تعرفت على الأستاذ عبد العزيز بناني في علاقة مباشرة سنة 1993 بالمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، حيث كنت قد بدأت الاشتغال رفقة المرحوم إدريس بنزكري مع ذ. علي اومليل لفترة قصيرة ثم جمعنا العمل معه ضمن نفس المكتب الوطني للمنظمة وبعد ذلك كنت نائبا للرئيس بناني.
لم يكن الرجل سهل المراس بل كان حاد الطباع، منفعل مع الأحداث والقضايا، حريصا على الدقة، وحذرا مما لا يعرفه كثيرا سواء أشخاصا أو قضايا، وكان كل ذلك يتطلب الرد من خلال المعرفة وضبط الملفات والحرص على صدقية الموقف، والتمتع بقدر كاف من الهدوء والمرونة في التعامل.
إن قيادة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان آنذاك لم يكن بالأمر السهل ولا اليسير، لأنها كانت فعلا بيت خبرة وشبكة لقيادات لها تجارب كبيرة ومن مشارب متعددة، ومجالات عمل متنوعة من محاميين وأساتذة القانون والعلوم الاجتماعية وفنانين ونقباء وصحفيين وقيادات حزبية ونقابية ونسائية ومناضلين ومناضلات من مدارس سياسية متعددة ونشطاء بارزين غير متحزبين. وكانت إدارة الاختلاف والتعدد نفسها معركة اتجاه الذات ومع الآخرين، من حيث تجاوز مخلفات الثقافات الأصلية السائدة وأشكال التعامل المتعارف عليها وتدبير التوازنات اللازمة دون التفريط في المرتكزات الحقوقية للمشروع.
لقد كان المجلس الوطني للمنظمة يشكل حدثا فعليا للتناظر واتخاذ الموقف، وكانت مكوناته تعطي للمنظمة قيمة مضافة وقوة معنوية اتجاه جميع الفرقاء والمؤسسات. كما أن الفعاليات الغير المنتمية حزبيا كانت لها مكانة اعتبارية وازنة ومحترمة من الجميع.
ولذلك شكلت المنظمة مدرسة لتدبير الاختلاف والتعدد، وبناء ثقافة حقوقية قوامها المرجعية الكونية وإلتزامات المغرب والقواعد القانونية للبلاد. وقد كانت رائدة في إعداد التقارير الموازية والترافع بشأنها لدى الهيآت الأممية المختصة بجنيف، فضلا عن التقرير السنوي عن وضعية حقوق الإنسان والتقارير الموضوعاتية وتلك المتعلقة بالتقصي ومراقبة المحاكمات، والتي كانت تجد لها صدى قويا داخل المغرب وخارجه.
وكان مقر المنظمة الفضاء الأول الذي عرف جلسات بوح ورعاية طبية للضحايا الناجين من الاختفاء القسري (تازمامات، قلعة مكونة...) برعاية أطباء وصيادلة المنظمة، كما استقبل أولى تظلمات أفراد من عائلة أوفقير ومن بينهم المرحومة والدتهم فاطمة أوفقير فضلا عن قدماء المعتقلين السياسيين.
واستطاعت المنظمة أن تعطي للعمل الحقوقي خلال هذه الفترة أقوى أبعاده من خلال احتضانها للقضية الأمازيغية ومطالبتها بالاعتراف بها كلغة وثقافة وهو ما جعل افتتاح مؤتمرها سنة 1996 على ما أظن قبلة للحركة الأمازيغية، وقد كان هذا الانخراط ضمن فعل أعطى للبعد الثقافي والفني حضورا متميزا من خلال إحياء اليوم العالمي لحقوق الإنسان مرة عبر تنظيم معرض تشكيلي كبير أشرف عليه المرحوم الفنان التشكيلي محمد القاسمي وعرف مساهمة أبرز الأسماء التشكيلية المغربية، ومرة أخرى بحفل فني رفيع من إحياء الفنانين العراقيين الشهيرين منير بشير ونصير شمة، وآخر من قبل الفنان الارجتيني استريا ميغيل انجيل M.A. Estrella أو استقبال باخرة السلام اليابانية بالدار البيضاء وغيرها.
لقد انخرط عبد العزيز بناني بقوة في هذه الدينامية وكان أحد ركائزها الأساسيين، خاصة عندما تولى رئاسة المنظمة. ومكنه الاحتكاك المتواصل مع الفعاليات غير المنتمية حزبيا من بناء ثقة مرتكزة على المعرفة والمرجعية وتوسيع فضاء مكونات ثقافة حقوق الإنسان، والتناظر البناء في مستجدات قضايا حقوق الإنسان ومتطلبات إحداث وتطوير نواة لعمل احترافي. والواقع أن هذا المراس جعل الأستاذ عبد العزيز بناني يبتعد أكثر عن الانتماء الحزبي بمعناه الضيق ليعانق ثقافة حقوق الإنسان كمرجعية، والموضوعية وعدم التحيز حتى أثناء العمليات الانتخابية للمنظمة، والانفتاح عن الآخر المخالف أو القادم من فضاءات مغايرة. وقد مكنه ذلك من الانفتاح على وجوه جديدة في حياته اذكر منها علاقته الخاصة مع المرحوم إدريس بنزكري أثناء تواجدهما معا بقيادة المنظمة.
