سياسة واقتصاد

معبر سبتة.. شريان اقتصادي وساحة للسيادة والهجرة والصراع (2)

نبيل دريوش (إعلامي وكاتب متخصص في العلاقات المغربية-الإسبانية ) نقلا عن مجلة "الفراتس" الأمريكية
لم يكن الصراع على معبر سبتة سياسياً وسيادياً فقط. فعلى امتداد عقود، نشأت علاقة اقتصادية شديدة التشابك جعلت سبتة في حاجة إلى محيطها المغربي بقدر حاجة آلاف الأسر شمال المغرب إلى النشاط التجاري الذي تتيحه المدينة. من هذه العلاقة الاقتصادية، بدأ منذ نهاية العقد الثاني من الألفية أحد أكبر التحولات التي عرفها المعبر، وهو انتقاله من فضاء يقوم عليه اقتصاد حدودي موازٍ إلى أداة تعكس التحولات الاقتصادية في المنطقة.

تعود جذور هذا النموذج إلى الوضع التجاري الخاص لسبتة. في 22 دجنبر 1955، صدر قانون جديد يُعدل قانون "موانئ التجارة الحرة" الصادر سنة 1863. جعل هذا القانون نشاط التجارة الحرة يشمل كامل تراب مدينتي سبتة ومليلية عوض موانئها فقط، رافعاً بذلك القيود الجمركية وباقي الضرائب عن جميع السلع. كان الهدفُ وقتئذ الدفعَ باقتصاد المدينتين إلى الأمام. سنة 1956 جاء استقلال المغرب الذي دفع سبتة ومليلية إلى البحث عن أنشطة اقتصادية جديدة، بعد انكماش الروابط التي نشأت فترة الحماية الإسبانية شمال المغرب. مع الوقت، ترسخت فيهما ما عُرف بتجارة "البازارات"، القائمة على استيراد تجار سبتة سلعاً منخفضة الثمن من أسواق آسيوية وإعادة بيعها.

تعزز هذا النشاط ابتداء من سنة 1969، حين أغلق نظام الجنرال فرانشيسكو فرانكو الحدود البرية مع جبل طارق. وأصبح على الإسبان المقيمين في شبه الجزيرة الإيبيرية والباحثين عن السلع المستوردة منخفضة الثمن، أن يعبروا إلى الطرف الجنوبي لمضيق جبل طارق للتسوق في سبتة ومليلية. بعد إعادة فتح الحدود الإسبانية مع جبل طارق سنة 1986، تراجعت أهمية السوق الإسبانية لهذا النشاط. إذ اتجه سكان شبه الجزيرة الإيبيرية إلى استهلاك السلع المعروضة في جبل طارق، لنظامها الجمركي المنخفض نسبياً، ولتوفير تكلفة التنقل عبر البواخر. كانت النتيجة الحتمية أن أصبح السوق المغربي متنفساً وحيداً للتجارة الحرة بسبتة، التي حاول تجارها تلبية الحاجيات التي تتطلبها هذه السوق لاسيما في المناطق الشمالية للمغرب. فالآلاف من المغاربة ظلوا عقوداً طويلةً يجتازون الحدود مع سبتة ومليلية لجلب السلع المهربة وبيعها، بحكم التهميش الاقتصادي والتنموي الذي طال منطقة الشمال في تلك الفترة وارتفاع نسب البطالة.

