مجتمع وحوداث

مصلحة المحامي ليست نقيضا لمصلحة المتقاضي

مريم جمال الإدريسي (محامية بهيئة الدارالبيضاء)

لمن يرفع اليوم شعار: «مصلحة المتقاضيات والمتقاضين أولا»، نسأل بكل وضوح: أين هي مصلحة المحاميات والمحامين الذين انهارت مكاتبهم، وتراجعت مداخيلهم، وأصبح استقرارهم المهني والاجتماعي مهددا؟ وهل يمكن أصلا حماية المتقاضي بمحامية أو بمحام جرد من استقلاله، وأُضعفت مؤسساته، وحرم من الآليات والضمانات اللازمة لأداء رسالته؟


إن المحاميات والمحامين لا يخوضون اليوم معركة من أجل امتياز شخصي أو مصلحة فئوية ضيقة، وإنما يدافعون عن التنظيم الذاتي للمهنة، وعن استقلالها وحريتها...وهي ثوابت لا تنفصل عن الحق في الدفاع ولا تستقيم من دونها شروط المحاكمة العادلة.


فكيف يطلب من المحامي أن يدخل ردهات المحاكم، وأن يواجه سلطة الاتهام والنفوذ والمال ومختلف أشكال اختلال التوازن داخل الخصومة، من دون أن يمتلك الأدوات والضمانات التشريعية والمهنية الكفيلة بتمكينه من أداء دوره؟


لسنا آلات لإنتاج المقالات والمذكرات والمرافعات، ولسنا مجرد حلقة تقنية داخل مسطرة قضائية صامتة. نحن حاملات وحاملو رسالة إنسانية وكونية، تقتضي مسؤوليتها أن يكون المحامي حرا ومستقلا، محميا في كلمته ومرافعته، ومنتميا إلى تنظيم مهني ذاتي قوي، قادر على صيانة كرامة المهنة والدفاع عن استقلالها.


والضمانات التي نطالب بها ليست هبة تمنح للمحامي لشخصه، ولا امتيازا يراكمه لفائدته الخاصة، بل هي وسائل تشريعية ومؤسساتية وُضعت لحماية حق المواطن في دفاع حر وفعال، وفق المبادئ التي كرستها الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية والقواعد الأممية المتعلقة باستقلال مهنة المحاماة.


لذلك، فإن من يزايد اليوم بمصلحة المتقاضيات والمتقاضين، ويضعها في مواجهة مصلحة المحامين، ينطلق من تصور قاصر ومختل، لأن المصلحتين لا تتعارضان، بل تتكاملان. فكل مساس باستقلال المحامي هو مساس مباشر بحق المتقاضي، وكل إضعاف للتنظيم الذاتي للمهنة ينعكس حتما على جودة الدفاع وعلى شروط المحاكمة العادلة.


أما المسؤولية الأولى عن مصالح مرتفقي العدالة، وعن ضمان استمرارية المرفق القضائي وحسن تدبيره، فتتحملها الحكومة. والحكومة التي تعجز عن إدارة حوار جاد ومسؤول حول ملف يمس جوهر الحق في الدفاع، وتدفع بأزمة المحاماة إلى حافة الانفجار أو حتى الانهيار، هي حكومة فشلت في تدبير ركن أساسي من أركان العدالة.


لا يمكن الحديث عن دولة القانون والمؤسسات من دون الاعتراف بأن المحاماة مؤسسة مركزية داخل صرح العدالة، وليست مجرد مهنة ملحقة به. كما لا يمكن تحقيق التوازن داخل أية خصومة أو مسطرة دون محامية أو محام مستقل يمتلك الوسائل الضرورية لمواجهة الطرف الأقوى وحماية الطرف الأضعف.


في المادة الجنائية، يحقق المحامي التوازن المطلوب بين المتهم وسلطة الاتهام. وفي النزاعات المدنية والتجارية والإدارية، يعيد التوازن إلى خصومة قد يكون أحد أطرافها أكثر نفوذا أو مالا أو قدرة على التأثير. ومن خلال دفوعه ومذكراته ومرافعاته، يساهم في تمكين القضاء من بناء تعليل قانوني متماسك وإصدار أحكام ذات جودة داخل آجال معقولة.


معركة المحاميات والمحامين اليوم ليست ضد المتقاضيات والمتقاضين، بل من أجلهم، من أجل أن يجد كل مواطن أمامه دفاعا حرا ومستقلا وقادرا على أداء رسالته، لا محامية و محاميا منهكين، مهددين في مكتبهما وقوت يومهما، ومحاصرين بقيود تفرغ رسالتهما من مضمونها.


ولا يجوز النظر إلى الأزمة من زاوية واحدة، فنستحضر ما لحق بالمتقاضين من أضرار، ونتجاهل ما يتكبده المحامون من خسائر وما تعرفه مكاتبهم من انهيار. فالمحامي/ة، أيضا إنسان، له أسرة والتزامات ومصاريف ومكتب يعيش من مداخيله، وليس مطلوبا منه أن يؤدي رسالة الدفاع بينما تهدم شروط وجوده المهني والاجتماعي.


إنها معركة قاسية، أشبه بمعركة تكسير عظام، لا يصمد فيها إلا من ولد محاميا، ومن أدرك أن حمل هذه الرسالة ليس أمرا هينا، وأن أمانتها ثقيلة، وأن الدفاع عن استقلالها جزء لا يتجزأ من الدفاع عن العدالة نفسها.


فلا مصلحة للمتقاضي من دون محامية و محام قوي، ولا محاكمة عادلة من دون دفاع مستقل، ولا دولة قانون من دون محاماة حرة، منيعة وقادرة على حماية رسالتها.


حين ندافع عن المحاماة، فإننا لا ندافع عن أنفسنا وحدنا، بل ندافع عن حق كل مواطنة ومواطن في عدالة حقيقية ودفاع جدير بهذا الاسم، ندافع عن دولة القانون والمؤسسات، ندافع عن دستور ومواثيق دولية، ندافع عن العدالة في أسمى تجلياتها.