فن وإعلام

حين يصبح الطعام فلسفة: كيف يأكل الماليون؟

حسان البلعاوي

عادات الطعام في أي بلد ليست مجرد تفاصيل يومية، بل تعكس هويته ونمط حياته وثقافته، وترتبط أحيانًا بجغرافيته وتاريخه ونظرته إلى المجتمع والطبيعة، بل وبفلسفته في الحياة.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى طريقة تناول الطعام بوصفها مدخلًا بسيطًا وعميقًا لفهم المجتمعات. ففي مالي، يلفت الانتباه أن تناول الطعام من طبق واحد لا يرتبط بطبقة اجتماعية معينة؛ فالفقراء والأغنياء وأبناء الطبقة الوسطى يمكن أن يجتمعوا حول طبق واحد ويأكلوا بأيديهم.

وهي صورة مألوفة أيضًا في مناطق عديدة من أفريقيا وآسيا والعالم العربي، حيث تجتمع الأسرة، خصوصًا أيام الجمعة والأعياد والمناسبات، حول طبق واحد، ويأكل أفرادها بأيديهم مباشرة. ويضيف الطعام وطريقة تناوله بذلك عنصرًا آخر إلى أوجه التقارب بين أفريقيا والعالم العربي، إلى جانب الدين والجغرافيا والتاريخ وحركة البشر والتجارة.

لقاء عفوي يقود إلى فلسفة الطعام

قادني إلى التفكير في هذا الموضوع لقاء عفوي مع ساديو كوليبالي (Sadio Coulibaly)، وهي مصممة غرافيك ومصورة مالية تهتم بتثمين التراث الثقافي في مالي، وخصصت بحثها لنيل درجة الماجستير لموضوع تثمين التراث الثقافي المالي من خلال التصوير الفوتوغرافي والغرافيك.

بدأ الحديث عن التراث والأشياء المستخدمة في الحياة اليومية، ثم انتقل إلى الطعام: لماذا يأكل الماليون من طبق واحد؟ ولماذا يفضل كثيرون الأكل باليد؟ وما علاقة الخشب والأشجار والأواني التقليدية بالطعام؟

ومع استمرار الحديث، بدا أن وراء هذه العادات رؤية للمجتمع والعلاقات الإنسانية والأسرة والضيافة والطبيعة، أي أن طريقة الأكل تحمل بدورها جانبًا من فلسفة الحياة.

الطبق الواحد: رابطة اجتماعية

تقول ساديو إن تناول الطعام جماعيًا يتجاوز إشباع الجوع، فالاجتماع حول طبق واحد يعزز الروابط والتماسك و«العيش معًا».

وقبل تناول الطعام، يوضع الماء تقليديًا في إناء أو في القرعة المجففة (calebasse) لغسل الأيدي، وكان ذلك يتم وفق ترتيب عائلي يحترم موقع أفراد الأسرة، بدءًا من الأب ثم الأبناء وصولًا إلى الأصغر.

وتقدم الباحثة قراءة رمزية لهذه العادة، فتتحدث عن «اختلاط البصمات»، وتستخدم تعبير «الحمض النووي ـ ADN» بصورة مجازية للدلالة على أن أفراد الأسرة يتركون شيئًا منهم في الماء نفسه، بما يعبر عن الرابط الذي يجمعهم.

ويحمل الطبق المشترك المعنى نفسه: الجميع يأكل الطعام ذاته، ولذلك يصبح رمزًا للثقة؛ فمن غير المتصور، وفق هذه الرؤية، أن يؤذي أحد الآخر أو يضع السم في طعام يأكل منه هو نفسه.

«الكاناري»: الماء المشترك

يظهر المعنى نفسه في الكاناري (canari)، وهو الإناء التقليدي المستخدم لحفظ الماء وتبريده طبيعيًا، وتصفه المختصة بالتراث المالي بأنه «الثلاجة التقليدية».

يشرب أفراد الأسرة من الماء المحفوظ فيه، ولذلك يرتبط هو الآخر بمعنى المشاركة والثقة.

وتروي ساديو أيضًا أن الجد أو الأب أو كبير الأسرة كان يمكن أن يشرب قليلًا من الماء الذي غسل فيه أفراد الأسرة أيديهم، في ممارسة تحمل، وفق تفسيرها، معنى رمزيًا: أنه أخذ «بصمة» أفراد أسرته، فأصبح الجميع مرتبطين بعضهم ببعض.

لماذا الأكل باليد؟

الأكل باليد ليس مجرد غياب لأدوات المائدة. ففي الثقافة التقليدية التي تتحدث عنها الباحثة، يحمل الاتصال المباشر بالطعام معنى خاصًا.

وتشير إلى اعتقاد شعبي يقول إن «الأكل بالحديد يجعل الروح قاسية». فالحديد يرتبط رمزيًا بالصلابة، بينما تسمح اليد بعلاقة مباشرة بين الإنسان وطعامه.

وهذا لا يعني بالطبع أن الماليين اليوم لا يستخدمون الملاعق والشوك، وإنما يفسر جانبًا من المعنى الثقافي الكامن وراء استمرار الأكل باليد في كثير من البيوت والمناسبات.

الخشب والشجرة والعلاقة بالطبيعة

أما الخشب فيحتل مكانة مختلفة. فالماليون عرفوا الملاعق والأواني الخشبية، وتربط ساديو بينها وبين الشجرة باعتبارها كائنًا حيًا.