نشأ بذلك اقتصاد حدودي موازٍ يقوم على فارق الأسعار والوضع الجمركي الخاص للمدينة وعلى حركة يومية كثيفة للأشخاص والبضائع. عبَر آلاف المغاربة نحو سبتة لشراء السلع ونقلها إلى المغرب، بينما استفادت سبتة المحتلة من سوقٍ كبيرةٍ تقع خلف حدودها مباشرةً. ومع ارتفاع البطالة وضعف الفرص الاقتصادية في مناطق واسعة من شمال المغرب، تحول هذا النشاط، على طابعه غير الرسمي، إلى مصدر رزق لعدد كبير من الأسر. بلغ هذا الارتباط ذروته قبيل نهاية العقد الثاني من الألفية. ففي سنة 2019، قُدرت قيمة تجارة التهريب في سبتة ومليلية بمبلغ يتراوح من المليار إلى مليار ونصف يورو سنوياً، نصفها للمتاجرة ما بين سبتة ومحيطها المغربي. أما الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب، فقد قدرت أن نشاط التهريب في سبتة ومليلية يمثل نحو 40 بالمئة من حجم الاقتصاد غير المهيكل على المستوى الوطني. ويوفر مصدر رزق لما يقارب أربعمئة ألف شخص في المغرب.

على امتداد سنوات، استفادت جميع الأطراف من هذا النظام التجاري غير الرسمي، إذ شكل صمام أمان اقتصادي للطرفين. فمن جهة، جنت إسبانيا عائدات مالية تدعم اقتصاد سبتة، وعلى الجهة الأخرى تسامحت السلطات المغربية مع هذا النشاط التجاري لتجنب مواجهة مشكلة البطالة بالمناطق الشمالية. مثَّل المعبر أكثر من مجرد نقطة عبور، بل شرياناً اقتصادياً نشأت حوله مصالح متبادلة على جانبي الحدود. لكن الأسس التي قام عليها هذا النموذج بدأت تتغير. فمنذ مطلع الألفية، أطلق المغرب مشاريع كبرى لإعادة تشكيل اقتصاد شمال البلاد، من ميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية إلى شبكات الطرق والسكك الحديدية، وتأهيل مدن قريبة من سبتة مثل الفنيدق والمضيق. وبقدر ما أصبح الشمال أكثر اندماجاً في الدورة الاقتصادية الوطنية، بدأت تتراجع الحاجة إلى إبقاء اقتصاد حدودي كامل قائماً على تهريب السلع من سبتة.


تنبه بعض الاقتصاديين الإسبان مبكراً إلى هذا التحول. ففي تحليل بعنوان "المستقبل الاقتصادي للمدينتين المستقلتين" الصادر سنة 2009، اعتبر الباحث الاقتصادي بجامعة غرناطة ميغيل أنخيل بيريث كاسترو أن "النموذج الاقتصادي والتجاري القائم في سبتة ومليلية لا يمكن أن يستمر في ظل المتغيرات التي يعرفها محيط المدينتين". ودعا إلى البحث عن نموذجٍ جديدٍ يقوم على الانضمام للمنظومة الجمركية للاتحاد الأوروبي وإنشاء جمارك تجارية مع المغرب، ووضع نظام مالي جديد ومراجعة الضريبة المحلية وضخ استثمارات عمومية وخاصة قوية بهما تراعي التنمية المشتركة مع المحيط المغربي.


في سنتي 2018 و2019، شرع المغرب في تفكيك جانب من اقتصاد الحدود القديم. فاتخذت السلطات سلسلة إجراءات للحد من تجارة التهريب، وخضعت حركة السلع عبر سبتة لقيود متزايدة. لم تكن هذه الإجراءات معزولة عن تحول أوسع في نظرة المغرب إلى المنطقة الحدودية. إذ أصبحت السيطرة على حركة الأشخاص والبضائع جزءاً من سياسة تسعى إلى تقليص الاقتصاد غير المهيكل، وتعزيز ارتباط مناطق الشمال بالمراكز الاقتصادية المغربية الجديدة. اتخذ التحول أيضاً بعداً سياسياً ورمزياً. ففي يوليوز 2019، وجهت وزارة الخارجية المغربية مذكرة تمنع كبار المسؤولين وحاملي جوازات السفر الرسمية من استعمال معابر سبتة ومليلية. وهي خطوة أظهرت مجدداً أن الحركة عبر المعبر لا تنفصل عن موقف المغرب من الوضع السيادي للمدينتين. مع نهاية السنة، كان الاقتصاد الذي عاش عقوداً على سهولة الحركة بين جانبي الحدود يدخل مرحلة انكماش لم يعد بعدها إلى صورته السابقة. 

