ان التراجع لا يعني بالضرورة وجود مادة تقول صراحة: «تمس استقلالية المحامي». فاستقلال المهنة يُقاس أيضًا بمدى استقلال مؤسساتها، وبصلاحيات النقيب ومجلس الهيئة، وبحدود تدخل النيابة العامة، وبضمانات المحامي في المسطرة التأديبية، وبمدى حماية حرية الدفاع.
وما دمنا قد دُعينا إلى تحديد مواطن الاعتراض، فهذه بعض منها:
أولًا: تقليص صلاحيات النقيب ومجلس الهيئة، مقابل توسيع وتعزيز صلاحيات الوكيل العام للملك في عدد من المساطر المرتبطة بتدبير الشأن المهني والتأديبي، بما يعيد رسم التوازن الذي كان قائمًا بين التنظيم الذاتي للمهنة والرقابة القضائية.
ثانيًا: توسيع نطاق تدخل غرفة المشورة في المادة التأديبية، ولم يعد دورها في بعض الحالات مقتصرًا على مراقبة مشروعية القرار وإلغائه وإعادة الملف إلى المؤسسة المهنية المختصة، بل أصبح لها حق التصدي والبت في الموضوع. وهنا يطرح، بكل مشروعية، سؤال احترام التقاضي على درجتين، خاصة عندما ينتقل النظر في جوهر المسؤولية التأديبية مباشرة إلى القضاء بدل الإلغاء والإحالة على مجلس الهيئة للبت من جديد.
ثالثًا: تقليص الآجال الممنوحة للنقيب للبحث والبت في الشكايات. والسرعة مطلوبة، نعم، ولكن ليس على حساب البحث الجدي وضمان حسن تقدير الوقائع، خصوصًا في ملفات قد تكون معقدة وتحتاج إلى التحري وجمع المعطيات.
رابعًا: تقليص المدة الممنوحة لمجلس الهيئة للبت في المساطر التأديبية، مع ترتيب آثار قانونية على عدم البت داخل الأجل، بما يؤدي في بعض الحالات إلى انتقال الملف خارج المؤسسة المهنية.
خامسًا: تقليص الأجل الممنوح للمحامي المتابع لإعداد دفاعه، في مسطرة قد تنتهي بعقوبات مهنية خطيرة تمس مستقبله المهني. وضمان حق الدفاع لا يتعلق فقط بوجود إمكانية الدفاع من الناحية الشكلية، وإنما كذلك بمنح المحامي الوقت الكافي والفعلي للاطلاع على الملف وإعداد جوابه.
سادسًا: توسيع نطاق المسطرة الشفوية، وهو أمر يستحق بدوره النقاش من زاوية ضمانات الإثبات والتوثيق وحقوق الدفاع، خصوصًا في المادة التأديبية.
سابعًا: عدم تحديد المخالفات التأديبية على سبيل الحصر، والإبقاء على مفاهيم واسعة وقابلة لتفسيرات متعددة، بما يطرح مسألة الأمن القانوني وإمكانية توقع المحامي مسبقًا للأفعال التي يمكن أن تؤسس لمسؤوليته التأديبية.
ثامنًا: فتح المجال لتحريك مسطرة بشأن ما قد يصدر عن المحامي أثناء الجلسة. وهنا لا يكفي أن نقرأ الضمانة المقررة لحرية الدفاع بمعزل عن الآليات الإجرائية التي تحيط بها؛ لأن استقلال المحامي وحرية مرافعته يقاسان بالضمانة القانونية وبكيفية تنزيلها عمليًا معًا.
تاسعًا: توسيع آليات مراقبة مكاتب المحامين، وإعطاء الوكيل العام دورًا في طلب إجراء هذه المراقبة، وهو مقتضى لا يمكن فصله عن النقاش العام المتعلق بحدود استقلال التنظيم المهني.
عاشرًا: توسيع الرقابة على القرارات المهنية والنظام الداخلي للهيئات، وتعزيز قابلية عدد من قرارات النقيب والمجلس للمنازعة والطعن، بما يوسع حضور جهات خارج أجهزة الهيئة في تدبير شؤون المهنة.
حادي عشر: حلول الوكيل العام محل المؤسسة المهنية في بعض الحالات عند عدم احترام الآجال أو عدم تنفيذ بعض القرارات، وهو ما يمثل، من الناحية المؤسساتية، انتقالًا فعليًا لبعض الصلاحيات عند تحقق شروط معينة من أجهزة المهنة إلى النيابة العامة.
ثاني عشر: أما الولوج إلى المهنة، فإن جزءًا مهمًا من النظام الجديد يرتبط بصدور نصوص تنظيمية وتطبيقية، وهو ما يجعل تنزيل بعض مقتضياته مؤجلًا إلى حين استكمال الإطار التنظيمي، رغم أن الولوج والتكوين كانا من الملفات الأساسية التي كان يفترض أن يحسم فيها المشرع لا ان يعيد مانص عليه في القوانين السابقة من احداث معاهد لتكوين وربطها بصدور مراسيم تنظيمية ليبقى الحال كما هو عليه ٠
إنها مقتضيات محددة تطرح أسئلة حقيقية حول التراجع عن بعض المكتسبات التي كانت قائمة في القانون السابق.
لقد كنا ننتظر من الإصلاح أن يراكم المكتسبات ويطورها ويضيف إليها ضمانات جديدة، لا أن يستبدل بعضها بضمانات أقل أو برقابة أوسع.
لنقرأ القانون الجديد، ولنضع بجانبه القانون السابق؛ مادة أمام مادة، وضمانة أمام ضمانة، وصلاحية أمام صلاحية.
عندها فقط نستطيع أن نسأل بموضوعية:
هل تعززت صلاحيات النقيب ومجلس الهيئة أم تقلصت؟
هل اتسعت مساحة التنظيم الذاتي للمهنة أم اتسعت الرقابة عليها؟
هل تعززت ضمانات المحامي المتابع تأديبيًا أم تقلص بعضها؟
وهل أضاف القانون إلى مكتسبات المحاماة أم تراجع عن جزء منها؟
هذه هي القراءة التي نطالب بها.
فنحن لسنا ضد الإصلاح، بل نريد إصلاحًا حقيقيًا. ولسنا ضد القانون، بل نطالب بقانون أفضل يحافظ على المكتسبات، ويصحح مواطن التراجع، ويعزز استقلال المحاماة باعتبارها ضمانة لحقوق الدفاع وحسن سير العدالة
نعم، البداية بقراءة القانون… ولكن القراءة الحقيقية لا تكتفي بما جاء به، بل تسأل أيضًا عمّا فقدناه مقارنة بما كان لنا.






