شهدنا في الآونة الأخيرة نقاشاً متكرراً يعقب كل قرار توقيف تتخذه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في حق "خطيب جمعة" بمبرر قانوني هو مخالفته للضوابط المقررة ..
حيث يخرج البعض في حماس شديد للتعاطف مع الخطيب المعزول، مصوراً إياه في ثوب "البطل" الذي ضحى بمنبره من أجل قول كلمة حق في قضايا كبرى، مثل مهرجان غنائي؛ أو القضية الفلسطينية، أو قضية سبتة ومليلية، أو مناقشة أي قضية من قضايا الخوف و الأمن المطلوب فيها الرد إلى أولي الأمر ؛ الذين هم اليوم مراكز البحوث و الرصد و المستندات و التفكير الاستراتيجي و التوقعات المستقبلية .
لكن قراءة هادئة ومتزنة لهذا السلوك تظهر أن ما يُحسب في ظاهره "مواقف جريئة" من خطيب لا يخاف إلا الله ، ليس في حقيقته سوى "تهور غير مسؤول" ، وافتقار عميق لمعرفة معنى الدولة و صناعة السياسات الدولية وتداعياتها.. و من منظور مقرب للفهم ، هو تهور ناتج عن جهل لفقه المآلات كما قرر علماء الأصول و مقاصد الشريعة، بالإضافة إلى جهل بطبيعة إدارة شؤون الدين و التدين في الدولة الحديثة..
و لابد من التذكير أن المجال الديني محفوظ بمؤسسة "إمارة المؤمنين" في مملكتنا الشريفة ؛ وهي تحرص أشد الحرص على تدبير أمور الإسلام بحكمة وتناغم تام مع قضايا السياسة الكبرى للدولة.
دعوني أقدم رأيي من خلال موقعي بكل تواضع كممارس للدعوة الى الله منذ كنت تلميذا في الثانوية ؛ ثم مناضلا إسلاميا في الجامعة ؛ ثم استاذ للاسلاميات لأكثر من ثلاثين سنة ؛ و حاصلا على شهادة عليا في مقارنة الأديان ؛ وبعدها مسؤولا أشارك في تدبير الشأن الديني من موقع رئيس للمجلس العلمي لمدينة طانطان اليوم ..
ومن خلال هذا التدرج كنت دوما واعظا و خطيب جمعة بالمساجد ؛ و محاضرا بالملتقيات الثقافية في قضايا الفكر الإسلامي و الحداثة و تحديات الأمة الإسلامية من فلسطين إلى أفغانستان إلى البوسنة..
لقد خطبت كثيرا ؛ و حاضرت كثيرا ؛ وأفهم و أدرك سيكولوجية الخطباء وعقلياتهم و طبقاتهم..
وسوف أتناول الموضوع من خلال ثلاثة مداخل أساسية؛ أعتقد أنها موصلة إلى فهم مقصودي "بتهور الخطيب المعزول" وهي :
1- الدولة باعتبارها أوركسترا ؛ والمايسترو الحكيم.
إن إدارة دولة بحجم المملكة المغربية بتاريخها العريق وموقعها الجيوسياسي الشديد الأهمية ، لا تُدار بالعواطف المرتجلة، ولا بالخطب الحماسية التي تطلق على عواهنها من فوق المنابر ؛ فمؤسسة "إمارة المؤمنين" تمثل صمام الأمان والبوصلة الاستراتيجية للبلاد ، وهي تدير شؤون الدولة داخلياً وخارجياً، بعقلانية وذكاء شديدين و شاملين ؛ حيث توزن المصالح والمفاسد بميزان فائق الدقة.