ثم جاءت جائحة كورونا لتقترب الحركة من حدود الانقطاع. فمع إغلاق الحدود في ربيع 2020، توقف العبور الذي شكل جزءاً من الحياة اليومية في سبتة والفنيدق معاً. ما بدأ قبل ذلك تحولاً اقتصادياً وسياسياً للحد من التهريب تحول، بفعل الجائحة، إلى انفصال بين جانبي الحدود استمر فترة طويلة. بررت الحكومة المغربية قرارها بإغلاق هذه الحدود، بمكافحة "تنامي ظاهرة التهريب"، وما يترتب عليها من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني والتجارة القانونية بمختلف أنحاء المغرب. هذا الإجراء طرح على المغرب تحدي توفير بدائل اقتصادية واجتماعية لجميع الفئات التي اعتمدت في معيشها اليومي على التهريب قبل إغلاق المعبر الحدودي.

منذ ذلك الحين، برزت أزمة اقتصادية حادة أثرت على جانبي الحدود، وزادت من وطأتها تداعيات الجائحة. بمدينة الفنيدق المغربية المحاذية سبتة، فقدَ حوالي عشرة آلاف شخص وظائفهم ومصادر دخلهم المباشرة نتيجة إغلاق المعبر. وفي السنة نفسها، خصصت السلطات المغربية نحو 37 مليون يورو لدعم التنمية الاقتصادية بمدن الفنيدق والمضيق وتطوان، مع التركيز على إنشاء منطقة صناعية مجاورة المعبرَ الحدودي.


على الجانب الآخر من المعبر، واجهت مدينة سبتة سلسلة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية نتيجة التدابير التي اتخذها المغرب. وفقاً لتقرير بعنوان "سبتة ومليلية، كيف نحول أزمة خطيرة إلى واحدة من أفضل الفرص"، أعده الباحثان الإسبانيان بوستيلو غلافيث و شانديراماني راميش كيسي سنة 2020، ففي شهر يناير 2020 انخفض حجم الواردات إلى مدينة سبتة بنسبة 40 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وهو ما أظهر التأثير المباشر لإغلاق المعبر الحدودي في وجه النشاط التجاري والاقتصادي بالمدينة. تزامن أثر إغلاق معبر سبتة مع تداعيات جائحة كورونا، ما فاقم من حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بمدينة سبتة وقطع شريان الحياة على معبرها الحدودي.

لم يكن إغلاق المعبر مجرد توقف فرضته الجائحة، بل مساراً بدأ بتفكيك اقتصاد حدودي استمر عقوداً. وحين انقطعت الحركة، بدا أن معبر سبتة لن يعود إلى ما كان عليه قبل 2019، قبل أن يدخل بعد عامٍ واحد فقط مرحلة جديدة ساحةً لأزمة دبلوماسية مباشرة بين المغرب وإسبانيا. تحول معبر سبتة في ماي 2021 إلى قلب واحدة من أخطر الأزمات الدبلوماسية بين البلدين، بدأت خارج سبتة. ففي أبريل من السنة نفسها، استقبلت إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج سرياً وبجواز سفر مزور. وقدمت استضافته باعتباره "قراراً إنسانياً"، بينما عد المغرب استقباله والموقف الإسباني قضية سياسية تمس أحد أكثر ملفاته الخارجية حساسية.

