سياسة واقتصاد

هل يحق لإسبانيا أن تحدد للمغاربة متى يكون الحديث عن سبتة ومليلية مسموحاً ومتى يكون ممنوعاً؟

علي التياسير

المسألة أخطر من مجرد تصريح لوزير الخارجية الإسباني.

لأن ما يثير الاستغراب ليس فقط أن وزير الخارجية الإسباني يرفض أي نقاش حول سبتة ومليلية، فهذا موقف إسباني معروف ويمكن فهمه.

لكن المثير فعلاً هو رفضه حتى للتبرير الذي قُدم من الجانب المغربي.

فقد قيل من الطرف الاسباني ان بوريطة اعتبر ان تصريحات بعض الوزراء المغاربة حول سبتة ومليلية جاءت في سياق انتخابي، وإن الوزراء عندما يتحدثون بصفاتهم الحزبية لا يتحدثون بالضرورة باسم الدولة أو الحكومة.

لكن هل قبل وزير الخارجية الإسباني بهذا التفسير؟

الجواب، كما يبدو من تصريحاته وموقف مدريد، هو: لا.

بل إن إسبانيا تعاملت مع تصريحات وزيري العدل والأوقاف باعتبارها تصريحات رسمية تستوجب الرد، واستدعت السفيرة المغربية للاحتجاج عليها.

وهنا تظهر مفارقة تستحق أن يتوقف عندها المغاربة:

عندما يتحدث مسؤول مغربي عن سبتة ومليلية، يُقال لنا: إنه يتحدث بصفته الحزبية وفي سياق انتخابي.

لكن عندما تسمع مدريد الكلام نفسه، تقول عملياً:

لا يهمني بأي صفة تحدث... أنت وزير في حكومة المغرب، وكلامك يعنيني!

إذن، إذا كانت الصفة الحكومية تلغي الصفة الحزبية عندما يتعلق الأمر بملف سيادي حساس، فلماذا لا يكون هذا المبدأ متبادلاً؟

ثم هناك سؤال أكبر:

هل يحق لإسبانيا أن تحدد للمغاربة متى يكون الحديث عن سبتة ومليلية مسموحاً ومتى يكون

ممنوعاً؟

إذا كان السياسي المغربي لا يستطيع الحديث عن قضية وطنية حساسة خلال حملة انتخابية حتى لا "تغضب" مدريد، فهذه ليست فقط مشكلة في العلاقات المغربية الإسبانية، هذه مشكلة في معنى السيادة السياسية نفسها.

نحن لا نقول إن على المغرب أن يعلن الحرب على إسبانيا، ولا نقول إن كل تصريح انتخابي لوزير مغربي يجب أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية.

بل نقول شيئا أبسط:

إذا كان المغرب وإسبانيا دولتين جارتين تربطهما شراكة استراتيجية، فهذه الشراكة يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على أن يحدد طرفٌ للطرف الآخر ما يجوز له أن يقوله بشأن قضية يعتبرها جزءاً من حقوقه التاريخية والوطنية.

والأغرب من ذلك كله هو أن وزير الخارجية الإسباني لا يكتفي برفض الموقف المغربي، بل يذهب أبعد من ذلك حين يقول إن إسبانيا "لم تتحدث ولن تتحدث أبداً مع المغرب حول وحدتها الترابية"، وإن المطالب المغربية تضر بالعلاقات الثنائية.

هنا يجب أن نسأل بكل هدوء:

وماذا عن وحدة المغرب الترابية؟

هل المطلوب من المغرب أن يعتبر ملف سبتة ومليلية خارج النقاش إلى الأبد، بينما تحتفظ إسبانيا بحقها في التعامل مع وحدتها الترابية باعتبارها مبدأ غير قابل للنقاش؟

هذه ليست دعوة للتصعيد، بل هي دعوة إلى الندية إسبانيا لها موقفها والمغرب له موقفه.

إسبانيا تستطيع أن تقول إن سبتة ومليلية إسبانيتان، لكن لا يمكنها أن تطلب من المغرب أن يتبنى الرواية الإسبانية نفسها.

والأخطر من كل ذلك أن يبقى الرأي العام المغربي يسمع الرواية الإسبانية كاملة، بينما لا يسمع بوضوح ماذا قيل في المكالمة بين وزيري خارجية البلدين.

إذا كان وزير الخارجية الإسباني قد تحدث عن مضمون الاتصال، فمن حق المغاربة أن يسمعوا أيضاً الرواية المغربية.

لا نريد دبلوماسية صاخبة،ولا نريد تصريحات شعبوية، نريد فقط أن يشعر المواطن المغربي بأن بلاده تتحدث من موقع الندية، لا من موقع الدفاع والتبرير.

فالقضايا السيادية لا تُدار بمنطق:

"لا تقلقوا، كان الوزير يتحدث بصفته الحزبية..."

بل بمنطق أكثر وضوحاً:

هذا هو موقف المغرب، وهذا هو موقف إسبانيا، والاختلاف بينهما لا يلغي حق أي طرف في التعبير عن موقفه.

أما أن يصبح حتى التعبير عن الموقف المغربي نفسه بحاجة إلى تبرير أمام مدريد، فهنا فعلاً يجب أن نتوقف ونسأل:

هل نحن أمام شراكة استراتيجية بين دولتين، أم أمام علاقة يُسمح فيها لطرف بأن يحدد للطرف الآخر حدود الكلام؟


في النهاية، لا نريد أزمة مع إسبانيا، ولا نبحث عن مواجهة مع جار وشريك استراتيجي. لكن الشراكة الحقيقية لا تُبنى على الصمت، والاحترام المتبادل لا يعني أن يتخلى أحد الطرفين عن موقفه.

لإسبانيا أن تتمسك برؤيتها، وللمغرب أن يتمسك برؤيته.

أما أن يكون لإسبانيا حق تحديد ما يجوز للمغرب أن يقوله عن سبتة ومليلية، فذلك ليس احتراماً للشراكة… بل انتقاصاً من معنى الندية.

ولكم واسع النظر.