و "منبر الجمعة" ليس معزولا عن هذه الأوركسترا المتناغمة في الدولة؛ بل هو جزء مهم وذو حساسية خاصة ، ضمن " صناعة المقطوعة الرائعة " ؛ فهو ليس منبراً للتحليل السياسي العشوائي ، ولا مسرحاً للمزايدات الشعبوية، بل هو مؤسسة دينية تربوية توجيهية ، تحوطه هالة قدسية و رمزية ؛ و المنبر مستنير بالمؤسسة الدينية التابعة لـ "أوركسترا الدولة"؛ حيث تلعب كل مؤسسة سواء أمنية أو اقتصادية أو تربوية دورها بتناغم تام مع بقية المؤسسات بقيادة "المايسترو" الحكيم. فإذا قرر عازف في الفرقة العزف "على هواه" خارج النوتة المرسومة، فإنه لن يحقق ابداعا للحن خارق؛ بل سيفسد المقطوعة بأكملها ويثير التشويش والنشاز ؛ و "النشاز" في منطق الدولة هو نوع من الفشل في الإدارة؛ إن لم أقل علامة على سوء في التدبير ؛ و هشاشة في الاشتغال المؤسساتي..
2- خطأ التوقيت وفقه المآلات :
إن الموقف في القضايا الكبرى كقضية "فلسطين" و قضية "سبتة ومليلية" أو العلاقات الدبلوماسية المعقدة بين الدول ؛ ليست بالخفاء الشديد على الدولة، و الدولة ليست عاجزة عن القيام بالمطلوب كما يعتقد البعض، بل لأن "المطلوب" في نظر "عقل الدولة و تصورها " ليس هو المطلوب في نظر " المواطن المفرد" ؛ أو "الصحفي" الذي يكتب عموده وهو يحتسي قهوته الصباحية ؛ أو "خطيب الجمعة" الذي يملك خزانة من عشرات الكتب التي أغلب عناوينها من علم الفقه؛ بل إن عقل الدولة هو جماع عقول الصحفيين ، و عقول منظري السياسة ، و عقول منظري الأديان ، و عقول منظري القضايا الأمنية؛ و عقول منظري الإقتصاد ، وعقول مهندسي السياسات المستقبلية ؛ مع استحضار المستوى العالي و العالمي لكل هؤلاء المنظرين بالنظر لشواهدهم و تنوع لغاتهم ؛ ناهيك عن علاقاتهم الدولية المتشابكة؛ و سرعة حصولهم على المعلومات المحينة في كل وقت..
فتدبير الدولة قولا و فعلا يخضع لـتوقيت دقيق، واستراتيجية ديبلوماسية وسيادية تملك الدولة "وحدها" مفاتيحها وأسطر على عبارة وحدها .
و الخطيب الذي يتوهم أنه يخترق طوقاً أو يحقق إنجازاً بنقاش هذه الملفات على المنبر، هو في الواقع كمن يتدخل في "عملية جراحية" دقيقة بمشرط بدائي مدعياً "الشجاعة" وإدراك ما لا يدركه غيره !!
فهو لا يخدم القضية التي يتحدث عنها، بل يمنح الخصوم مادة للاستغلال، ويخلق تشويشاً مجتمعياً يزور الحقائق في عقول الناس أولا ؛ ثم يبخس جهود الدبلوماسية الرسمية التي تتحرك بخطى ثابتة ومدروسة ثانيا.
إن الشجاعة الحقيقية ليست في الصراخ و تهييج الجماهير ، بل في معرفة متى تُقال الكلمة ، وكيف تُقال ، وما هي مآلاتها. وهي المقصود من توجيه القرآن إلى الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة ..
3 - : تفكيك زيف "البطولة" على المنبر :
حين يُعزل خطيب بسبب إخلاله بالأمانة العلمية والوظيفية ؛ و بسبب مخالفته لدليل الإمام و الواعظ و الخطيب، وهو الكتاب الجامع للحكمة المراد الاستهداء بها اليوم ؛ و هو كتاب ألفه جمهور من العلماء المغاربة؛ أبناء المملكة الشريفة ، و "أبناء الوقت"؛ أي نخبة عارفة بزمنها ..
