ففي سياق الاستقطاب، تكفي أحيانًا كلمات مثل «التعليق»، «التفاوض»، «التسوية»، «الصمود» أو «الاستمرار» لكي تستدعي أحكامًا جاهزة: التعليق تراجع، والتفاوض تنازل، ونقد شروط الصمود تشكيك في المعركة، والاستمرار وحده دليل المبدئية؛ وهنا يبدأ الفكر الجاهز: لا عندما تكون لنا قناعات سابقة، فهذا طبيعي، بل عندما نقرأ النص لا لاختباره وإنما للعثور فيه على ما يؤكدها؛ وهكذا قد يتحول العنوان، من عتبة تدعونا إلى دخول النص، إلى ذريعة للاستغناء عنه ، ومنه ننتقل بسهولة إلى النص المتخيَّل: النص الذي نبنيه انطلاقًا من عنوانه أو من صورة سابقة عن صاحبه، ثم نرد عليه بدل مناقشة النص الذي كتبه فعلًا.
وتقدم أزمة المحاماة مثالًا واضحًا؛ فالدعوة إلى «تعليق مؤقت للتوقف» يمكن أن تقرأ باعتبارها دعوة إلى التراجع، بينما قد يكون مضمونها قائمًا على التمسك بالمطالب نفسها، مع إعادة تقييم الوسيلة وشروط الصمود واستعادة المبادرة. وبالمقابل، لا ينبغي اختزال الدعوة إلى الاستمرار في مجرد جمود أو انفعال؛ فقد تستند هي الأخرى إلى تقدير مختلف لموازين القوة ولجدوى استمرار الضغط.
إن المشكلة ليست ، إذن ، في الاختلاف، بل في أن نختزل موقف الآخر قبل أن نقرأ حجته؛ وهنا يفيد منهج كارل بوبر: فإذا كوّنت من عنوان مقال فرضية عن موقف صاحبه، فعليّ ألا أبحث فقط عما يؤكدها، بل أيضًا عما يمكن أن يفندها؛ فإذا وجدت في النص ما يناقض حكمي الأول، فالنزاهة الفكرية تقتضي تعديل القراءة بدل إهمال النص.فلا تقرأ لتثبت أنك كنت على حق؛ اقرأ أيضًا لتكتشف أين يمكن أن تكون مخطئًا؛ غير أن استعادة القراءة لا ينبغي تقديمها في صورة واجب ثقيل أو محاكمة للقراء. فالقراءة الجيدة تحمل وعدًا أكثر إيجابية: أن نكتب النص مرة ثانية، ولكن بصورة أعمق وأغنى ؛ وهنا تستعيد استعارة رولان بارت أهميتها.
فكما أن العازف لا يكرر النوتة آليًا، بل يمنحها تحققها الموسيقي، فإن القارئ الجيد لا يستنسخ كلمات الكاتب؛ إنه يعيد ترتيب علاقاتها، ويستخرج مضمراتها، ويربطها بسياقات أخرى، ويطرح عليها أسئلة ربما لم يطرحها صاحبها ؛ مما يعني أنه قد تمنح القراءة الجيدة الكاتب شيئًا لم يكن يملكه قبل نشر نصه: أن يرى فكرته من خارج نفسه؛ وقد يقرأ الآخر النص بصورة أعمق من صاحبه في جانب من جوانبه، فيكشف تناقضًا لم ينتبه إليه، أو يستخرج نتيجة لم يستكملها، أو يقترح مفهومًا أدق، أو يفتح أمام الفكرة أفقًا لم يكن الكاتب قد تصوره ، وهنا يصبح الاختلاف مكسبًا لا تهديدًا ؛ فالقراءة المنتجة لا تقول للكاتب فقط: «فهمت ما كتبت»، وإنما تستطيع أن تقول له: «قرأت ما كتبت، وهذا ما أمكن أن يصبح عليه نصك عندما فكرتُ معه»؛ غير أن ثمة فارقًا حاسمًا بين إعادة كتابة النص واختلاق نص آخر ، فالأولى تنطلق من بنيته وحججه ثم تتجاوزها بالحوار والنقد؛ أما الثانية فتبدأ من الحكم الجاهز ثم تنسب إليه ما تحتاجه لمهاجمته.
ومن هنا يمكن التمييز بين قارئ يعيد كتابة النص لأنه قرأه جيدًا، وقارئ يستبدل النص لأنه لم يحتمل ما يقوله ؛ وهذا ما تحتاج إليه المحاماة في أزمتها الراهنة: ليس توحيد القراءات، ولا إلغاء الاختلاف، وإنما الارتقاء به من اختلاف التصنيفات إلى اختلاف الحجج ؛ فالزميل الذي يقرأ مقالًا مخالفًا ثم يعيد بناء حجته بصورة أقوى، ويكشف نقاط ضعفها، ويضيف إليها احتمالًا لم ينتبه إليه صاحبها، لا يضعف النقاش المهني؛ بل يرفع مستواه؛ وقد تكون أفضل قراءة لنص يدعو إلى التعليق هي التي يقدمها مدافع جاد عن الاستمرار، كما قد تكون أفضل قراءة لحجة الاستمرار هي التي يقدمها من يناقش جدوى الوسيلة؛ لأن الاختلاف، حين يكون قارئًا، يكشف ما لا يراه الاطمئنان داخل الموقف الواحد.
وهنا تصبح القراءة نفسها جزءً من شروط الصمود الجماعي: فالجسم المهني لا يقوى فقط بوحدة الموقف، وإنما كذلك بقدرته على إنتاج المعرفة من اختلاف مكوناته، وتصحيح خياراته، واستدراك أخطائه، واكتشاف البدائل قبل أن تفرضها الوقائع.
ولذلك فإن السؤال ليس فقط: هل قرأنا المقال؟
بل أيضًا ماذا أضافت قراءتنا إليه؟ وهل أعدنا كتابته فكريًا بصورة أعمق، أم اختزلناه في عنوان لكي يبقى فكرنا السابق كما كان؟.
فالقراءة الرديئة تجعل النص أصغر مما هو عليه؛ أما القراءة الجيدة فقد تجعله أكبر من كاتبه؛ منا يعني انه لا ينبغي أن نخاف من أن يعيد الآخرون كتابة أفكارنا بالقراءة، بل أن نرغب في ذلك؛ لأن النص الذي لا يستطيع أن يولد أسئلة جديدة يبقى أسير لحظة كتابته، أما النص الذي يجد قارئًا حقيقيًا فإنه يبدأ حياة أخرى.
ومن ثم يمكن أن تكون القاعدة المحفزة للحوار المهني: اقرأني لكي تفهمني، ثم أعد كتابة فكرتي بصورة أفضل؛ وبعدها خالفني إن شئت ؛ فالنقد الأجدى ليس الذي يهزم النص، بل الذي يجعله أكثر وضوحًا وعمقًا، ثم يكشف له حدودَه وإمكان تجاوزه.
وهكذا تصبح القراءة، داخل أزمة المحاماة، أكثر من مهارة ثقافية: تصبح ممارسة للوعي المهني بالذات، ووسيلة لتحويل تعدد المواقف من مصدر للاستقطاب إلى قوة جماعية لإنتاج البدائل.






