاركي بدل الاستدراك الوثائقي وحده :
ومن هنا يمكن تطوير مفهوم فقه الاستدراك الدستوري خطوة إضافية ، فالاستدراك قد يكون إجرائياً: استكمال الوثيقة الناقصة وإعادة تمكين المحكمة من الرقابة ، وقد يكون تشريعياً: إعادة فحص بعض الاختيارات التي أثارت اعتراضات دستورية جدية ؛ وقد يكون مؤسساتياً: مراجعة طريقة إعداد الإحالات وضمان عدم تكرار مثل هذا الخلل. لكنه يستطيع أيضاً أن يكون استدراكاً تشاركياً: إعادة فتح فضاء الحوار بين الحكومة والبرلمان ومؤسسات المهنة والفاعلين المعنيين، ليس لإعادة إنتاج الاستقطاب السابق، وإنما للبحث عما بقي ممكناً من التوافق والتصحيح. وهنا تكتسب «الفتوى» معناها السياسي النبيل: ليست أمراً صادراً عن المحكمة بإعادة التفاوض، وإنما إشارة دستورية تنتج فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين القانون ومجتمعه.
من الخطأ المزدوج إلى التعلم المؤسسي :
لهذا قد يكون من المفيد تجاوز صيغة «الخطأ المزدوج» التي انتهى إليها الأستاذ حسون ، فلدينا أولاً خطأ ظاهر في تجهيز ملف الإحالة ، ولدينا، ثانياً، سؤال فقهي مشروع حول مدى إمكان استدراك المحكمة لذلك النقص قبل التصريح بالتعذر.
لكن الأهم يوجد في المستوى الثالث: ماذا ستفعل المؤسسات بعدما أصبح الخطأ معلوماً ومعلناً ومنشوراً؟.
فهنا ينتقل الأمر من المسؤولية عن الماضي إلى المسؤولية عن المستقبل، فالدولة الدستورية لا تقاس فقط بقدرتها على منع الأخطاء، وإنما كذلك بقدرتها على التعلم منها واستدراك آثارها وعدم تحويل الخطأ القابل للإصلاح إلى أمر واقع نهائي.
«من اختار لا يرجع» أم «من اختار الرقابة عليه استكمال شروطها»؟ :
يختم الأستاذ حسون مقاله بقاعدة «من اختار لا يرجع».
وهي عبارة قوية من حيث الدلالة، لكن يمكن تطويرها دستورياً إلى قاعدة أدق: من اختار تفعيل الرقابة الدستورية لا ينبغي أن يجعل خطأه الإجرائي وسيلة عملية لإجهاض الغاية التي من أجلها فعلها ، لأن الإحالة لم تكن موقفاً سياسياً رمزياً؛ إنها إجراء دستوري قصد منه الحصول على جواب المحكمة بشأن مطابقة القانون للدستور. وما دام ذلك الجواب لم يصدر، فإن السؤال الدستوري يبقى قائماً ، ومن هنا يصبح نشر القانون، دون استنفاد ما بقي ممكناً من سبل استكمال الرقابة، منتجاً لإشكال أعمق: أن يتحول الخطأ الإجرائي إلى طريق مختصر لفرض الأمر الواقع.
التعذر باعتباره لحظة لإعادة الترتيب :
لعل أهم ما يسمح به مقال الأستاذ جعفر حسون، إذن، هو الانتقال من سؤال: من تسبب في تعذر البت؟ إلى سؤال أوسع: ماذا ينبغي أن نفعل دستورياً ومؤسساتياً بعد تعذر البت؟.
وهنا تلتقي «الفتوى الدستورية» مع «فقه الاستدراك» ومع التفكير النقدي التوقعي.
فإذا كانت المحكمة قد قالت إن البت متعذر «على حالها»، فإن أجدى استجابة مؤسساتية ليست التسليم بالحال، وإنما التساؤل عما يمكن تغييره فيها.
قد تكون الرسالة الأعمق التي ينتجها القرار، بصرف النظر عن إثبات القصد الذاتي لقضاته، أن العملية التشريعية التي أفضت إلى هذه النهاية تحتاج هي نفسها إلى لحظة مراجعة ؛ ليس فقط لاستكمال وثيقة ناقصة، وإنما لاستكمال الحوار الناقص ، وليس فقط لإعادة إحالة القانون، وإنما ـ حيث ما زال ذلك ممكناً دستورياً وسياسياً ـ لإعادة ترتيب شروط إنتاجه بصورة تشاركية.
وعندئذ يصبح تصريح التعذر، على نحو مفارق، أقل تعبيراً عن نهاية الرقابة منه عن فرصة لاستئناف السياسة الدستورية من حيث تعطلت: بالحوار، والاستدراك، والتعلم، وإعادة بناء الثقة في العملية التشريعية نفسها.