ففي رؤيتها، استخدام الخشب يبقي الإنسان على تماس مع الطبيعة، كما أن الأشجار والنباتات حاضرة بقوة في المعارف العلاجية التقليدية. ولذلك ارتبطت بعض الأدوات الخشبية في الذاكرة الشعبية بالعافية والعلاج.

وهنا تمتد فلسفة الطعام إلى البيئة: المادة التي يصنع منها الإناء أو الملعقة ليست منفصلة تمامًا عن علاقة الإنسان بالأرض والشجرة والطبيعة.

القرعة: من أداة يومية إلى تراث

تحتل القرعة (calebasse) مكانة مهمة في الثقافة المادية المالية. فهي ثمرة تفرغ من بذورها وتجفف ثم تحول إلى إناء يستخدم للماء والطعام والكسكس والعصيدة وغيرها.

لكن استعمالها يتراجع مع تغير أنماط الحياة ودخول الأدوات الحديثة. ولهذا تعمل ساديو على مشروع فوتوغرافي لتوثيقها وتثمينها، بعدما لاحظت أن الأجيال الجديدة، وخصوصًا المولودين منذ بداية الألفية، لم تعد تعرف بالضرورة استخداماتها المتعددة.

وتشير إلى أن المعرفة الشعبية كانت تنسب إليها أيضًا بعض المنافع العلاجية، ومنها استخدام الماء الموضوع فيها لمن يعاني آلامًا في البطن. وهي ممارسات تنتمي إلى المعرفة العلاجية التقليدية وليست أحكامًا طبية بالمعنى العلمي الحديث.

التقليد ومتطلبات الصحة

ويطرح تناول الطعام جماعيًا باليد سؤال النظافة وإمكان انتقال الأمراض.

ترى الباحثة أن الحفاظ على التقليد لا يعني تجاهل متطلبات الصحة الحديثة، إذ يمكن غسل الأيدي جيدًا بالماء والصابون قبل تناول الطعام، مع الحفاظ على البعد الجماعي للوجبة.

وبذلك يمكن للعادة أن تتكيف مع الحياة الحديثة من دون أن تفقد معناها الاجتماعي.

أواني الطعام جزء من الحرفة

الأواني نفسها جزء من التراث والحرف التقليدية. وإلى جانب القرعة، تتحدث المختصة عن إناء خشبي يسمى kuna، يصنع من الخشب في شكل مستدير يشبه الوعاء أو الطبق، وقد يكون له غطاء.

ولا تزال هذه الأدوات مستخدمة في بعض الأسر، وتقول ساديو إن والدتها، على سبيل المثال، ما زالت تأكل في kuna.

وهذا يوضح أن القطعة الحرفية ليست مجرد شيء للزينة أو العرض، وإنما أداة ارتبطت بالحياة اليومية وبالطعام والأسرة وانتقلت بين الأجيال.

من «التو» إلى الكسكس المالي

تقوم المائدة المالية إلى حد كبير على ما تنتجه البيئة المحلية من حبوب.

وتذكر ساديو من بين الأطعمة الأساسية التى المصنوع من دقيق الذرة أو غيرها من الحبوب، إلى جانب الفاصولياء والأرز وصلصة الفول السوداني والكسكس.

وعن الكسكس، تؤكد أن مالي تملك أنواعها وطرقها الخاصة في إعداده، وهي مختلفة عن الكسكس المغاربي المعروف في الجزائر والمغرب وتونس ودول شمال أفريقيا.

ويستخدم خصوصًا الدخن (mil)، الذي يغسل ويترك مدة لامتصاص الماء، ثم يطحن ويمر بمراحل مختلفة حتى يتحول إلى كسكس. وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الطعام والجغرافيا، إذ تتحول منتجات الأرض المحلية مع مرور الأجيال إلى عادات ومكونات للهوية.

«الطعام النائم» والضيف المنتظر

هناك أيضًا مفهوم لافت تسميه الباحثة «الطعام النائم» أو «الطعام الذي بات»، أي الطعام المتبقي الذي يحفظ في الثلاجة ليؤكل في اليوم التالي.

فالعادة التقليدية تفضل إعداد طعام اليوم ليؤكل في يومه. ومع ذلك، لا تطهو الأسرة الكمية التي تحتاج إليها فقط، وإنما تضيف عادة حصة تكفي لشخص أو شخصين.

والسبب أن ضيفًا قد يصل في أية لحظة، ويجب أن يجد مكانه حول الطبق. وإذا لم يأت أحد، يمكن إعطاء الطعام الإضافي لآخرين.

إنها معادلة بسيطة تحمل معنى اجتماعيًا واضحًا: طعام طازج لليوم نفسه، ومكان محفوظ دائمًا للضيف.

الطعام هوية ونمط حياة

من الطبق المشترك إلى القرعة والكاناري والملعقة الخشبية، ومن طريقة إعداد الحبوب إلى ترك حصة للضيف، تكشف عادات الطعام في مالي عن جوانب من علاقة الإنسان بأسرته ومجتمعه وبيئته.

فالطعام ليس فقط ما نأكله، وإنما كيف نأكل، ومع من نأكل، وكيف نشارك ما لدينا. وبهذا المعنى يصبح الطعام هويةً ونمط حياة.

ولعل ساديو اختصرت هذه الفلسفة كلها في عبارة واحدة:

«نحن نأكل الحياة».