المحاور:
لو جاءك مرشح غداً وقال لك: «صوت علي أنا شخص مزيان»، هل ستصوت؟
المقاطعة:
لا يكفي أن يكون شخصا جيدا.
المحاور:
لماذا؟
المقاطعة:
لأنني لا أختار صديقا، وإنما أختار من يفترض أن يمثلني. أريد أن أعرف ماذا سيقترح، ماذا يستطيع أن يفعل، وكيف سأحاسبه.
المحاور:
إذن أنت تريد نقل الانتخابات من سوق الأشخاص إلى فضاء البرامج؟
المقاطعة:
نعم. لا أريد أن أصوت لشعار أو اسم أو صورة. أريد أن أصوت لفكرة وبرنامج ومسؤولية.
المحاور:
الآن سأطرح عليك السؤال الذي ربما لا يعجبك:
هل بالمقاطعة سننقذ البلاد من كل ما نحن غير راضين عنه؟ وهل بالمقاطعة سنجود القوانين التي ستنظم حياتك وحياة أسرتك والمجتمع الذي تعيشين فيه؟
المقاطعة:
لا. المقاطعة لا تفعل ذلك وحدها.
المحاور:
إذن ماذا تفعل؟
المقاطعة:
تعلن الرفض، وتوجه رسالة.
المحاور:
لكن الرسالة لمن؟
المقاطعة:
للأحزاب والمؤسسات والمجتمع كله.
المحاور:
وهنا السؤال الأصعب: هل تكفي الرسالة إذا لم يكن وراءها مشروع؟
المقاطعة:
ربما لا. المقاطعة تكون أكثر قوة عندما تكون جزءا من فعل مدني وسياسي أوسع، لا مجرد غياب عن صندوق الاقتراع.
المحاور:
هل المقاطعة تعاقب الأحزاب؟ يقال أحياناً إن المقاطعة تضرب هذا الحزب أو ذاك.
المقاطعة:
لا أراها بهذه البساطة. أنا لا أقاطع شخصاً بعينه.
المحاور:
لكن النتيجة السياسية للمقاطعة قد لا تصيب من تريدين معاقبته، وقد تترك المجال لغيره كي يقرر.
المقاطعة:
هذا صحيح.
المحاور:
وقد تكون المفارقة أن المواطن الذي يريد تغيير القوانين ينسحب من اللحظة التي تمنحه فرصة، ولو محدودة، للتأثير في اختيار من سيصنع تلك القوانين.
المقاطعة:
هذه إحدى نقاط الضعف في موقف المقاطعة، ولا أنكرها.
المحاور:
بل هناك مسألة أكثر حساسية. المقاطعة ليست قطع الطريق على هذا الحزب أو ذاك، أو على فلان أو فلانة. لكنها قد تتحول، من حيث لا نريد، إلى إضعاف قدرة الفئات الأكثر هشاشة على التأثير في السياسات التي تمس حياتها.
المقاطعة:
أفهم هذا التخوف.
المحاور:
لأن الفقير لا يحتاج فقط إلى الاحتجاج، بل يحتاج إلى قوانين عادلة، ومدرسة جيدة، وصحة عمومية، وفرص عمل، وحماية اجتماعية، وعدالة ضريبية. وهذه كلها قضايا تُحسم داخل المؤسسات.
المقاطعة:
وهذا يجعلني أقول إن المقاطعة ليست قرارا بسيطا. إنها قرار له نتائج، كما أن المشاركة لها نتائج.
المحاور:
هنا أريد أن أكون واضحاً: ليس لأننا نقدم نقداً جذريا للأحزاب السياسية، علينا أن نتوقف عن الإشادة بالديمقراطية.
المقاطعة:
أتفق تماماً.
المحاور:
يمكن أن ننتقد الحزب، وأن ننتقد المرشح، وأن ننتقد طريقة إدارة الانتخابات، وأن نطالب بإصلاح المؤسسات، دون أن نعلن موت الديمقراطية.
المقاطعة:
لأن البديل عن الديمقراطية ليس بالضرورة أفضل.
المحاور:
بل إن نقد الديمقراطية من داخلها يمكن أن يكون دفاعا عنها، إذا كان هدفه توسيع المشاركة، وتعزيز المحاسبة، وتقوية المؤسسات، واستعادة ثقة المواطن.
المحاور:
كانت فاطمة المرنيسي تلفت الانتباه إلى ما سمّته «معجزة الصندوق الأسود»: الصندوق الذي نضع فيه ورقة التصويت. وبغض النظر عن موقفنا من الأحزاب، تظل لحظة التصويت لحظة يصبح فيها المواطن، ولو للحظة، شريكاً في اختيار من يمثله.
ورغم كل عيوب الانتخابات، هناك شيء عميق يحدث في تلك اللحظة: المواطن الذي قد يكون فقيراً أو غنياً، قوياً أو ضعيفاً، مشهوراً أو مجهولاً، يملك أداة واحدة للتعبير عن اختياره السياسي.
المقاطعة:
وهذا يجعل التصويت فعلاً مهماً.
المحاور:
بل ربما يكون من أوسع أفعال المشاركة السياسية الجماعية. لذلك فإن السؤال ليس: هل الانتخابات كاملة؟ هي ليست كذلك. السؤال هو: هل نريد إصلاحها أم التخلي عنها؟
المقاطعة:
أعتقد أن الإصلاح أكثر صعوبة، لكنه أكثر فائدة من الانسحاب.
المحاور:
أريد منك جواباً صريحاً: تريد الرفاه، وتريد برلمانيا نزيهاً، و"وبغيتي" تغيير «السيستام»، وتريدي قوانين عادلة، وتريدي مستقبلاً أفضل لأبنائك. ثم لا تصوت.. أليس في هذا شيء من التناقض؟
المقاطعة:
نعم، قد يكون هناك تناقض.