يسارع المتعاطفون مع الخطيب المعزول لوضع تاج البطولة على رأسه ؛ وهنا يبرز الخلل المعرفي الخطير الذي يتجلى في ما يلي :
أ - الخلط بين الجرأة في قول الحق و بين التهور : فالجرأة المطلوبة شرعاً وعقلاً هي التي تقترن بالحكمة وتحقيق المصالح، أما التهور فهو إلقاء الكلام بحيث يجلب المفاسد ويخرق الضوابط القانونية والتنظيمية ؛ و هو مذموم ديانة وقانوناً بالنظر لمآلاته القريبة و البعيدة .
ب - استغلال عواطف الجمهور: يعلم بعض الخطباء أن دغدغة عواطف المصلين بشعارات رنّانة والحديث في كل أمر من أمور الأمن و الخوف أي أمور الدولة ؛ تمنحهم - أي الخطباء - هالة زائفة من البطولات الوهمية، تجعلهم يعتقدون بأنهم بقولهم هذا قد ساهموا في حل المسألة السياسية تلك ؛ و قدموا الأطروحة المناسبة التي عجز عنها " أهل التخصص و الخبرة " ؛ و ينسى الخطيب المتهور أنه يعلن من فوق المنبر فشله في تحمل المسؤولية الكبرى المتمثلة في حفظ السلم الاجتماعي ووحدة الصف.
ج - عدم أداء الأمانة : فالمنبر ليس ملكاً شخصياً للخطيب، يعبر فيه عن آرائه الخاصة ومزايداته السياسية، بل هو أمانة وطنية ودينية عهدت إليه إمارة المؤمنين برعايتها ؛ شريطة الالتزام بالتوابث الدينية المغربية ، القائمة على الوسطية، الوحدة، و عدم التشويش، و عدم إثارة الفتنة، و جعل المحافظة على الأمن الروحي للأمة أولى الأولويات.
وختاما ؛ إن الرهان الحقيقي في مملكتنا المغربية الشريفة اليوم ؛ ليس في البحث عن "بطولات زائفة" على حساب استقرار الوطن، بل في إدراك أن قوة المملكة الشريفة تكمن في تماسك مؤسساتها ؛ وانسجام سيرها وخطواتها ؛ و اندماجية سياساتها القطاعية فيما بينها .
والمطلوب من كل "داعية إلى الخير" و كل "صاحب منبر حق" أن يساهم بجانب إمارة المؤمنين في الدفاع عن اختيارات الدولة ؛ و الثقة في أن تدبير شؤون السياسة والدولة أمانة في عنق إمارة المؤمنين؛ وهي مخلصة بحكمتها المعهودة في أداء الواجب الوطني والشرعي الأكبر ، في حماية الدين و الملة و الحوزة الوطنية.
وعلى "خطيب الجمعة" أن يدرك أن خطابه التربوي الموجه لبناء الإنسان وتزكية النفوس وتوحيد الكلمة، أبلغ أثراً وأعظم أجراً من كل "الخطب الحماسية" التي لا تزيد المواطن إلا تشويشا و الصف تشرذما، والوطن انتكاسا ؛..
فالبطولة الحقيقية هي أن يكون المرء لبنة صالحة في صرح بناء الدولة، لا معول هدمٍ يفسد عمل جماعة الدولة..
فنحن نحتاج - وأصرح بها كرئيس للمجلس العلمي - إلى خطيب للجمعة يملك من مراتب الوعي و البصيرة وبعد النظر و تحمل المسؤولية الحضارية؛ ما يجعله يدرك أن "صمته" أحيانا هو عين الحكمة ؛ و لب عقل الفقيه الحاذق و العالم العضوي ؛ فقاعدة ( ليس كل الحق يقال ) قد قررها علماؤنا من قديم؛ رضي الله عنهم جميعا ؛ عندما كان العالم يدرك "أهمية الكلمة" في جعل الأمة إما أن ترتقي في درجات الفردوس الأرضي بين الأمم ؛ أو تهوي سبعين خريفا في جحيم التخلف و فقدان السيادة .