بعد أسابيع فقط، انتقل الخلاف من القنوات الدبلوماسية إلى الحدود. فبين يومي 17 و19 ماي من السنة نفسها، دخل إلى سبتة نحو عشرة آلاف من المغاربة في تدفق غير مسبوق في فترة زمنيةٍ قصيرةٍ. وفي غضون ساعاتٍ، تحول معبر سبتة من معبرٍ مغلقٍ منذ أشهر إلى مركز أزمةٍ استنفرت الحكومة الإسبانية والجيش ووسائل الإعلام. أزمةٌ أوضحت هشاشة "حدود أوروبية" يعتمد ضبطها، في جانب كبير منه، على مستوى التعاون بين المغرب وإسبانيا. أثار هذا الحادث رد فعل من جانب الاتحاد الأوروبي. ففي قراره الصادر في 10 يونيو 2021، أدان البرلمان الأوروبي "استخدام الهجرة أداةً للضغط السياسي"، وندد "باستخدام القاصرين لأغراضٍ سياسيةٍ". مؤكداً أن "سبتة تمثل حدوداً خارجيةً للاتحاد الأوروبي، ويتعين احترامها". في اليوم التالي، هاجم بيان عن وزارة الخارجية المغربية البرلمان الأوروبي.

وصل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى سبتة المحتلة في ذروة الأزمة، وبعده سنتياغو أبسكال زعيم حزب فوكس اليميني المتشدد الذي طالب "بضرورة عسكرة المعبر الحدودي لتفادي غزو جديد من طرف المغرب". في المقابل استدعى المغرب سفيرته في مدريد للتشاور. وتراجع مستوى التعاون بين البلدين، وامتدت تداعيات الأزمة إلى ملفات أخرى، من بينها عملية "مرحبا" التي يُنظمها المغرب بتعاون مع السلطات الإسبانية لعبور المغاربة المقيمين في الخارج سنوياً، ما يعني وقف مرور حوالي ثلاثة ملايين ومئتي ألف مغربي من التراب الإسباني متوجهين إلى المغرب عبر موانئ الجزيرة الخضراء وطريفة وبرشلونة. أصاب التحركُ الاقتصادَ الإسباني بخسارة قدرتها الحكومة الإسبانية ب500 مليون يورو لقطاع الموانئ وشركات النقل البحري الإسبانية، علاوة على 1120 مليون يورو من المداخيل الناتجة عن مصارف متعددة منتظرة من الجالية المغربية خلال فترة العبور. 

داخل مدينة سبتة، احتدم الصراع بين اليمين المتطرف الإسباني الممثل بحزب فوكس وسياسيين محليين ينتمون لأحزاب محلية تمثل مسلمي المدينة. اتهمهم فوكس في جلسة للمجلس البلدي بسبتة بأنهم "موالون للمغرب" و"طابور خامس"، ما أدى إلى تصعيد حاد في التوتر السياسي داخل المدينة، وأجبر رئيس المجلس البلدي على تعليق عدة جلسات عامة للمجلس. لكن الأزمة نفسها جعلت إعادة ضبط الحدود جزءاً من مسار المصالحة بين البلدين الذي بدأ في الأشهر التالية. كانت أول خطوة من الجانب الإسباني عزلَ وزيرة الخارجية أرنتشا غونزاليث لايا التي استضافت زعيم البوليساريو بإسبانيا، في تعديل وزاري في 10 يوليوز 2021، وتعويضها بالدبلوماسي خوسيه مانويل ألباريس الذي شغل وقتها منصب سفير إسبانيا بفرنسا. وبدأت قنوات الاتصال بين المغرب وإسبانيا تستعيد نشاطها. في مارس 2022، بعث بيدرو سانشيز رسالة إلى الملك محمد السادس اعتبرت فيها الحكومة الإسبانية المبادرةَ المغربيةَ للحكم الذاتي في الصحراء، الأساس الأكثر جدية وواقعية وصدقية لحل النزاع. 

تُوج التحول بزيارة سانشيز إلى الرباط في السابع من أبريل 2022 وإصدار بيان مشترك أعلن نهاية الأزمة وفتح مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. لم يكن معبر سبتة غائباً عن ترتيبات المصالحة. إذ عاد هذه المرة لا ساحة للتوتر، بل أحدَ الأماكن التي ينبغي أن تظهر عليها نتائج التقارب، وذلك بإعلان استعادة حركة الأشخاص، وتنظيم عبور البضائع وإنشاء مركز جمركي تجاري في سبتة.