المحاور:
إذن ماذا ستفعلين؟
المقاطعة:
ربما أحتاج إلى إعادة تعريف المقاطعة نفسها. إذا كانت المقاطعة مجرد غياب، فهي محدودة الأثر. أما إذا كانت احتجاجا يتبعه تنظيم مدني، ونقاش، ومراقبة، ومحاسبة، واقتراح للبدائل، فقد تصبح جزءاً من فعل سياسي حقيقي.
المحاور:
الشباب يقولون: «لا أحد يمثلنا». ماذا تقولين لهم؟
المقاطعة:
أقول لهم: لا تكتفوا بقول «لا أحد يمثلني». اسألوا: لماذا؟ وما البديل؟ ومن يستطيع أن يمثل مصالحكم فعلاً؟
المحاور:
وهل يمكن أن يكون الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي بداية لشكل جديد من السياسة؟
المقاطعة:
نعم. اليوم يمكن للمواطن أن يناقش وينظم ويضغط ويقترح دون أن يكون بالضرورة عضواً في حزب تقليدي.
المحاور:
أي أن السياسة لم تعد بالضرورة وظيفة يتفرغ لها «المناضل المحترف»، وإنما يمكن أن يمارسها المواطن وهو يعيش حياته، مع أسرته وأصدقائه وعمله واهتماماته.
المقاطعة:
وهذا قد يكون أحد ملامح السياسة الجديدة.
المحاور:
لكن لدي ملاحظة: هناك شيء سهل جدا في السياسة، وهو أن تكون ضد.
المقاطعة:
كيف؟
المحاور:
أن تقول: ضد الأحزاب، ضد الحكومة، ضد الانتخابات، ضد الفساد، ضد النظام الانتخابي، ضد "السيستام"..الأصعب هو أن تقول: ما البديل؟
المقاطعة:
أتفق.
المحاور:
والسياسة تبدأ فعلاً عندما يتحول الرفض إلى اقتراح، والاحتجاج إلى تنظيم، والغضب إلى مشروع.
المقاطعة:
وهذا درس يجب أن أقبله أنا أيضا، كما يجب أن تقبله الأحزاب.
المحاور:
هل تريدين الديمقراطية؟
المقاطعة:
نعم.
المحاور:
هل تريدين انتخابات نزيهة؟
المقاطعة:
نعم.
المحاور:
هل تريدين مؤسسات قوية؟
المقاطعة:
نعم.
المحاور:
هل تريدين منتخبين نزهاء وقابلين للمحاسبة؟
المقاطعة:
نعم.
المحاور:
إذن ربما المشكلة ليست في الديمقراطية، بل في المسافة التي تفصل الديمقراطية المعلنة عن الديمقراطية التي يعيشها المواطن.
المقاطعة:
وهذه المسافة هي التي يجب أن نعالجها.
المحاور:
لو كان السياسيون يستمعون إليك الآن، ماذا تقولين لهم؟
المقاطعة:
أقول لهم: لا تطلبوا من المواطن أن يصوت لأنكم تحتاجون إلى أصواته. أقنعوه أولا بأن صوته له معنى.
لا تجعلوا المواطن رقما انتخابيا. قدموا برامج واضحة، قابلة للقياس، وقولوا له ماذا ستفعلون، ومتى، وبأي وسائل.
ثم عودوا إليه بعد الانتخابات، لا فقط قبلها.
وأضيف جملة أعتقد أنها أساسية:
احموا ثقة المواطن في المؤسسات، لأن الديمقراطية لا تعيش بالقوانين وحدها، بل بثقة الناس فيها.
السؤال الأخير
المحاور:
بعد هذا الحوار، هل ما زلتِ مقاطعة؟
المقاطعة:
لست متأكدة كما كنت في البداية.
المحاور:
لماذا؟
المقاطعة:
لأنني اكتشفت أن المقاطعة قد تكون احتجاجا مشروعا، لكنها ليست مشروعا سياسيا في حد ذاتها.
وأدركت أنني إذا كنت أريد تغيير القوانين، وتحسين المؤسسات، والدفاع عن الفقراء، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فلا يمكنني أن أترك دائماً للآخرين مهمة الاختيار.
المحاور:
إذن أن لا ترفض الديمقراطية؟
المقاطعة:
لا. أنا أرفض أن تتحول الديمقراطية إلى مجرد طقس انتخابي.
أريد ديمقراطية تجعل المواطن شريكاً، لا مجرد صوت.
أريد أحزاباً تقنع، لا تستجدي الأصوات.
أريد برامج تُحاسَب، لا وعوداً تُنسى.
وأريد مؤسسات تحمي ثقة المواطن، لأن فقدان الثقة أخطر من فقدان الصوت.
المحاور:
وربما هنا نصل إلى السؤال الحقيقي.
ليس فقط: لماذا تقاطع السيدة الانتخابات؟ بل: ماذا فعلنا نحن حتى لا تقاطع؟
المقاطعة:
وربما أضيف سؤالاً آخر:
إذا كنا نريد تغييرا حقيقيا، فهل يكفي أن نتفرج على الآخرين وهم يقررون؟
المحاور:
هذا هو السؤال الذي نتركه مفتوحاً أمام القارئ.
فالديمقراطية لا تعني أن نكون متفقين دائماً، ولا تعني أن الانتخابات كاملة أو أن الأحزاب معصومة من النقد.
لكنها تعني شيئا أكثر عمقا:
أن نتحمل مسؤولية اختياراتنا، كما نتحمل مسؤولية اعتراضنا عليها.






