سياسة واقتصاد

لماذا يغيب عن طاولة النقاش الانتخابي سؤال.. من يضمن أن صيفا آخر لن يسرق نسب نمو؟

نزهة الوافي (وزيرة سابقة)

صيف 2026 لم يرفع الحرارة فقط… بل رفع فاتورة النمو في أوروبا وابتلى المغرب بموجات حر متواصلة وقيض يهدد ماءه وخبزه، ومن المفترض ان نضيف الى لائحة الاسئلة الحارقة على طاولة النقاش الانتخابي سؤالا واحدا: من يضمن أن صيفا آخر لن يسرق نسب نمو بتقليص المحاصيل والتاثير على منظوماتنا الغذائية، ويغلي أسعار الغذاء وقفة المغربي اليومية؟


صيف 2026 لم يكتف بأن يرفع الحرارة؛ بل رفع الفاتورة. في أوروبا، والمغرب لم ينج من ذلك...

 تحولت موجات الحر إلى «ضريبة صامتة» على النمو: تقديرات بنوك ومراكز أبحاث تضع الخسائر قرب 1% من ناتج الاتحاد (≈180 مليار يورو)، أي ما يعادل تقريبا كل النمو المتوقع للعام، مع تحذيرات من امتداد الضرر إلى 0.5–1% إن استمرت السلسلة الحارة. فرنسا، من بين أكبر اقتصاد زراعي في القارة، تقدر أن الجفاف والحر سيقتطعان 0.1 نقطة من نمو 2026، بعد هبوط القيمة المضافة الزراعية نحو 8%، بينما تشير سيناريوهات أشد إلى أن الصدمة قد تدفع النمو السنوي إلى الانكماش قرب 0.6%. المملكة المتحدة تحسب الفاتورة بالجنيه: أكثر من 4.4 مليارات إسترليني من الناتج المفقود حتى نهاية يوليوز، مع تحذيرات من أن التكلفة السنوية قد تتجاوز 25 مليار جنيه بحلول 2030. وفي ألمانيا، يهدد الجفاف وانخفاض تدفق الراين بخفض نمو الربع الثالث نحو 0.2 نقطة، عبر ضغط متصاعد على الصناعات كثيفة المياه والطاقة...

على الضفة الأخرى للمتوسط، يكتب المغرب قصة مختلفة في التفاصيل، متشابهة في الجوهر: أربع موجات حر خلال ثلاثة أشهر، جفاف متواصل، وضغط على الموارد المائية يشتد على الزراعة التي تستهلك نحو 85% من المياه. النتيجة ليست مجرد عطش حقول، بل تهديد مباشر لمحاصيل الأمطار، ارتفاع احتياجات الري، وتضرر الأعلاف والثروة الحيوانية، ما يترجم اقتصاديا إلى فاتورة استيراد أعلى للحبوب، وهذا ما ثم اعلانه مؤخرا مع ضغط قوب على الميزان التجاري، وتضخم غذائي يثقل كاهن الأسر محدودة الدخل. ومع أن الاقتصاد المغربي حافظ على زخم نمو قوي في بداية 2026 (4.6% في الربع الأول) بفضل انتعاش فلاحي بعد سنوات جفاف، فإن تهديد تكرار الجفاف يرفع مخاطر تقلب المسار إن طالت فترات الإجهاد الحراري.

أوروبا تخسر نقاطا من نموها لأن أنهارها تجف ومصانعها تبطئ، والمغرب قد يخسر نقاطا من مرونته لأن سماءه تمسك بالمطر وحقوله تلهث تحت الشمس. في الحالتين، لم تعد الحرارة خبرا في نشرة الطقس؛ إنها متغير ماكرواقتصادي يقرر من سينمو، ومن سيضطر إلى الاستدانة لشراء القمح، ومن سيعيد كتابة موازناته تحت وطأة فاتورة التكيف.


وبالتالي لم تعد موجات الحر مجرد "زائر صيفي ثقيل"، بل صارت مطرقة تضرب الاقتصاد من أكثر من جهة، فتبطئ عجلة الإنتاج، وتستنزف الطاقة، وتضغط على الصحة العامة، وتكشف هشاشة الفئات الأضعف. وهذا ما تؤكده دراسات علمية حديثة فتشير دراسات منظمة العمل الدولية إلى أن الإجهاد الحراري قد يبدد أكثر من 2% من ساعات العمل العالمية سنويا بحلول 2030، أي ما يعادل عشرات الملايين من الوظائف بدوام كامل، فيما قد تصل كلفته إلى تريليونات الدولارات سنويا.

معلوم انه اليوم بأغلب المناطق المغربية تتقاطع حرارة المناخ مع هشاشة بعض القطاعات، خاصة الفلاحة والعمل اليدوي والاقتصاد غير المهيكل، تصبح الموجات الحارة جرس إنذار لا يمكن تجاهله؛ فهي لا ترفع فقط فاتورة الكهرباء والماء، بل تضرب القدرة الشرائية، وتزيد التفاوت الاجتماعي، وتثقل المستشفيات، وتربك المدن التي لم تعد بنيتها كافية لاحتواء هذا التصاعد الحراري. فموجات الحر المتصاعدة هي اشبه بجائحة جاثمة على الاقتصاد الوطني لذلك فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي: تسريع التكيّف في الفلاحة وادماج التداعيات القاسية للتغير المناخي في التخطيط ثالحضري، لأن موجات الحرارة الحالية والقادمة لم تعد استثناء عابرا، بل صارت مناخا جديدا يفرض قواعده على الاقتصاد والمجتمع معا.

 ومؤكد ان موجات الحر تخلف كلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، وتضغط على الأسر الصغيرة والأنشطة المعيشية والسياحية، ما يجعل التكيف معها ضرورة اقتصادية لا مجرد إجراء صحي. لذلك يجب على الجماعات الترابية أن تعتمد خططا استباقية لحماية الفلاحين ومواكبة المتدخلين في الاقتصاد المحلي والقيام بحملات تحسيسية للمواطنين واجراءات عملية لترشيد الماء والطاقة، 

واولى الاولويات اليوم هو اتخاذ ما يلزم لدعم الفلاحين بأنظمة إنذار مبكر، مواكبتهم للتكيف مع هذه الموجات العاتية خاصة فيما مواعيد الزراعة، واعتماد أصناف أكثر مقاومة للحر والجفاف وترشيد الري، صيانة الشبكات، وتعزيز التخزين واستعادة موروثنا الثقافي في حماية وترشيد استعمال المياه والبدائل المحلية عند الشح..

كثير من الدول عملت على اتخاذ اجراءات لحماية سوق الشغل عبر تعديل ساعات العمل في الخارج، خصوصا في البناء والفلاحة والنقل.

فتح نقاش حول التأمين ضد الصدمات المناخية أو مساعدات مؤقتة.

المطلوب ايضا ان تقوم الجماعات الترابية بدورها الدستوري لحماية المواطنين والرفع من مستوى التكيف ومقاومة آثار التغير المناخي وموجات الحر بل المفروض ايضا وضع خطط محلية للطوارئ حتى لا تتحول موجات الحر إلى صدمة معيشية ومالية واسعة...

مؤسف ان ما قدمته و اعدته احزابنا من برامج تنافسية حقيقية للتكيف المناخي على المستوى الوطني والترابي لا يصل الى المستوى المطلوب من مواجهة التهديد المناخي الأخطر تداعياته القاسية على جيوب المواطنين خاصة الفئات الهشة منهم