وعرفت المنظمة معه تطورا من حيث توفير شروط محترمة من التدبير الإداري لأول مرة، والذي كان يشرف عليه في مرحلة أولى المرحوم إدريس بنزكري ومرحلة لاحقة الحبيب بلكوش، علما أن الاثنين كانا عضوان في المكتب الوطني ونائبين للرئيس في مراحل متتالية. وهكذا عمل بناني على البحث عن داعمين للعمل الحقوقي لتجهيز مقر المنظمة لأول مرة بالحواسب وتوفير المواد لتدبير المقر إلى أن وصل إلى توفير القدر اللازم للدخول في مرحلة شراء مقر المنظمة الحالي. كما كان يمكن المنظمة – بحكم علاقاته بما فيها مع الاتحاد الاشتراكي- من إصدار كتب ولو لم تكن الموارد المالية متوفرة وذلك عن طريق دار النشر المغربية. إن حديثي عن الحقوقي المحترف هنا، القصد منه ذلك المناضل الحقوقي الذي عانق قضية وأصبحت جزءا من كيانه وحياته، فأعطاها كامل وقته وانشغاله وإمكاناته.
وكان لعبد العزيز بناني حضور دولي رغم حدة طباعه والصراحة المباشرة في المواجهة والتعبير كلما اقتنع برأي، وكانت هذه السمات في شخصيته تخلق له ولأصدقائه أحيانا متاعب في العلاقات الشخصية مع بعض الفرقاء. لقد كان من مؤسسي الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان إلى جانب مغاربة آخرين من بينهم إدريس اليزمي وسعيد السولامي، وأصبح أول رئيس لها، كما كان له حضور معنوي بارز لدى غيرها من المنظمات الدولية ومنها اللجنة الدولية للحقوقيين والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان.
كان الرجل يفاجئك أحيانا بالوصول مبكرا إلى الرباط وهو يحمل مشروع بيان كموقف من أحداث جارية توصل ببعض المعلومات عنها. وتجده يتصبب عرقا ويداه ترتعشان لأنه لم ينم الليلة وهو يرافق الحدث، كما وقع ذلك أثناء حملة التطهير الذي قادها وزير الداخلية ضد عدد من رجال الأعمال في أواسط تسعينيات القرن الماضي. وحظي البعد المغاربي في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان باهتمام خاص، لعبت فيه المنظمة، وعبد العزيز بناني شخصيا، دور المدافع والناطق باسم نشطاء تونس بالخصوص في زمن التضييق على الرابطة التونسية، وهذا ما يشهد عليه التكريم الذي حظي به من طرف الرئيس التونسي آنذاك منصف المرزوقي بالقصر الرئاسي بتونس.
ولا يمكن الحديث عن عبد العزيز بناني دون استحضار بالأخص وجهين كانا دوما من أقرب الناس إليه، الواحد هو ذ. محمد الحلوي، رفيقه ومحاوره الأقرب والذي يستشيره ويستمع إلى آرائه واقتراحاته بعناية فائقة، في نوع من "التواطؤ" الجميل بين مناضلين اقتسما مسار حياة من الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد الاشتراكي مرورا بمهنة المحاماة والترافع في القضايا السياسية، والثاني هو زوجته السيدة بديعة التي كانت الدعامة المعنوية والنفسية، والتي تتبع بالهاتف أحواله باستمرار، كما تجدها بالمؤتمرات الوطنية للمنظمة جالسة باستمرار حتى ساعات متأخرة من الليل موفرة العناية والرعاية لرفيق الحياة فضلا عن احتضان بيتها لعدد من اللقاءات الخاصة والعامة بكل عناية.
إن "الخصوم" والأصدقاء يعترفون للرجل بدوره المتميز في حركة حقوق الإنسان مغربيا ودوليا، كإحدى الشخصيات التي أعطت الكثير للإرتقاء بالعمل الحقوقي والمساهمة في الدفع به نحو الاحترافية والاستقلالية، حتى أنه جند لهذا العطاء إمكانيته المادية الشخصية ومكتبه للمحاماة في الدار البيضاء ووقته المتواصل وشبكة علاقاته. فتحية لرجل طبع حضوره مرحلة تحول في الحركة الحقوقية اكتسبت فيها المنظمة احترام الجميع ودخلت ولو لفترة لمرحلة تجربة احترافية في الأداء دون فقدان التطوع والعطاء الحر، وبناء جاذبية قوية لدى النخب والهيآت من خلال العمل والمواقف، وهو ما جعل حتى من تصادم معهم يعترفون للرجل بعطائه ودوره في هذه المسيرة.
تعليق الصورة
من آخر الصور مع الفقيد وفي ضيافته رفقة عدد من اصدقائه و رفاق دربه . من اليمين: هاني مجلي ( المركز الدولي للعدالة الانتقالية )، محمد النشناش، مصطفى يزناسني، الحبيب بلكوش، خالد الناصري، محمد الحلوي، محمد الناصري(الخبير في الجغرافيا)، الفقيد عبد العزيز بناني ومحمد اليازغي.
رحم الله من غادرونا وأطال في عمر الباقين.






